‎الافتتاحية: عن التربية الإسلامية والفلسفة

‎الافتتاحية: عن التربية الإسلامية والفلسفة

‎الافتتاحية: عن التربية الإسلامية والفلسفة

  • العلم

‎يتابع الرأي العام الوطني بانشغال كبير جدا جهود بعض الأطراف من هنا وهناك الهادفة إلى إشعال نار الخلاف بين مادتي التربية الإسلامية والفلسفة، وهم بذلك يسعون إلى إحياء حروب المفاهيم و القيم التي سادت خلال ظروف جد دقيقة مرت بها الأمة الإسلامية جمعاء . ونعتقد أنه حان الوقت ليعبر كل طرف على مواقفه الواضحة إزاء هذه القضية البالغة الأهمية. ولن يكلل الجهد الذي يحرص على دفن هذا النوع من النقاش في زحمة النقاشات المرتبطة بالأجواء السياسية العامة في البلاد بالنجاح، بحيث تجد هذه القضية الهامة نفسها في موقع جد متأخر في اهتمامات الرأي العام الوطني مسبوقة بمشاركة المنتخب الوطني في نهائيات كأس إفريقيا وبانتخاب رئيس جديد لمجلس النواب من حزب احتل مرتبة متأخرة في انتخابات السابع من أكتوبر الماضي .

‎إن مناقشة هذه القضية الساخنة يجب أن تنطلق وجوبا من الإقرار بضرورة امتلاك واكتساب القيم و المعارف من التربية الإسلامية و من الفلسفة و من العلوم والفنون و من غيرها من حقول وبحور المعارف و القيم دون التخندق في مواقف إيديولوجية مسبقة. بمعنى لن يكون مفيدا ولا مقبولا أن يدعي شخص أو جهة سعيه إلى اكتسات المعرفة وامتلاك القيم من الفلسفة أو من الدين و هو له موقف مسبق من أحدهما ، كأن يكون ناكرا لجدوى الفلسفة أو ملحدا بالدين. لأن الأمر ينتقل في هذه الحالة إلى العبث. ثم لا بد من التسليم بالقاعدة التي تؤكد بأن السعي وراء المعارف يجب أن يتم على أساس استيعاب هذه المعارف كما هي و ليس كما يراد لها أن تكون، وأن الحقيقة في هذه العملية هي نسبية وليست مطلقة. إننا بصدد الحديث عن اكتساب المعارف وتوظيفها في ممارسة الحياة المجتمعية العادية.

‎إننا نستشعر محاولة البعض إحداث الخصومة بين التربية الإسلامية والفلسفة، وتقديمهما إلى الرأي العام كمتناقضين لا يلتقيان ، و هذه مقاربة مغلوطة تماما تكشف وجود رغبة في الإلغاء .

‎لسنا في حاجة إلى التذكير بأن المغرب دولة إسلامية بقوة الدستور، ولسنا في حاجة إلى التذكير أيضا بأن إسلامية الدولة تستند على إمارة المؤمنين التي تمثل أحد أهم ركائز الدولة ، و لذلك فإن أية محاولة للمس بالمرجعية الدينية الإسلامية لهذا البلد ستواجه بالرفض المطلق وبالإدانة الكاملة، وحينما يقترب البعض من مادة التربية الإسلامية في مناهجنا التعليمية والتربوية فهو يطال بالإساءة هذه الهوية العظيمة لشعبنا. والمغاربة لن يسمحوا بذلك إطلاقا. وهنا نتحدث عن التربية الإسلامية الواضحة المعاني والتي لا يمكن أن تحتمل التحريف في لبوسات «التربية الدينية« التي تعاكس منطوق الدستور الذي يحدد هوية الدولة في «الإسلام« و ليس في « الدين ».

‎و من جهة أخرى فإننا نعتقد أن زمن الخوف من الفلسفة قد ولى ومضى ، الزمن الذي كان فيه البعض يخاف فيه على العقول الضعيفة من أن تتأثر بتشعبات الفلسفة ، ذلك أن التطور الهائل الحاصل في مناحي اكتساب المعارف لم يعد يسمح – لأحد مهما كانت إمكانياته ومؤهلاته – بممارسة الوصاية و الحجر الفكري على الأفراد والجماعات . وأن التغيير الجذري الحاصل في مناهج التربية والتعليم أتاح إمكانيات هائلة جدا لتدريس و تلقين المواد بما يلائم الخصوصيات والمميزات، ولذلك لم يعد ممكنا بالمطلق تجريم الفلسفة ولا أية مادة أخرى من المواد المنتجة للمعارف. فحينما سعى البعض في غابر الأزمان  إلى تحريم الفلسفة بتهمة الإلحاد، فقد حدث ذلك من باب الخوف على الإسلام، وإن لم يكن الإسلام في يوم من الأيام في حاجة إلى خدمات حراس المعبد الذين يجاهدون في سبيل فرض قراءتهم الفردية والجماعية للإسلام وتقديمها كحقيقة مطلقة، ويتعلق الأمر بالظاهرة التي اتخذت أشكالا متعددة، و هي التي نراها اليوم في الفكر المنغلق المتطرف الذي يسيء للإسلام وللمسلمين.

‎الخلاصة التي تفرض نفسها في هذا الصدد و التي تمثل موقفنا من القضية تكمن في أنه لا مجال للمساس بالدين الإسلامي الحنيف من خلال بوابة التربية الإسلامية أو من خلال بوابات أخرى، وفي نفس الوقت لا مجال للمساس بمادة الفلسفة كما عايشتها أجيال كثيرة درستها في مؤسساتنا التعليمية، وحقق ذلك إفادات كثيرة، رغم تدريسها طوال عقود من الزمان فإن  الإسلام يزال هو دين المغاربة الحنيف.


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا