‎الافتتاحية: تقرير لا يعني المغاربة في شيء

‎الافتتاحية: تقرير لا يعني المغاربة في شيء

‎الافتتاحية: تقرير لا يعني المغاربة في شيء 

  • العلم

ما جرى خلال الاجتماع المشترك الذي جمع كل من لجنة العدل والتشريع وحقوق الانسان ولجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية و المغاربة المقيمين في الخارج بمجلس النواب قبل أيام قليلة يستوجب التوقف عنده و الحديث في شأن ما أثاره من قضايا وردود الفعل.

‎نبدأ أولا بالشكل، فالاجتماع عقد في مؤسسة دستورية وطنية رفيعة المستوى، وهي تمثل عنوانا من عناوين السيادة الوطنية، والتأم لدراسة و مناقشة قضية وطنية بامتياز تهم جميع المغاربة، ويتعلق الأمر بالتقرير الموازي الذي سيقدمه المغرب برسم الجولة الثامنة من آلية الاستعراض الدوري الشامل لحقوق الإنسان. وما كان غريبا ومثيرا ومستفزا أن التقرير الذي وزع على النواب الذين حضروا الاجتماع وشاركوا فيه حرر باللغة الفرنسية. حصل هذا ورئيس مجلس النواب حاضر، وهو الذي كان يجب عليه أن يرفع الجلسة ويمتنع عن مواصلة الاجتماع لهذا السببب الذي يمثل خرقا سافرا للفصل الخامس من الدستور، إلا أنه آثر بدوره أن يجاري الخرق.

‎ما حصل فعلا لا يمكن أن يحصل إلا في البرلمان المغربي، حيث يفتقد مسؤولوه إلى قوة الشخصية التي تحفظ حرمة الدستور وكرامة المؤسسة التشريعية، لا يمكن أن نسمع بمثل هذا يحصل في برلمانات قوية التي تضرب لها الحكومات ألف حساب قبل أن تدخل أبوابها، لكن في المغرب لا تستغرب أن يحصل أكثر من هذا؟

‎أما بالنسبة لمضمون التقرير فثمة ملاحظات مهمة أبداها السادة النواب ونشك في أن الجهة التي حضرت هذا التقرير ستأخذ بها ، بل إنها تعتبر أن الغرض من عرض التقرير على أنظار البرلمان هو من باب جبر الخواطر فقط أما التقرير فهو محرر في صيغته النهائية باللغة الفرنسية، وأن عامل الوقت يضغط بشكل كبير جدا، ولا مجال نهائيا للإنتباه إلى ما ملأ به النواب قاعة الاجتماع من ملاحظات و اقتراحات و بدائل.

‎والحقيقة فإن الخلاف حول مضمون التقرير يبدو جوهريا، والأمر يتعلق بين مدرستين مختلفتين في إعداد مثل هذه التقارير. مدرسة تقليدية متخلفة تحرص على أن يخلو التقرير من كل ما من شأنه أن يؤشر على وجود خرق من خروقات حقوق الإنسان، ويقدم التقرير البلد كجنة فوق الأرض ، ولا أحد عاقل في العالم يمكنه أن يصدق مثل هذه التقارير الكاذبة أو المبالغ فيها على الأقل. بل بالعكس إن هذه المدرسة في إعداد التقارير تنسف الجهود من أصولها.

‎ومن جهة ثانية هناك المدرسة الواقعية في إعداد التقارير المتعلقة بحقوق الإنسان ، و هي المدرسة التي تنوه بالمكاسب و ترصد جميع مظاهر التطور والنهوض بأوضاع حقوق الإنسان، لكنها في نفس الوقت و بنفس الحرص تتوقف عند الانتهاكات والخروقات، وتنتهي بتقديم التوصيات و الاقتراحات.

‎التقرير الذي قدمه المندوب الوزاري لحقوق الإنسان أمام الاجتماع النيابي المشترك انتمى – مع كامل الأسف – للمدرسة التقليدية التي لا تناسب تماما التجربة المغربية، وهي بذلك أعدت تقريرا سيضر بصورة المغرب الحقوقية التي تتجاذب فيها محاولات وجهود متناقضة.

‎فالتقرير يقول بحزم و صرامة إن أوضاع حقوق الإنسان جيدة في المغرب، و يذكر بالمكاسب و يغض الطرف عما دون ذلك . و الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها و لا إخفاؤها عن الأنظار أنه هنا في المغرب الذي يعيشه جميع المغاربة تصرفات وممارسات مخلة بحقوق الإنسان، وهناك محاكمات لصحافيين في قضايا سياسية صرفة، وهناك محاكمات لحقوقيين في إطار تصفية حسابات سياسية محضة، هناك تضييق شديد على منظمات حقوقية، و هناك تدخلات عنيفة جدا لتفريق مظاهرات سلمية، وهناك تضييق على حرية الصحافة والتعبير ،  وهناك و هناك وهناك …

‎ومصداقية تقرير المندوبية الوزارية لحقوق الإنسان لا يمكن أن تحشر في القالب التقليدي المتخلف الذي كان ينظر إلى حقوق الإنسان بعين واحدة فقط، بل مصداقيته تتمثل أساسا في النظر إلى أوضاع حقوق الإنسان كما هي ،وليس كما يراد لها  أن تكون في التقارير المزيفة.

والأكيد فإن تقديم تقرير واقعي  أمام الجولة الثامنة من آلية الاستعراض الدوري الشامل حول حقوق الإنسان بجنيف ، يستعرض المنجزات والمكاسب ويطرح التحديات ويذكر بالخروقات والنواقص كان سيخدم المغرب وسينتهي بالمستمع إليه إلى قناعة أكيدة مفادها أن المغرب يتطور في مجال حقوق الإنسان. أما والحال أنهم اختاروا أن يقدموا تقريرا متخلفا، منتميا إلى المدرسة التقليدية، مدرسة ما قبل الإنصاف والمصالحة، مدرسة ما قبل دستور 2011 ، فإننا نكتفي بالقول بإن المغاربة يشعرون اليوم بأن هذا التقرير الذي عرض تحت  قبة البرلمان بلغة أجنبية و بمضمون غير صادق ، لا يعنيهم في شيء .


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا