2016 سنة الضباب السياسي والتردي الاجتماعي بالجزائر

دعوة الرئيس بوتفليقة إلى الاعتزال السياسي لتجنيب البلاد كارثة اجتماعية وشيكة

 

• باريس ـ أحمد الميداوي

 سنة 2016 هي سنة الضباب والغموض السياسي والتردي اجتماعي بامتياز. تلك هي الحقيقة التي أجلتها الصحافة الفرنسية في معرض تحليلها لأهم أحداث السنة محمّلة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مسئولية الوضع بسبب ارتكازه على ما أسمته مشروع دولة الرجل الواحد بدلا من دولة المؤسسات. وحذرت من أن استمرار تدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية، وعجز الحكومة عن معالجة التردي الاقتصادي وحالة الانسداد السياسي التي تشهدها الجزائر بسبب أزمة القيادة السياسية وتزايد حدة المظالم الاجتماعية، قد يقود إلى انفجار الأوضاع الداخلية. ودعت في نفس السياق إلى الإسراع بإجراء تغيير سياسي جذري بصورة طوعية ومتناغمة، دون اضطرابات أو تدخلات عسكرية قد تساهم في تدهور الأوضاع وتفسد مسيرة التحول الديمقراطي في الجزائر. وقد يكون الحل، برأيها، هو دعوة الرئيس بوتفليقة نفسه إلى الاعتزال السياسي، لتجنيب البلد مغبات الوقوع في براثن الحرب الأهلية أو عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي على أقل تقدير، علما أن الجزائر تعيش اليوم بمختلف مكوناتها السياسية والاجتماعية تحت ثقل إجابات يلفها الغموض والتردد عن الوضع الصحي للرئيس التي تتفاوت آخر المعلومات بشأنه بين “وضع خطير” إلى “خطير جدا”.. والمثير في التطورات الصحية للرئيس بوتفليقة، حسب الصحافة الفرنسية، هو الطريقة التي يتعامل بها الإعلام الرسمي الذي اختار تغييب المعلومة الصحيحة لتبقى محصورة في دائرة مغلقة من عائلته ومقربيه، وهو ما جعل الساحة الجزائرية عرضة للشائعات والتأويلات والارتباك.

واعتبرت في معرض تحليلها لأهم الأحداث التي ميزت الساحة الجزائرية خلال سنة، أن 2016 كانت سنة التردي الاجتماعي وحمّلت قوى المعارضة جزءا من المسئولية عن الوضع السياسي من خلال انتظارها لمواقف وقرارات السلطة. كما نقلت عن رئيس جبهة التغيير الجزائرية، عبد المجيد مناصرة، طرحه لمبادرة سياسية دعا فيها جميع الأطراف، سلطة ومعارضة، إلى بناء التوافق الديمقراطي كبديل ثالث لما اعتبره “ثنائية النفاق والشقاق”. وحذرت من أن استمرار تدهور الأوضاع الاجتماعية، ، قد يقود إلى انفجار الأوضاع الداخلية، كما حدث قبل ستة أشهر عندما دعت بعض القوى السياسية المعارضة إلى الإضراب العام والتظاهر ضد الحكومة الحالية. فليس معنى خوف الجزائريين من تكرار مشاهد التسعينات، تقول الصحيفة، أنهم سيقبلون بتدهور الأحوال وانخفاض مستوى الخدمات المقدمة لهم، وربما حتى انعدامها خصوصا في المناطق الجنوبية لفائدة مناطق أخرى علما أن الجزائر تشهد منذ عقدين صراعا جهويا حقيقيا بين منطقة الغرب التي يحكم أهاليها البلاد منذ الاستقلال، ومناطق أخرى مهمشة. فجميع وزراء السيادة، هم من غرب البلاد بدءا من رئيس الحكومة ووزراء الخارجية والعدل والداخلية والنفط، إلى الرئيس بوتفليقة وهو نفسه وزير الدفاع.

ونقلت أسبوعية “ماريان” عن أحد المقربين من القصر الرئاسي قوله إن بوتفليقة يدخل في حالة   غضب جنوني عندما يقال له: “سيدي الرئيس، لا يمكنك حكم الجزائر لأن صحتك لا تسمح بذلك”. وتضيف أن الاستفراد بالحكم الذي ينهجه بوتفليقة سببه التأكد من أن الطبقة السياسية بما فيها المعارضة لا وجود لها، وأن القادة العسكريين الذين يمكنهم ضبط الموازين قد اختفوا بعد إغراءات وامتيازات مختلفة.

والمثير في التطورات الصحية للرئيس بوتفليقة، حسب الصحافة الفرنسية، هو الطريقة التي يتعامل بها الإعلام الرسمي الذي اختار تغييب المعلومة الصحيحة لتبقى محصورة في دائرة مغلقة من عائلته ومقربيه، وهو ما جعل الساحة الجزائرية عرضة للشائعات والتأويلات والارتباك. وقد بيّن مرض بوتفليقة بأن التعاطي الإعلامي والحكومي مع القضايا التي تهم الجزائريين، ينم عن توجه مستمد من عهود الأحادية الحزبية والأنظمة الشمولية.. توجه جعل الجزائر تبدو اليوم مريضة بمؤسساتها وسياستها واقتصادها، وبالطابع الفردي للحكم الذي يمنح سلطات مطلقة لرئيس الجمهورية على حساب التوازن بين السلطات.

ولم يعد الرأي العام الجزائري يفهم ما سر تخلي رئيسه منذ فترة تقارب السنة عن مواكبة المواعيد السياسية الهامة ورفضه التعاطي مع قضايا مفصلية من خلال إلغائه لمحطات سياسية كثيرة وتغييبه جوانب هامة في العمل المؤسساتي..علما أن مجلس الوزراء لم ينعقد سوى ثلاث مرات في عام 2016 على الرغم من أهمية هذا الجهاز الذي يعتبر ”دينامو” السلطة السياسية، وهي حالة لم تعشها الجزائر منذ الاستقلال.. سؤال محير تطرحه اليوم أيضا بعض الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية ومعها العديد من الفعاليات الجمعوية والحقوقية الجزائرية المقيمة بفرنسا.
وما تعانيه الجزائر اليوم هو غياب رؤية تصحيحية تسهم في تخفيف الأعباء عن الجزائريين وتفتح الباب أمامهم للمشاركة السياسية الحرة والديمقراطية القادرة على تحقيق الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية والمساواة بصورة تساهم في نزع فتيل الصراع الاجتماعي الراقدة نيرانه تحت الرماد.

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا