أخبار عاجلة
الرئيسية / سياسة / المجاهد امحمد بوستة أو الوطنية المتصالحة مـع العصر المبدعة فـي الفكر والنضال.. بقلم // عبد الـقـادر الإدريـسـي

المجاهد امحمد بوستة أو الوطنية المتصالحة مـع العصر المبدعة فـي الفكر والنضال.. بقلم // عبد الـقـادر الإدريـسـي

آخر تحديث :2017-04-02 12:36:51

Last updated on أبريل 3rd, 2017 at 05:28 م

المجاهد امحمد بوستة أو الوطنية المتصالحة مـع العصر المبدعة فـي الفكر والنضال.. بقلم // عبد الـقـادر الإدريـسـي

 

دخلت إلى عالم الأستاذ امحمد بوستة من باب المجاهد أبي بكر القادري والمجاهد الهاشمي الفيلالي. فمن خلال اقترابي منهما، واحتكاكي بهما، وعملي معهما، تكاملت لدي الرؤية الصافية الواضحة التي أنارت أمامي معالم الطريق لمعرفة قدر لا بأس به من الحقائق عن الحركة الوطنية المغربية في مساراتها الطويلة المتعددة، وملاحمها التاريخية المتواصلة، فتكونت عندي العناصر الفاعلة والمؤثرة لفهم الخريطة السياسية والفكرية، وللوقوف على العوامل الرئيسَة التي تصنع الأحداث، كما تؤثر في صانعي الأحداث. فعرفت معرفة عميقة أن الأستاذ امحمد بوستة هو أحد الكبار الذين ساهموا في صناعة القرارات التاريخية، ووضعوا الأسس للنضال في مغرب ما قبل الاستقلال، كما بنوا القواعد للعمل الوطني ولبناء الدولة في عهد الاستقلال.
عرفت الأستاذ امحمد بوستة من خلال هاتين الشخصيتين المناضلتين اللتين كانتا من بناة الاستقلال، ومن الرواد الماهدين الذين أسسوا الحركة الوطنية في بلادنا. فلقد كان المجاهد الهاشمي الفيلالي، الذي عملت معه في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، فاقتربت منه، واستمعت إليه، وأخذت عنه، وتعلمت واستفدت دروساً ثمينة في الانتماء الوطني، وفي الوفاء للقيم وللمبادئ وللمقدسات وللثوابت، كان مثالاً نادراً للقائد الاستقلالي، ونموذجاً راقياً للمعلم والملهم ومربي الأجيال، وكان من جملة ما تعلمته منه، استخدام المقياس الدقيق لمعرفة أقدار الرجال المناضلين الذين هم القدوة السامية في الكفاح الوطني، بقدر ما هم القادة في حزب الاستقلال، وفي الطليعة منهم الأستاذ امحمد بوستة.
ولقد فتح المجاهد أبو بكر القادري أمامي أفـقـاً واسعاً لمعرفة جوانب عدة من تاريخ حزب الاستقلال، حيث أتاح لي الفرصة لإدراك عمق المفاهيم الوطنية، وللإحاطة بالدلالات الفكرية، والمعاني الحضارية، والرموز الوطنية لهضمها واستيعابها ولتشرّبها وللتجاوب معها وللارتباط بها، الأمر الذي وفّـر لي الوسائل الذهنية للولوج إلى عوالم استقلالية، فكان منها عالم الأستاذ امحمد بوستة الذي ينفتح على آفاق شاسعة ويمتـدّ إلى آماد مترامية الأبعاد، فترسخ لديَّ الوعيُ بأن الوطنية درجات، وأن السياسة مقامات، وأن الرجال المناضلين طبقات. فأدركت بعمق، من هو الأستاذ امحمد بوستة، وعرفت عن يقين، أنه ينتمي إلى الطبقة العليا بين رفاقه من المناضلين، وعلمت أنه نمط فريد من بين صانعي القرار داخل حزب الاستقلال؛ لأنه جمع في إهاب واحد، بين الحكمة والكياسة والفطنة والذكاء والعلم والمعرفة والخبرة، وبين الصدق في القول، والإخلاص في العمل، والتفاني في النضال، والصمود في المواقف، والثبات عند الأزمات، فارتقى بتلك الخصال الحميدة والسجايا النضالية الفريـدة، إلى الذروة العالية في النضال الوطني، حتى صار القائد الحكيم في زمن عـزَّ فيه الحكماء من هذه الطبقة.

 

المجاهد امحمد بوستة أو الوطنية المتصالحة مـع العصر المبدعة فـي الفكر والنضال.. بقلم // عبد الـقـادر الإدريـسـي
سمعت المجاهد الهاشمي الفيلالي، وفي مرات عديدة، سواء في مكتبه بالوزارة، أو في بيته بجوار وزارة الخارجية، أو في بيته بالدار البيضاء، أو في الأسفار التي رافقته فيها إلى المشرق العربي وإلى بعض الدول الأفريقية، سمعته يحكي عن نقاء معدن الأستاذ امحمد بوستة، وصفاء ذهنه، ومضاء ذكائه، وعن وثيق ارتباطه بالأستاذ الحاج أحمد بلافريج، ثم بالزعيم الأستاذ علال الفاسي بعد أن عاد من المنفى في سنة 1946، وكان يثني على حنكته وخبرته، وعن أناته في معالجة الأمور، ودقته في مناقشة المسائل، وتريثـه في البحث عن البدائل والحلول للمشكلات المطروحة في الاجتماعات الحزبية. فكان ذلك دافعاً قوياً لي للاقتراب، وإنْ كان في حدود، من الأستاذ امحمد بوستة، والاعتزاز به مناضلاً وطنياً له هذه المكانة الرفيعة في قلوب من سبقوه في النضال وكانوا أساتذة له.
وسمعت المجاهد أبا بكر القادري، عند زياراتي المتكررة له في منزله، بحي بطانة في سلا، وطوال سنوات عديدة، يشيد بالأستاذ امحمد بوستة في كل مرة يعرّج بنا الحديث إلى أوضاع الوطن، ومشاكل المرحلة، وتعقيدات الموقف السياسي، فوجدته وثيق الصلة به، شديد القرب منه، إلى درجة جعلتني أخرج دائماً من أحاديثي معه بانطباع بأن بين هذين القائدين كيمياء سارية المفعول، فكنت أقول في نفسي : (هذا صـفـيٌّ يتعلق بصـفـيّ)، لأن الصفاء كان مهيمناً على العلاقة بين الرجلين الكبيرين. وفي بيت المجاهد القادري جلست إلى الأستاذ بوستة في بعض المناسبات، والتقيت به قبل ذلك في جريدة «العلم»، واستقبلني أكثر من مرة في مكتبه بحزب الاستقلال، ومرة واحدة في مكتبه بوزارة الخارجية، واستقبلني كذلك في بيته. ولتقديره لي ولثقته فيّ، ضمَّني إلى اللجنة الثقافية لمؤسسة علال الفاسي عضواً عاملاً. وفي اجتماعات هذه اللجنة برئـاسة الأستاذ الكبير عبد الكريم غلاب، تأكد عندي أن ما كنت أسمعه من المجاهدَين الوطنيين الكبيرين عن الأستاذ بوستة، يطابق الحال، ويعكس حقيقة الأمر، ويعبر بصدق وبوضوح، عن الطبيعة الخاصة لهذه الشخصية الوطنية الفـذة المحبَّـبة إلى النفس، بخلقها الرفيع، وأدبها الراقي، ولطفها الذي يجعل المرء مشدوداً إليها، متجاوباً معها، واثـقـاً فيها، محباًّ لها.
زرته ذات يوم في بيته بزنقة غمارة في السويسي، بناء على موعد حـدده لي، لأعرض عليه كتابي (علال الفاسي قمة من المغرب) في بروفاته الأولى، وأرجوه أن يتفضل بكتابة مقدمة للكتاب، فرحب بي مبدياً ارتياحه لهذه المبادرة، ومثنياً على الجهد المتواضع الذي بذلته في تقديم ملامح من شخصية الزعيم إلى القارئ. وتلطف فاستجاب لطلبي، وأمهلني بعض الوقت حتى يتمكن من كتابة المقدمة. ودار بيننا خلال ذلك اللقاء الماتع الرائع الذي جرى في مكتبه بالمنزل، حديث طليٌّ شيق عن الزعيم علال، وعن المؤسسة التي تحمل اسمه، وعن الحاجة إلى نشر تراثه وإشعاعه وتعريف الأجيال الجديدة به. وبعد أقل من أسبوع، اتصل بي بالهاتف، ليدعوني إلى زيارته في بيته لاستلام المقدمة. وكانت تلك فرصة مواتية للخوض في شؤون الفكر والثقافة، ولاستحضار الدور الكبير الذي قام به الزعيم علال في تجديد الفكر الإسلامي المعاصر الذي شدّد على الحاجة إلى إحيائه في هذه المرحلة التي يجتازها العالم الإسلامي.
وجمعني بالأستاذ امحمد بوستة ذات يوم اجتماع في بيته بغرفة المكتبة، بحضور الأستاذ محمد العربي المساري، بمناسبة التداول في شأن تحرير المذكرات التي أراد أن يسجلها. وتحدث في ذلك الاجتماع الأستاذ المساري باستفاضة، عن مشروع تحرير المذكرات، وعن المنهج الذي يتعيّن اعتماده. وكنت قد استجبت لطلب القيام بهذه المهمة حين عرضه عليَّ الأستاذ المساري عندما زارني في مكتبي بمنظمة الإيسيسكو لهذا الغرض. غير أنني، وبعد طول تفكير وتقدير لثـقـل المسؤولية، وجدتني عاجزاً عن الوفاء بما وعدت به. فكتبت رسالة إلى الأستاذ بوستة أعتذر له فيها، لضيق وقتي ولكثرة الأعباء التي أقوم بها، لأنني قدرت حجم العمل الذي يتعيّـن عليَّ أن أنهض به، والذي هو فوق طاقتي وقدراتي دونه. وعلمت بعد ذلك أن الأستاذ المساري حمل هذا العبء وأضافه إلى الأعباء التي كان يحملها. ولعل مذكرات الأستاذ امحمد بوستة قد حررت واستكملت، وأرجو أن تكون جاهزة للطبع.
في اجتماعات اللجنة الثقافية لمؤسسة علال الفاسي، كانت تظهر الملامح المضيئة للشخصية الثقافية للأستاذ امحمد بوستة، فقد كان بارعاً في عرض الفكرة ومناقشتها، وكان عميقاً في تحليل القضايا المطروحة، محلقاً بنا في آفاق بعيدة ينتقل فيها بين التاريخ والفكر والثقافة والدبلوماسية، وبين الأدب والشعر واللغة، جامعاً بين الإفادة والإمتاع والمؤانسة بالقفشات المراكشية اللذيذة التي كانت تنعش القلب وتبهج النفس، وتظهر الروح المرحة والطبيعة المتفتحة للمناضل الكبير، المطبوعة بالظرف واللطافة، والمغموسة في الرقـة والعذوبة، فلا ينتهي الاجتماع إلا وقـد سرت البهجة في نفوس الحاضرين، وارتفعت المعنويات، وساد في القاعة جـوّ من الارتياح الذي يخفـف من ثـقـل المهمة المنوطة بأعضاء اللجنة. واتـفـق في مرات كثيرة، أن وصلت إلى مؤسسة علال الفاسي في وقت مبكر من موعد الاجتماع الأسبوعي للجنة، وبعد دقائق يكون الأستاذ امحمد بوستة في مقدمة الحضور، فأسعد بالجلوس إليه على انفراد، أو ندخل معاً المكتبة للطواف على أجنحتها لنستعرض رفوفها ونتوقف عند بعض العناوين. ويجري بيننا أثناء ذلك حديث رائق عن الكتب، فأعرف أنه مولع بالقراءة مدمن عليها، واسع الاطلاع، لا يقتصر في قراءاته على حقل واحد من حقول المعرفة. ويقول لي إنه يقتدي في ذلك بالحاج أحمد بلافريج وبالزعيم علال. فكنت أفوز بهذا الامتياز الذي أتاحه لي حضوري المبكر قبل انعقاد الاجتماع.
في إحدى تلك المناسبات حدثني الأستاذ امحمد بوستة عن اللحظات الأخيرة من حياة الزعيم الكبير علال الفاسي، وروى لي كيف لفظ الزعيم الملهم أنفاسه. وهي الرواية التي سجلتها في كتابي (علال الفاسي : قمة من المغرب).
هذه الشخصية ذات الوزن الثقيل علماً وخلقاً ووطنيةً، لم تتغير في ظرف من الظروف، أو تحت أعباء منصب من المناصب، فقد عاش الأستاذ بوستة وطنياً استقلالياً حتى النخاع، في جميع المراحل، منفتحاً على تيارات عصره، ومندمجاً في المعارك السياسية التي كان يخوضها، فلما تولى المناصب الوزارية، بقي كما عرفه الجميع، مناضلاً من أجل كرامة الشعب وعزة الوطن.
طلبت من أستاذنا الكبير في يوم ما أن يحدد لي موعداً معه، لأعرض عليه كتابي (العالم الإسلامي في المواجهة)، وأطلب منه كتابة مقدمة له، فقبل بلطفه وكرمه، ودعاني إلى زيارته في مكتبه بالمركز العام لحزب الاستقلال. وقدمت له البروفة الأخيرة للكتاب، فنظر فيها وتصفحها بسرعة، ثم قال لي : (بعد العودة من زيارة سأقوم بها إلى الخارج، سأوافيك بما تريد). وكان وفياً بالوعد، كعهده دائماً، وجاءتني منه المقدمة التي زادت من قيمة الكتاب. وكانت دهشتي لا حد لها حينما فوجئت باتصاله بي في مكتبي ليسألني : (كيف وجدت المقدمة؟). وكان هذا منتهى التواضع من الأستاذ الكبير. وصدر الكتاب في سنة 1978. وجاء في المقدمة التي أعتـزّ بها أيما اعتزاز، والتي عبر فيها عن فهمه العميق لقضايا العالم الإسلامي : (… إن هذا الكتاب يرصد الظواهر المتقلبة والأحداث المتعاقبة في العالم الإسلامي، ويعتبر إسهاماً فكرياً في تعميق الشعور بالانتماء إلى المجموعة الإسلامية، وتأكيد الهوية الثقافية المتميزة والأصالة العربية الإسلامية. وهو إلى ذلك، جهد مشكور يصبّ في الاتجاه المتنامي السائر نحو تأصيل قواعد العمل الإسلامي وضبط المفاهيم السياسية الرائجة في الساحة الدولية والمتصلة بالقضايا الإسلامية. وفي الكتاب رؤية إسلامية إلى الأحداث من خلال تفاعلها واضطرابها وتقلبها على ساحة العالم الإسلامي. والكتاب يضم مقالات نشر معظمها في جريدة «العلم» التي حملت منذ أول صدورها عام 1946 مشعل الدفاع عن قضايا العالم الإسلامي والانتصار لفكرة التضامن الإسلامي التي بشر بها قادة الفكر الإسلامي في هذا العصر، وفي طليعتهم المرحوم الزعيم علال الفاسي الذي ترك بصمات واضحة في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي. وقد جمع المؤلف هذه المقالات التي نشرت في «العلم» وفي غيرها من المجلات والصحف المشرقية، ليكون هذا الكتاب إسهاماً في تعميق الوعي بالمفاهيم الإسلامية، وسبيلاً للتعريف بالقضايا التي يعالجها المسلمون من خلال العمل الإسلامي المشترك. والكتاب أيضاً، صفحة من صفحات الصحافة الوطنية المناضلة التي التزمت دائماً بالدفاع عن قضايا الإسلام والمسلمين، من منطلق الفهم العميق لماجريات الأحداث والبصر بحقائق السياسة التي توجه الدول الإسلامية).
رحم الله أستاذنا الكبير القائد الاستقلالي الفـذ المجاهد الصادق المخلص امحمد بوستة، الذي كان رمزاً شامخاً للوطنية المتصالحة مع العصر، المبدعة في الفكر والنضال، البانية للدولة المغربية الموحدة القوية القادرة الصاعدة.

المجاهد امحمد بوستة أو الوطنية المتصالحة مـع العصر المبدعة فـي الفكر والنضال.. بقلم // عبد الـقـادر الإدريـسـي
المجاهد امحمد بوستة أو الوطنية المتصالحة مـع العصر المبدعة فـي الفكر والنضال.. بقلم // عبد الـقـادر الإدريـسـي
(Visited 5 times, 1 visits today)

عن العلم

العلم

شاهد أيضاً

حفل استقبال بمناسبة اليوم الوطني الـ48 لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة بالمملكة المغربية

حفل استقبال بمناسبة اليوم الوطني الـ48 لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة بالمملكة المغربية

حفل استقبال بمناسبة اليوم الوطني الـ48 لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة حفل استقبال بمناسبة اليوم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *