‎عن الشفافية والفساد

‎عن الشفافية والفساد

عادت منظمة الشفافية العالمية لتلقي ببلادنا في مراتب جد متأخرة فيما يتعلق باستشراء الفساد و دفعتنا في تقرير حديث لها إلى مرتبتين متأخرتين عما كان عليه الحال في السنة الفارطة . فقد احتل المغرب الرتبة 90 بيد أنه كان يحتل المرتبة 88 في السنة الفارطة في مؤشر الشفافية العالمية .

‎هذا المستجد المهم يعيد قضية الشفافية في بلادنا إلى واجهة النقاش العام و إلى صدارة انشغالات الرأي العام الوطني ، ذلك إنه و طبقا لتقارير منظمة الشفافية العالمية فإن المغرب يتراجع بشكل مذهل في مؤشر الشفافية ، و نذكر هنا أننا تراجعنا عشر درجات في ثلاث سنوات ، و وجدنا أنفسنا في خانة الدول التي يستشير فيها الفساد بشكل لافت ، وهذا يعني أن رزمة الإجراءات التي أتحفت بها السلطات العمومية مسامعنا خلال السنين القليلة الماضية من إنجاز دراسة عميقة وصياغة خطة عمل قيل إنها فعالة و صرف ما صرف من أجل تمويل ذلك لم يكن له أي أثر فعلي و حقيقي على مستوى الممارسة .

‎في تقديرنا المتواضع ثمة سوء تقدير في ملاءمة الظاهرة مع الواقع . فقضية الشفافية لا تقاس بحدة الخطابات ولا بحجم الشعارات ، ولا هي بقضية عارضة لا يقع الإنتباه إليها إلا حينما يطرح السؤال حولها . بل إن الجميع يجب أن يدرك و يستوعب أن قضية الشفافية في بلادنا كما في العالم بأسره مرتبطة أشد الإرتباط أولا وأخيرا بوجود إرادة سياسية واضحة و صريحة ، والمقصود بالإرادة السياسية ليست جهة دون أخرى ، بل إن الجميع معني بها ، أي لا بديل على أن تحظى هذه القضية بإجماع وطني يضعها ضمن مجال المقدس .ثم إنها تلتصق بتثبيت حكامة جيدة ، و الحكامة هنا لا تعني تكليف وزير لسانه طويل و ذراعه قصير فيما نحن بصدد بل المقصود هنا الحكامة المؤسساتية التي تسري في المجتمع سريان الدم في الشرايين . و هي ترتبط أيضا بإعمار مبدأ المسؤولية مقابل المحاسبة . فلكل مسؤول مسؤولية كاملة عن العمل و الوظيفة التي يقوم بها و يتصرف في سبيل ذلك في أموال و في إمكانيات لكنه محاسب عما يقوم به . و أخيرا و ليس آخرا ، فالشفافية ملتصقة أيضا بأداء المؤسسات العمومية التي تتصرف في إمكانيات هائلة و في ميزانيات ضخمة ، و بالتالي فإن التعامل معها على هذا المستوى يجب أن يتميز بطابع إستثنائي.

‎إن بلادنا تتوفر على عتاد كبير و ضخم فيما يتعلق بمؤسسات الحكامة من تفتيشيات عامة في الوزارات و من مفتشية عامة للمالية ومن مجالس جهوية للحسابات و مجلس أعلى للحسابات ، و مجلس منافسة و مجلس لمحاربة الرشوة و غيرها كثير من المؤسسات ، لكن يبدو من خلال النتائج المحصل عليها أن كل هذه المؤسسات لم تنجح في النهوض بأوضاع الشفافية في بلادنا ، و قد تكون تحولت إلى ما دون ذلك ، وهنا يكمن الخطر الكبير .

‎إن بلادنا بما تراكم من مكاسب كبيرة في مناحي كثيرة لم تعد تستحمل سبة الفساد التي ترمينا بها المنظمات الدولية ، لذلك حان الوقت لخوض الحرب الضروس ضد الفساد بجميع أشكاله و معانيه .


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا