الرئيسية / slider / معاناة عاملات الحمامات الشعبية.. بين «صهد» الحمام وشح المداخيل تذوب الصحة والعمر

معاناة عاملات الحمامات الشعبية.. بين «صهد» الحمام وشح المداخيل تذوب الصحة والعمر

آخر تحديث :2019-03-26 10:29:59

معاناة عاملات الحمامات الشعبية.. بين «صهد» الحمام وشح المداخيل تذوب الصحة والعمر

 

 

  • العلم: حورية خير الله

 

هي خير المدركين للمثل الشعبي «واش دخول الحمام بحال خروجو»، عدوة الأوساخ وطاردة العياء، إنسانة تقضي نهارها وما تيسر من ليلها وسط الماء، تحرم نفسها من النور والهواء، تسهر على راحة الغير دون كلل، تعيش بين مكانين ومناخين متناقضين، لا أجيرة ولا صاحبة راتب شهري قار. إنها عاملة الحمام، “الطيابة” أو “الكسالة” بالدارجة المغربية، مهامها تتعدد وتتنوع، تجلب الماء، تحجز الأماكن للزبونات، تدلك الجسم، كما تزيل الأوساخ والجلد الميت بواسطة الليفة الخشنة “الكيس”، وإضافة لما ذكر تقوم بأعمال تنظيف الحمام.

تحتاج مهنة “الطيابة”، إلى مجهود عضلي وقدرة على تحمل الحرارة، خاصة بالقاعة الساخنة “البرمة”. فالحمام المغربي التقليدي ينقسم إلى ثلاث غرف أو قاعات، تكون الأولى باردة وهي القريبة من المدخل، فتأتي متوسطة الحرارة، ثم الأخيرة وتكون شديدة الحرارة وممتلئة بالبخار تستقطب أكبر عدد من الزبونات.

 

معاناة عاملات الحمامات الشعبية
معاناة عاملات الحمامات الشعبية

 

بين الضفة والأخرى..

 

فاطنة، تعمل بهذا المجال لأزيد من 30 سنة، تروي حكايتها قائلة: «زوجي الأول “أحمد”، كان يضربني باستمرار، ويأتي للبيت عند اقتراب الصبح، يتمايل ويغني وصيحاته تزعج الجيران، ظننت أنه سيتغير ويحس بالمسؤولية إذا أنجبت له ابنا، لكن الأمر ازداد سوءا، بعد أن أنجبت ابنتي الأولى “مريم”، وبعد سنتين من عذاب ومعيشة ضنكا افترقنا، وفضلت أن أصبح مطلقة، على أن تعيش ابنتي وتكبر مع أب سكير غير مسؤول، فلم أجد ملاذا أقصده، فأنا يتيمة “لا حنين لا رحيم”.

كنت حينها في الخامسة والعشرين من عمري، جميلة ورشيقة، بشعر لامعٍ ينعكس عليه ضوء الشمس، فيبدوا كسماء قاتمة زينتها النجوم، اقترحت علي جارتي آنذاك بنواحي مدينة الجديدة، أن أذهب لأقطن أنا وابنتي لدى إحدى قريباتها بمدينة الرباط، إلى أن أحصل على عمل لتوفير حاجيات ابنتي الصغيرة.

 

معاناة عاملات الحمامات الشعبية
معاناة عاملات الحمامات الشعبية

 

واعتدتُ كل صباح أن أترك ابنتي مع “لالة طامو”، وهي سيدة ستينية تعيش وحيدة بلا زوج ولا معيل، تكتفي بما يجود به الناس عليها، يسميها سكان الحي “مي طامو”، كانت تعتني بـابنتي مريم، أشد الاعتناء وكنت أذهب للبحث عن العمل وقلبي مطمئن أنها بين أيادٍ أمينة، وطيلة مدة البحث عن العمل، التقيت ذئابا بأجسام بشرية، فور سماعهم بأنني مطلقة يظنونني “عاهرة”، يحاولون إغرائي بأموال مدنسة، لكن هذا الأمر لم يجد فرصة ليضعفني، واستطعت إيجاد عمل كـ”طيابة” بالحمام، إنه عمل متواضع ودراهمه معدودة، لكنه عمل شريف و برزق حلال ،تسترسل واصفة نفسها «أنا الشمعة التي ذابت لتنير أجساد الأخريات”.

 

وفي تتمة حديثها تقول: وأنا في الثانية والثلاثين من عمري تزوجتُ للمرة الثانية بـ “بوبكر”، بائع متجول، رجل يقدر المرأة المغربية المكافحة، ورغم مرور سنوات على زواجنا لازال بوبكر يغمرني بالحب والحنان والعطف، رزقت منه بتوأم حسن ومعاذ، وهما الآن يتابعان دراستهما بالسنة الثانية باكالوريا، إضافة إلى أنه كان خير أب لابنتي الأولى “مريم” التي زوجتها السنة الماضية. وعن مستقبلها تحكي وكأنها متيقنة:”سيجعل لي الله في ذريتي طينة تبر بي وتحسن إلي وحتى لو لم يكن لدي أولاد، فرزقي عند الله مكتوب”.

 

معاناة عاملات الحمامات الشعبية
معاناة عاملات الحمامات الشعبية

 

زمان العز..

 

لمع بريق عيني فاطنة، وهي تحدثنا عن ذكرياتها بالحمام والبسمة تعلو محياها “كان الحمام يستقبل العروس والنفساء والضيفة، تعبيرا من العائلة المستضيفة عن فرحتهم بقدومها، كنا نستقبل هدايا من عائلة العروس، وكانت هناك طقوس تقام في شعبان ورمضان بالحمام، كنا نشارك أناس الحي والبعيدين أفراحهم ومناسباتهم، كنا نستقبل سيدات من عائلات عريقة، وننتظر قدومهن بفارغ الصبر لكرمهن وحسن معاملتهن.. في الحقيقة، كنا لا نحس بالتعب لتواضع الزبونات وسخائهن وتقديرهن لنا. وتتنهد قائلة “أما دابا المخير فيكم منين يسمع الصداع ولا الدباز، يقول كيتعاطاو بحال الطيابات”.

 

معاناة عاملات الحمامات الشعبية
معاناة عاملات الحمامات الشعبية

“مولاة الرزمة”..

 

وفي حديث مع لالة عايشة وهي سيدة أربعينية لها مكانة هامة بالحمام، فهي “مولاة الرزمة”، المكلفة بحراسة حقائب ورزم المستحمات، تقول “في الحقيقة تغيرت قيمة الحمام البلدي، وتغير معها كل شيء، تضررنا نحن العاملات من هذا التغيير الذي زاد من ضعفنا وليس لنا سبيل آخر، فنحن قضينا مدة طويلة بهذا العمل، ليس لنا تأمين ولا تقاعد، أغلبنا ينتهي به الأمر بأمراض مزمنة ومشاكل صحية وخيمة”.

نشاط متعب لجأت إليه العديد من النسوة، دفعتهن ظروف المعيشة القاسية لدخول قوقعة “طيابات الحمام”، متحملات بذلك نفسيات وذهنيات مختلفة لزبونات تفرضن قانونهن الخاص، ناهيك عن حجم الأمراض والمشاكل الناتجة عن العمل في الرطوبة والحرارة.

 

قالت لالة عايشة، “الطيابة تبقى لساعات طويلة داخل غرف الحمام تغسل لهذه وتدلك لتلك، تلامس أوساخ الغرباء المبرومة كديدان رمادية، أو كمعكرونة مقسمة، وتجمع بقايا علب المستحضرات وأكياس الشمبوان، الممزوجة بالصابون المائع وبقايا الشعر المتناثرة، وفي بعض الأحيان آلات حادة للحلاقة تتركها بعض النساء غير مباليات بخطورتها، فالطيابة تجمع كل المهملات والفضلات، وهذا هو عمل المسكينة والمقابل دراهم معدودة”. أضافت لالة عيشة مولاة الرزمة متحسرة “رزق الطيابة، براكتو فقلتو ومادام فضلات A. Chudinskio studija reklamos dizainas, firminis stilius, logo ir internetinių svetainių kūrimasالبرمة على الخروج بليل والعتمة، ربي يبارك فطعام ولادها لحد التخمة”.

ورغم كل الظروف الصعبة التي تشتغل في ظلها هذه الفئة الكادحة، إلا أن المخاطر والنتائج الوخيمة تؤثر على صحة هؤلاء، أكثر من أي مشكل عابر قد يعترضهن خلال تأديتهن لمهامهن اليومية.

 

معاناة عاملات الحمامات الشعبية
معاناة عاملات الحمامات الشعبية

 

مجبرات لا مخيرات..

 

تقول فاطنة “أغلب العاملات بالحمام اللاتي التقتهن خلال سنوات العمل، يُجمعن على أن ظروفا قاهرة دفعتهن إلى العمل كطيابات قصد جني بعض الدراهم المعدودة، لسد رمق أسرهن، لذلك هن مجبرات لا مخيرات، و(مالقاو عليها مقالة)”.

 

وحسب العديد من الأطباء، فأكثر الأمراض شيوعا عند النساء العاملات في هذا المجال هو التهاب الشعب الرئوية الحاد، وكذا الربو في مراحله المتقدمة، ناهيك عن الضغط الدموي والروماتيزم، هذا ما اشتكت منه فاطنة، قائلة: “بدأت أحس بضيق في التنفس وآلام وانقباضات  في الصدر، و دوار رهيب، وضبابية في الرؤية، ويوما بعد يوم يزداد الألم والمعاناة، توجهت نحو طبيب عام ليشخص حالتي، واكتشفت بعد إجراء الفحوصات والتحاليل أنني مصابة بالربو والروماتيزم، إضافة إلى ارتفاع الضغط الدموي الحاد، ومنذ ذلك اليوم وأنا أعيش ببخاخ الفونطولين، لم أتابع العلاج والأدوية الأخرى، فالمال الذي أجنيه لا يكفي لمصاريف المتابعة الطبية والمواعيد المتعددة”.

في هذا السياق، يقر أخصائيو الأمراض الجلدية، أن الاحتكاك الدائم مع الأشخاص الغرباء وفي درجة حرارة مرتفعة، كتلك التي تميز حماماتنا التقليدية، يجعل هؤلاء النساء عرضة للإصابة بمختلف أنواع الأمراض الجلدية الخطيرة. أما عن باقي الأمراض التي يتسبب بها الانحناء المستمر والجهد العضلي الكبير المبذول في ظروف غير مناسبة فحدث ولا حرج.

 

معاناة عاملات الحمامات الشعبية
معاناة عاملات الحمامات الشعبية

دعوة للالتفات..

 

“شكون يديها فينا وحنا لي الزمان كافينا، وصحتنا مشات لينا وحتى من القانون ناسينا”، هكذا تحدثت فاطنة في غير رضى عن وضعها المهني، فجدير بالذكر أن مهنة “الطيابات” من المهن الواغلة في القدم و غير المهيكلة ببلادنا، والتي لا تخضع إلى القانون المنظم للشغل، كما أن هاته الفئة من النساء يشتغلن في صمت، بعيدا عن صيحات و مناشدات الجمعيات النسائية والحقوقية، وكذا البرامج الإعلامية ، ولا وجود لدراسة ميدانية حول وضعيتهن الاجتماعية والقانونية. وفي ظل غياب الْتفاتة إلى هذه الفئة وصمت الجميع، ستستمر المعاناة إلى أجل غير مسمى.

 

معاناة عاملات الحمامات الشعبية.. بين «صهد» الحمام وشح المداخيل تذوب الصحة والعمر
معاناة عاملات الحمامات الشعبية.. بين «صهد» الحمام وشح المداخيل تذوب الصحة والعمر
(Visited 19 times, 1 visits today)

عن العلم

العلم

شاهد أيضاً

ترتيب الدول حسب غلاء المعيشة من الأدنى إلى الأعلى في سنة 2019

ترتيب الدول حسب غلاء المعيشة من الأدنى إلى الأعلى في سنة 2019

ترتيب الدول حسب غلاء المعيشة من الأدنى إلى الأعلى في سنة 2019 (Visited 24 times, …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *