ويسألونك عن الاستغلال… الغول المشؤوم..

ويسألونك عن الاستغلال… الغول المشؤوم..

  • بقلم // محمد أديب السلاوي

-1-

في البدء، نود السؤال: ما هو الفساد الذي يهددنا من كل جانب، هل الفساد الناتج عن الرشوة والمحسوبية وشطط السلطة والزبونية، أم الفساد الساكن في النفوس.

خارج مسؤوليات الحكومة / الحكومات عن الفساد الذي يسري في دواليب الإدارة، وفي مخططات الاقتصاد، والمجتمع والسياسة، يجب الإقرار أن هناك حالات أخرى من الفساد تهم شريحة واسعة من المسؤولين، بعضها مرئي وبعضها مرموز. ولكنها في الأعم تعود إلى المجتمع بكامله، ونعني بها حالات الاستغلال، وهو سلوك من صميم الفساد والغطرسة.

نود التوقف عنده قليلا لنرى إلى أي حد يتعاظم موضوع هذا الغول الذي يحيا على رقعة واسعة من بلادنا، جنبا إلى جنب أنواع الفساد الأخرى، التي تعم فضاء الإدارة المغربية.

-2-

الاستغلال، ظاهرة خطيرة ارتبط ظهورها القديم بظهور حالات الفساد في الإدارة وفي المجتمع، وقد أكد المواطن عبر التاريخ كراهيته المطلقة لهذه الظاهرة، ولكنه مارسها ومن خلال ممارسته الفعلية لها، قامت حركات التاريخ وثوراته، فجاءت الفلسفات، والنضالات الإنسانية مبشرة بالقضاء الأبدي على الاستغلال…ولكنها مع ذلك لم تستطع أن تتجاوز حدود النظريات، وبالتالي لم تستطيع الخروج من دائرة الفلسفة والنضال المتواصل.

ننظر إلى التاريخ الماضي… والى التاريخ الحاضر ونبحث جليا في الأنظمة، والإيديولوجيات لنجد أن ” الاستغلال” قاسم مشترك بينها.

في المجتمعات الإقطاعية القديمة، كانت الأقلية الحاكمة تحصل على مجهود المجتمع العامل في الزراعة، والصناعة، والفكر، دون أي جهد…ودون أي مبرر.

وفي المجتمعات الرأسمالية الحديثة تحصل أقلية متمكنة من وسائلها المادية / المالية والتكنولوجية على جهد مجتمع بأكمله / بأقل ما يمكن من الضمانات، بسبب نظرة الإدارة الفاسدة إلى الوطن والمواطنين.

وفي المجتمعات المتخلفة، تنشأ الطبقات “الطفيلية” من القاعدة المستغلة لتتحكم في قدرات الإنتاج، ومردوده المالي بأكبر قدر من الحرص على السلطة، الشيء الذي يحولها بالتدريج إلى قوى معطلة للتطور والنمو الاجتماعي وللتقدم.

بمعنى آخر أن “الاستغلال” الذي يساوي في اللغة والفكر، الحصول على جهد الآخرين بغير مقابل، عرف هو الآخر تطوره التاريخي، فاتخذ عبر التاريخ البشري أشكالا امتدت على مساحة واسعة من الأفكار والفلسفات المعاصرة.

إن فكرة”الاستغلال” عند الإنسان عرفت ازدهارها التاريخي في الحملات الاستعمارية في إفريقيا وبعض البلاد الأسيوية في القرون الأربعة الأخيرة، عندما بسطت الجيوش الغربية سلطتها على المشرق والمغرب لتنهب الإنسان في جهده الإنساني وفي تراثه وحضارته وتاريخه باسم “الفتح” الكولونيالي.

لعل النهب الساذج الواضح لجيوش فرنسا، واسبانيا،والبرتغال، وانجلترا وألمانيا في الماضي، لخامات البلدات المستعمرة،وتحويلها إلى أسواق خاصة للمستعمرين بالقوة والاحتلال والحماية والضم، أحسن مثال يحدد معنى الاستغلال وأبعاده في تاريخنا الحديث.

فعن طريق هذا “الاستغلال” تم تقسيم العالم اليوم، إلى عالم متقدم…وعالم متخلف، عالم يعيش بالاستغلال المطلق لخيرات وخامات وجهد الآخرين، وعالم يموت ويسقط ويتخلف بتصدير جهده لأولئك”الآخرين”.

هل انتهت عملية النهب والاستغلال هذه بانتهاء العهد الاستعماري؟

هل انتهى “الاستغلال” بقيام هيئة الأمم المتحدة ظ ومنظمة العدل الدولية ومجلس الأمن، ومنظمة اليونسكو ؟…و…و…

بالنظر إلى الواقع الاقتصادي والسياسي للدول المصنعة الاستعمارية سابقا، والدول المتخلفة المستعمرة سابقا، يمكن القول أن عصرنا هو عصر ” الاستغلال الممنهج “وان الاستغلال هو سيد موقف هذا  العصر، بكل شهادات الواقع على الأرض.

إن ميراث عصور الاستغلال القديمة، بدء بعصور المجتمعات الإقطاعية، وانتهاء بعصر المد الاستعماري، استطاع وضع ” التقدم التكنولوجي في جهة، والتخلف في جهة ثانية،واستطاع تقسيم الكرة الأرضية إلى قسمين : قسم مستغل ( بالكسر) والقسم الآخر مستغل(بالفتح) وهو ما جعل من العالم، عالمين ، مصنع ومتخلف.

-3-

أكثر من ذلك، إن الوضعية المتردية التي يعيشها العالم الثالث اليوم، اقتصاديا وسياسيا وفكريا واجتماعيا، تؤكد بكل الدلائل والأرقام، أن الهوة سحيقة بين الدول المتخلفة والدول المصنعة، نظرا لأسباب”استغلالية” عديدة، أهمها بطء عملية التنمية في الدول المتخلفة، لدخول الدول المتقدمة وحدها عصر الثورة الصناعية الثانية، القائمة على احتمالات السيطرة على الفضاء الداخلي والخارجي للكون الأرضي في ظل الاكتشافات العلمية الهائلة التي تساعد على مضاعفة الفوارق بين التقدم والتخلف، بين المستغل…والمستغل.

في إطار منهجية الاستغلال بين العالمين”المصنع” و”المتخلف” أصبحت جل دول إفريقيا، وآسيا،والشرق العربي وأمريكا اللاتينية، دولا فقيرة رغم ما تتوفر عليه من إمكانيات خامة، بترول، فوسفاط، ذهب، نحاس، بشر…الخ فهي فقيرة في الصناعة والتكنولوجيا. ووسيلتها الوحيدة لتحقيق الحد الأدنى من التنمية، هو دفع هذه “الخامات” بالأثمان التي يريدها العالم المصنع، وهي أيضا فقيرة في التكوين العلمي والتعليم التكنولوجي، ووسيلتها الوحيدة لذلك، دفع ما تدخره من عملة صعبة، وهي فقيرة في “التسلح” وعاجزة عن حماية نفسها، مما يحتم تبعيتها لهذا المعسكر أو ذاك. فهي باستمرار في حاجة إلى “الرأسمال الأجنبي” و”الخبرة الأجنبية” و”المعونة الأجنبية” وأحيانا إلى “الحماية الأجنبية” من أجل استمرارها على قيد الحياة.

إذن…المشكلة التي تواجه العالم الثالث / المتخلف، الفقير كبيرة وخطيرة، فهو عالم محاصر من طرف المنهج الاستغلالي للدول المصنعة / الاستعمارية سابقا، وهو أيضا مطوق باستعمار جديد استغنى تكنولوجيا عن أساليبه القديمة القائمة على الاحتلال العسكري والسيطرة السياسية المباشرة،واكتفى بنهج سياسة اقتصادية قائمة على منهج مرسوم ومحكم، تفصله عن العالم المتخلف المليء بالخامات الطبيعية والبشرية مائتي سنة على الأقل قابلة للتطور والزيادة والتجديد.

أفلا تنظرون؟

محمد أديب السلاوي

محمد أديب السلاوي

شارك برأيك

إلغاء الرد