
العلم الإلكترونية - بقلم ياسر الطريبق
كانت الدولة في المغرب في زمن مضى _أي بعد الاستقلال مباشرة_ تتحكم في مجال التشغيل بحيث لم يكن ممكنا للقطاع الخاص أن يشغّل عمالا أو مستخدمين دون تسجيلهم في مكاتب التشغيل (bureaux de placement) التي كانت تابعة لوزارة الشغل في الدولة، بل وحتى العمال المغاربة الذين كانوا يهاجرون إلى أوروبا وبقاع أخرى في العالم لأجل العمل بشكل رسمي كانوا يمرّون عبر مكاتب التشغيل التي كانت تتكلف بالوساطة في تشغيلهم، وبالتالي فإن الدولة كانت تمتلك خارطة طريق واضحة لعدد طالبي العمل مقارنة مع عدد عروض العمل في القطاع الخاص في الداخل ناهيك عن فرص الشغل الآتية من الخارج في إطار الاتفاقيات الدولية.
وبطبيعة الحال وقعت تغييرات في سياسة الدولة المغربية اسوة ببقية العالم في مجال التشغيل حيث تم فتح المجال للقطاع الخاص للمشاركة في تدبير هذا المجال فبدأت الدولة المركزية في جل بلدان العالم تنسحب تدريجيا من تدبير هذا الملف لذلك ألغى المشرع المغربي العمل بنظام مكاتب التشغيل في التسعينيات من القرن الماضي ليتم الانخراط في برامج أخرى كانت تعتبر استراتيجية من قبيل "المجلس الأعلى للشباب والمستقبل" ثم تم تأسيس الوكالة الوطنية للتشغيل والكفاءات خلال سنة 2000 وهي الوكالة التي تخضع لوصاية الحكومة لكنها لا تتحكم في خارطة التشغيل في بلادنا وإن كانت تدبر ملفات مهمة نسبيا تتعلق بتحفيز التشغيل والتكوين والإدماج ناهيك عن تنفيذ كثير من الأوراش والبرامج الوزارية (برامج "تحفيز" و"تأهيل" و"مقاولتي" وغيرها من برامج التكوين والادماج)، علما أنه توجد هيئات عمومية أخرى مكلفة بتدبير قطاع الشغل كالمجلس الأعلى للتشغيل المنصوص على تأسيسه في مدونة الشغل الصادرة سنة 2004 وكذا المرصد الوطني لشوق الشغل وكذا مديرية التشغيل التابعين للوزارة المكلفة بالشغل، بينما تم فتح المجال واسعا للقطاع الخاص لممارسة الوساطة في التشغيل من خلال وكالات التشغيل الخصوصية ومقاولات التشغيل المؤقت وغيرها، وهو ما نتج عنه نوع من الضبابية أو التشتت في تدبير هذا الملف الشائك المتعلق بتوفير مناصب الشغل.
وأما اليوم أو الآن _بعد أن وقع ما وقع من تطورات على مستوى الدولة (مشروع تعميم الحماية الاجتماعية والصحية للمغاربة) والعالم (نزوح الدول إلى الانغلاق والحمائية الاقتصادية للتحصن أمام تزايد التوترات الاقليمية)_ أفلا يجدر بدولتنا العودة إلى احتكار مجال الوساطة في التشغيل باعتباره مدخلا أساسيا لتوفير مناصب الشغل بشكل مباشر وعقلاني ومضبوط بدلا من تركه متاحا لشركات ومكاتب لا يهمها تدبير مجال التشغيل في بلادنا بقدر ما يهمها توسيع هامش الربح في تجارتها وهذا حقها المشروع قانونيا طبعا؟
لقد جاء في تقرير للهيئة المكلفة بالإحصاء التابعة للمندوبية السامية للتخطيط خلال سنة 2023 _أي قبل صدور نتائج الإحصاء العام سنة 2024_ أن عدد الفقراء في المغرب يبلغ حاليا قرابة مليون ونصف مليون شخص وهناك عدد أكثر منهم مهددون بالفقر، وهذه أرقام تجسد واقعنا في ظرف استثنائي أطلق فيه جلالة الملك محمد السادس مشروعا مجتمعيا ضخما يرمي إلى تعميم الحماية الاجتماعية والصحية للمغاربة وتقديم الدعم المباشر للأسر الفقيرة التي تحتاج للدعم بسبب العجز أو المرض أو الشيخوخة أو التوفر على أطفال في سن التمدرس وما إلى ذلك، وبالتالي أنا أطرح السؤال التالي (والسؤال موجه للسلطة التنفيذية خصوصا): أفلن يساعدنا احتكار الدولة لمجال الوساطة في التشغيل _موزاة مع تنفيذ مشروع تعميم الحماية الاجتماعية للمغاربة _ في ضمان توفير أكبر عدم من مناصب الشغل المباشرة للمواطنين وبالتالي تقليص الفئة المستهدفة بالدعم المباشر وحصرها أساسا في الفئة العاجزه عن العمل ليس إلا؟
في نظري المتواضع، ولئن كان يبدو من شبه المستحيل العودة إلى العمل بنظام موحّد للوساطة في التشغيل عن طريق الدولة، يبقى من الضروري بالنسبة للحكومة أن تبتدع حلولا جدرية للحد من البطالة وتوفير فرص شغل مباشرة ومتحكم فيها، برامج أعمق وأنجع من البرامج الوزارية الأخيرة من قبيل برنامج "أوراش" مثلا دون الحصر.