أخبار عاجلة
الرئيسية / كتاب الرآي / الزمن في أطروحات المثقفين الأقدمين لماذا كان حاضرا بقوة…؟

الزمن في أطروحات المثقفين الأقدمين لماذا كان حاضرا بقوة…؟

آخر تحديث :2017-05-04 20:33:42

الزمن في أطروحات المثقفين الأقدمين لماذا كان حاضرا بقوة…؟

محمد أديب السلاوي

  • بقلم// محمد أديب السلاوي

-1-

        في تاريخ الثقافة العربية، كان الزمن حاضرا باستمرار في أطروحات المثقفين الأقدمين، كانت المعلقات والحكم، تعكس بدرجات متفاوتة من الوضوح فلسفة الزمن وقياساته وانعكاساته على الحياة…

وقد لاحظ باحث مغربي (أحمد السطاتي في أطروحته عن مفهوم الزمن في الفكر العربي/ 1980) أن زمن الماضي كان حاضرا باستمرار في وعي الإنسان العربي، يظل محمولا في ذاكرته، يعيد إنتاجه باستمرار، خلاف المستقبل الذي ظل محجوبا مغيبا لا مجال للكشف عن أسراره، إلا باللجوء

إلى السحر والخرافة والأسطورة. وهو ما يعني أن الفكر العربي قبل ظهور الإسلام، بدل أن يحلل الواقع بالتحليل المعقول، لجأ إلى الخيال… ومن ثمة تحول الزمن للفاعلية والسيطرة وتحقيق مختلف الإمكانات، ليغدو مجالا للحكم والانفعال أكثر منه مجالا للفعل والفاعلية.

لربما من أجل ذلك جاء القرآن الكريم، بمنظور مغاير للزمن، فهو في كتابنا المقدس، عنصر أساسي من عناصر بناء الذات على ضوء الهداية الربانية. فهو معبر ومخبر يمارس الإنسان من خلاله واجبات الدنيا والآخرة.

في كتابه “الوقت في حياة المسلم” يؤكد الشيخ يوسف القرضاوي، أن الوقت ليس فراغا أبدا، فلابد له من أن يملأ بخير أو بشر. ومن لم يشغل نفسه بالحق يشغله بالباطل، وفي رأيه، الوقت نعمة كبيرة، إذا كفر العبد بها، فتح على نفسه باب الهوى، وإنقاذ في تيار الشهوات، لذلك كان الإسلام وسيظل، يقيس الوقت/ الزمن، بالإنجاز الخير، ويدفع إلى توظيف الوقت في كل ما هو خير.

-2-

        في الثقافة المعاصرة، اتخذت مفاهيم الزمن طرقا أخرى في المعرفة، إذ اتجه اهتمام الباحثين وعلماء التربية والفلاسفة والعلماء المختصين، إلى تركيز “تربية الزمن” في نفوس الأطفال، بالروض والمدرسة، وإلى تعميق الشعور بأهميته في الدراسة والتكوين والترفيه، بهدف جعل وقت الناشئة، وقتا إنتاجيا، يساهم في تطوير الكفاءات الذاتية، لتصبح أكثر فاعلية… ذلك أن القيمة الأخلاقية والجمالية للزمن، في نظر العديد من الباحثين والفلاسفة والعلماء، يجب أن تظل حاضرة في الشعور الفردي للأشخاص بمحتواها وأبعادها داخل الضمير الإنساني، من المهد إلى اللحد… وهو ما أبرز إلى الوجود ما يطلق عليه في عالم اليوم “الوقت الثالث”.

الباحثون والعلماء، يقدرون للإنسان، إنه يمتلك ثلث وقته، أي الوقت الذي يبقى خارج أوقات العمل والنوم وضرورات الحياة، وهو الوقت الثالث، وهو يختلف بطبيعة الحال، من فرد لآخر، ومن شريحة إلى أخرى، باختلاف الأشخاص والأعمار والتكوين والبيئة والعمل والمستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي… ويلحون على أن يكون هذا الوقت/ الثالث إنتاجيا على مستوى قيمته الأخلاقية والجمالية.

إسلاميا، جاء الاهتمام بهذا الوقت/ الثالث، مبكرا، فأطلق عليه المسلمون الأوائل، “وقت الفراغ” وألحوا على استغلال نعمه في ما يرضي الله… على أن لا تطغى أوقاتا على أخرى، أي لا يتغلب وقت العمل على وقت ترويح على النفس، ولا وقت الواجب الديني على وقت الواجب الأسروي… ولكن من منا تعامل مع وقته وفق هذه المقاييس؟.

-3-

       وفي الزمن الراهن، عرفت هذه المفاهيم الكثير من التغيير. الأسماء التي أصبح  يحملها هي : (الزمن المعلوماتي/ الزمن التكنولوجي) ومن خلالها أصبح الزمن يطرح نفسه بحدة كمفهوم/ كقضية أولا لأنه أصبح يرتبط بالعديد من الإشكالات والتساؤلات، وثانيا، لأنه (أي الزمن) أصبح أكثر من أي زمن مضى، ينعكس على قضايا الإنسان الفكرية والتربوية والثقافية والدينية والاجتماعية، ليتحول في النهاية، إلى إشكالية للتأمل والبحث والمقاربة والاستنتاج.

إن الانفجار الاتصالاتي/ المعلوماتي، الذي يعتمد على الصور والرسائل والأرقام وغيرها من المنتوجات الإلكترونية، التي تنقل الزمن من قارة إلى أخرى بسرعة فائقة، على امتداد الكوكب الأرضي، جعل من السرعة الهائلة سمة لعصرنا الحديث/ عصر العولمة/ عصر التكنولوجيا/ عصر المعرفة، بل أن هذا الانفجار قلص المسافات، وألغى الحدود بين الزمان والمكان/ بين العلاقات البشرية/ بين المسافات الجغرافية، بين الثقافات والحضارات، وهو ما جعل إنسان الجنوب يعيش زمن إنسان الشمال، وجعل غرب الكرة الأرضية مكشوفا أمام شرقها. وجعل كل شيء يجري إنجازه ونقله في اللحظة ذاتها، خارج أي رقابة أو حدود… وهو ما شكل بعدا جديدا لمفهوم الزمن، ولمفهوم العالم.

تتجسد مظاهر هذا الانفجار في نظر العديد من الباحثين المختصين في ملمحين اثنين: ثورة الاتصالات التي ألغت المسافات بين الأزمنة والأمكنة، وانفجار المعلومات التي غيرت بشكل صارخ حياة الناس وأنماط عيشهم وطرائق تفكيرهم وآلياتهم.

والسؤال: أين موقعنا نحن المغاربة/ نحن العرب/ نحن العالم السائر في طريق النمو، من هذا الانفجار الاتصالاتي/ التكنولوجي…؟

من أجل الوصول إلى مشهد الزمن المعلوماتي الراهن، لابد لنا من توضيح بعض الأرقام والمقارنات التي طبعت الأزمان السابقة.

قبل بداية الزمن الاتصالاتي (بداية العقد السابع من القرن الماضي) كان حجم المعرفة البشرية يتضاعف كل عشر سنوات، وأصبح يتضاعف مرة كل خمس سنوات، تم تطور الأمر في نهاية القرن الماضي، فأصبح حجم هذه المعارف يتطور كل سنة، وهو ما جعل البشرية تملك في نهاية كل عام كما من المعلومات يساوي ضعف ما انتجته في كل تاريخها السابق.

باحث برازيلي يشرح هذه الوتيرة(1) المتسارعة في إنتاج المعلومات بالزمن التكنولوجي/ المعلوماتي الراهن، من خلال مقارنته بين الثورات التي حصلت في العالم حتى الآن في مجالي الإنتاج والطاقة، فيقول : ” لقد تم اكتشاف الزراعة قبل حوالي 8 آلاف عام (آثار جرمو في شمال العراق) أما الحضارة الزراعية الأولى – الحضارة السومرية- فقد بدأت قبل حوالي 4-5 آلاف عام، و احتاجت البشرية آلاف الأعوام لكي تستطيع الانتقال بعد ذلك إلى ثورة أخرى هي الثورة الصناعية التي بدأت في القرن الثامن عشر في انجلترا. لكن البشرية لم تكن بحاجة إلى أكثر من قرنين لكي تنتقل إلى “ثورة” المعلومات التي بدأت في السبعينيات (من القرن الماضي) وهذه ” الثورة” الجديدة بدورها لم تكن بحاجة إلى أكثر من ربع قرن لكي تتبلور وتبدأ بالسيطرة على مختلف أوجه الحياة البشرية المعاصرة “.

هذا التباين في الفترات الفاصلة بين هذه التحولات الحاسمة، من آلاف الأعوام إلى قرون ثم إلى عقود، يلفت النظر، والسؤال الذي يواجهنا الآن هو : هل سنشهد من الآن فصاعدا مثل هذه الثورات بين عام وآخر ؟ ثم ماذا يعني ذلك بالنسبة للزمن الراهن ولثقافتنا في العالم العربي ؟.

**********

  • سان خوسيه / اتجاهات العلاقة بين الثقافة والتقنولوجية / جريدة الشرق الأوسط 27 ماي 1994 ص 18.
(Visited 3 times, 1 visits today)

عن بقلم: محمد أديب السلاوي

بقلم: محمد أديب السلاوي

شاهد أيضاً

علال الفاسي.. السياسي الذي اختزل مسار أمة أوجعتها أحلامها في التحرر.. بقلم عبد العزيز كوكاس

علال الفاسي.. السياسي الذي اختزل مسار أمة أوجعتها أحلامها في التحرر.. بقلم // عبد العزيز كوكاس

علال الفاسي.. السياسي الذي اختزل مسار أمة أوجعتها أحلامها في التحرر.. بقلم // عبد العزيز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *