الأمــــن… ماذا يعني في القيم الثقافية والدينية؟

الأمــــنماذا يعني في القيم الثقافية والدينية؟

محمد أديب السلاوي

بقلم // محمد أديب السلاوي

-1-

في اللغة العربية، يتخذ الأمن مساحة واسعة من المفاهيم، فهو ليس مقتصرا على حماية المجتمع من السرقة والنهب والإرهاب ونحوه، بل الأمن في قواميس هذه اللغة أعم من ذلك كله، فهو الطمأنينة والاطمئنان بعدم توقع مكروه في الزمن الحاضر والآتي، وضده الخوف الذي يعني الفزع وفقدان الاطمئنان.

الأمن، من آمن يأمن أمنا فهو آمن، والأمن في هذه الحالة هو الذي يهنأ فيه الطعام ويسوغ فيه الشراب، ويكون النهار فيه معاشا والنوم سباتا والليل لباسا.

في قواميس علم الاجتماع، الأمن هو التحرر من الخوف/ هو الحالة التي يكون فيها الإنسان محميا بعيدا عن أي خطر/ هو الإحساس بالطمأنينة التي يشعر بها المواطن في وطنه/ هو المقابل العلمي للوجود الإنساني المهدد كما لو كان الوجه الآخر للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

إسلاميا، يتموقع الأمن في قلب القرآن الكريم، من خلال عدة آيات وصور، على مستوى كبير من الأهمية، بالنسبة للعبادة… والإيمان. فأول مفهوم للأمن في الإسلام، هو الحفاظ على العقيدة السليمة الصحيحة الخالية من الزيغ والشبهات والتحريفات، والتي تؤدي إلى ارتباط المسلم بربه حيث جاءت شريعة الإسلام بحسم مادة الأمن حسما جازما واضحا لا مرية فيه، ذلك لأن الإسلام ينظر إلى الأمن على أنه من أقدس الأهداف الإنسانية التي يوفق الله بها عباده الصالحين، كي ينالوا رضاه ويفوزوا بجنته.

قال تعالى: “وآمنهم من خوف” وقال جل جلاله: “الله الذي لا إلاه إلا هو الملك القدوس السلام المومن المهيمن العزيز الجبار المتكبر”. وقال سبحانه: “الذين آمنوا ولم يلبسوا أيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون”. ووصف القرآن الكريم البيت الحرام بالآمن، فقال في محكم التنزيل “وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا”. وقال تعالى “تم أنزل عليكم من بعد الضم أمنة نعاسا”.

-2-

والأمن موضوعيا، لا يمكن أن تقوم حياة الإنسان بدونه، لذلك نجده يتوزع على مساحة واسعة وشاسعة من المفاهيم، تمتد من الأمن الخاص إلى الأمن القومي.

فيما يلي، ومن أجل الإحاطة بأهم مفاهيم الأمن، سنتوقف قليلا عند أهمها، وأكثرها ارتباطا بالحياة المعاصرة.

1/- الأمن العام، وهو مؤسسة مركزية، تشكل إحدى مكونات الدولة، وعنصرا أساسيا في الحفاظ عليها وعلى هيبتها واحترام قوانينها بالجهد اليومي المنظم، وكذا دعم أنشطتها الرئيسية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ودفع أي تهديد أو عائق أو خطر عنها، من أهدافها الأساسية: توفير الأمن والأمان/ حماية الأرواح/ المحافظة على الممتلكات/ منع ومحاربة الجريمة قبل وقوعها.

2/-  الأمن الاقتصادي، وتؤطره العديد من الدول ضمن مؤسسة الأمن العام، إلا أنه كان ولم يزل في مقدمة أهداف الكثير من الحكومات، وخاصة منها حكومات الدول المتقدمة، التي تربط هذا الصنف من الأمن بوسائل وسياسات وإجراءات الحماية من الاختلالات التي قد تصيب الاقتصاد الوطني أو تنعكس سلبا على مواطنيه.

وتعرف هيأة الأمم المتحدة، الأمن الاقتصادي، بأنه حزمة الإجراءات والتدابير التي تتخذها الدولة لتأمين الاحتياجات الرئيسية لمواطنيها، بما ينسجم مع سياساتها الاقتصادية وأسلوب حياة مواطنيها، وبما يخلق بيئة اقتصادية واجتماعية مستقرة.

ويرى العديد من الباحثين والخبراء الاقتصاديين في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، إن الأمن الاقتصادي، هو امتلاك ما يكفي من الأموال، لإشباع الحاجات الأساسية للأفراد، كالغذاء والتعليم والكساء والسكن والرعاية الصحية الأساسية وغيرها(1).

3/- الأمن الاجتماعي، ويرتبط عادة بالسياسات الإستراتيجية للدولة، والهادفة إلى تأمين بيئة آمنة أخلاقيا واجتماعيا لمواطنيها، من أجل أن يحظوا بانضباط وعلاقات أسرية متماسكة ورباط اجتماعي قوي.
والأمن الاجتماعي، في نطر العديد من علماء الاجتماع(2)، ليس وصفة أو مجموعة من الإجراءات، إنه عملية متكاملة تبدأ بزيادة العلم والمعرفة والوعي، وتنتهي بتحمل المسؤولية الوطنية المتجهة إلى بناء المجتمع وتقويه أسسه وسد ثغراته… الأمن الإجتماعي، لا يصنع بالتوجيهات الأخلاقية والمواعظ الاجتماعية، وإنما يصنع في نطاق مشروع اجتماعي متكامل، ينهي جذور الظاهرة الاجتماعية السيئة، ويؤسس الظرف الاجتماعي/ الإنساني المناسب للأمن الاجتماعي ومتطلباته النظرية والعلمية.

4/- الأمن الفكري: ويعني في مختلف الموسوعات الحضارية(3)، اطمئنان الفرد والمجتمع إلى أن منظومته الفكرية والخلقية وقيمه التي ترتب العلاقات بين أفراده (أي ما يتعلق بمخزون الذاكرة الإنسانية من الثقافات والقيم التي ينشأ عليها بين أفراده)، ليست موضع تهديد من فكر وأفد غريب.
والأمن الفكري، من الضروريات الأمنية لحماية المكتسبات والوقوف بحزم ضد كل ما يؤدي إلى الإخلال بالأمن، ففي نظر علماء الدين الإسلامي، أن الأمن الفكري يستمد جذوره من عقيدة الأمة ومسلماتها وثوابتها، وهو الذي يحدد هويتها وشخصيتها وذاتيتها.

5/- الأمن الغذائي، وهو ما يعني في السياسات الإستراتيجية إنتاج الغذاء داخل الدولة الواحدة، يما يعادل أو يفوق الطلب المحلي، وهذا المستوى مرادف للاكتفاء الذاتي في السياسات الاقتصادية، وهو ما يعني أيضا، قدرة الدولة على توفير السلع والمواد الغذائية كليا أو جزئيا.

6/- الأمن القومي، ويعني قدرة الدولة على حماية أراضيها وقيمها الأساسية والجوهرية من التهديدات الخارجية وبخاصة العسكرية منها، وحماية مواطنيها ضد محاولات إيقاع الضرر بهم وبممتلكاتهم وبمعتقداتهم وقيمهم، وبصفة عامة، يشير مفهوم الأمن القومي في نظر العديد من الباحثين والخبراء(4) إلى المنعة القومية، أو بتعبير أبسط، هو درجة عالية من المناعة التي تحمي وتصون مقدرات البلاد من الأخطار.

7/- الأمن الثقافي، ويعني حماية الثقافة الوطنية من الغزو والاندثار، وحماية ثوابتها الحضارية والتاريخية والدينية، وهو ما يجعل هذا الأمن في العديد من الدول على ارتباط شديد بالأمن القومي، لماله من علاقة بالتوازنات الإستراتيجية للدولة، لذلك يعتبر الأمن الثقافي الضمانة المستقبلية لوحدة الأمة، لحفظ هويتها واستقلاليتها وانتمائها الحضاري.

إن الثقافة تمثل روح الحضارة، أي التعبير المتكامل عن شخصية الأمة وعبقريتها، لذلك كان الفكر هو التعبير الأعمق عن روح الثقافة وعن قدرتها على التجدد والعطاء إلى جانب القيم التي تشكل البعد الإنساني للثقافة، ومن ثمة يرى العديد من المثقفين في الدول النامية اليوم(5)، أن الأمن الثقافي يجب أن يقف على قدم المساواة مع الأمن العسكري والسياسي والاقتصادي والغذائي والاجتماعي والتربوي، لأنه يعني في جوانب عديدة منه، العمل على حماية الثقافة القومية للأمة… وحماية هويتها.

3-

هكذا/ يكون الأمن في مفاهيمه المختلفة (الأمن العام/ الأمن الاقتصادي/ الأمن السياسي/ الأمن الجنائي/ الأمن الخاص/ أمن المنشآت/ أمن المعلومات/ الأمن الدولي) وقد استعرضنا القليل القليل منها، قد احتل في الثقافة المعاصرة، كما في ثقافة الأجيال السابقة قيمة عظيمة، تمثل المجال/ المجالات التي لا يعيش الإنسان إلا في ظلالها، وهو مقترن بوجوده وشقيق حياته، فلا يمكن أن تقوم حياة إنسانية، خارج سلطة/ سلط الأمن ومفاهيمه. بالأمن يستطيع الإنسان الحياة/ يستطيع توظيف ملكاته وإطلاق قدراته، واستخدام معطيات الحياة من حوله لعمارة الحياة… وبالأمن يستطيع الإنسان تأدية وظيفة الخلافة في الأرض، وهو مطمئن على نفسه ومعاشه ورزقه…

وفي نظر العديد من الخبراء العلماء(6)، إن الأمن في مفاهيمه المختلفة، أصبح عنصرا أساسيا للتنمية، فلا تنمية بدونه، فالتخطيط السليم والإبداع الفكري والمثابرة العلمية، وهي أهم مرتكزات التنمية، لا يمكنها أن تحدث/ أن تكون إلا في ظل أمن كامل وشامل.

وأبعد من ذلك، يرى العديد من الفقهاء في الشريعة والقانون(7) أن الأمن غاية العدل، والعدل سبيل للأمن، فالأمن بالنسبة للعدل غاية وليس العكس، فإذا كان العدل يقتضي تحكيم الشرع والحكم بميزانه الذي يمثل القسطاس المستقيم، فالشرع ذاته ما نزل إلا لتحقيق الأمن في الحياة، وغياب العدل يؤدي إلى غياب الأمن، ولذا فإن الحكمة الجامعة تقول: “إن واجبات الدولة تنحصر في أمرين هما: عمران البلاد وأمن العباد”

والأمن غاية الشرائع وهدفها الأسمى، يؤكد العديد من علماء الدين الإسلامي: إن الله سبحانه وتعالى أنزل الشرائع متعاقبة متتالية منذ أن أنزل أول إنسان إلى هذه الأرض، حيث ظلت عناية الله تتابعه وتلازمه، فما تقوم أمة ولا يبعث جيل إلا ويكون لرسالة السماء شأن معه، قال تعالى: (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف)، وقد كانت غاية هذه الرسالات هي إقامة السلام الإجتماعي بين بني الإنسان، فتأتي الرسالة مبينة الحلال والحرام/ الحق والباطل… وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا المعنى بقوله: “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم”.

******
1- جريدة أخبار الخليج/ البحرين 11 مايو 2010.
2-
راجع بالموسوعة الاجتماعية الفرنسية موضوع الأمن الاجتماعي في الدراسات الأكاديمية.
3-
الموسوعة الحضارية العربية/ دار الثقافة العربيةبيروت.
4-
مجلة العلوم الإنسانية / العدد 17 بيروت 1980.
5-
الأمن الثقافي/ جريدة لوموند (الفرنسية) أبريل 1995.
6-
الأمن والتنمية/ جريدة الأهرام يونيو 2006.
7-
جريدة الرياض (سعودية) الأمن والشريعة، ماي 1983.

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا