وضعية المرأة السلالية بين النص والواقع.. بقلم الدكتور: العربي مياد

وضعية المرأة السلالية بين النص والواقع.. بقلم الدكتور: العربي مياد

وضعية المرأة السلالية بين النص والواقع.. بقلم الدكتور: العربي مياد

  • العلم الإلكترونية

ما كان لقضية النساء السلاليات أن تبقى مهملة بعد أن تعالت احتجاجات النساء السلاليات منذ سنة 2007جراء الحيف  والميز الذي يلحقهن نتيجة السلوك  والتقاليد البائدة  التي يتعاملن به من طرف جزء غير يسير من الرجال السلاليين.

وقد انطلقت أولى الاحتجاجات النسائية من منطقة الغرب تمثلت في وقفات احتجاجية   ومسيرات،  تارة أمام  مقر وزارة الداخلية (مديرية الشؤون القروية) وأخرى أمام قبة البرلمان،  للمطالبة بإقرار المناصفة في عائدات الأراضي السلالية والانتفاع بها، حيث شجع هذا الحراك السلمي  نساء باقي المناطق للالتحاق بركب المحتجات لعلهن يحصلن على  بعض الحقوق  المشروعة إسوة بذوي الحقوق من الرجال، لا سيما بعد دخول الجمعيات الحقوقية الوطنية على الخط، وكذا بعض  الهيئات والمنابر الدولية والمنظمات الحقوقية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة على اعتبار أن المطالب  في الجوهر تمس  مبدأ المساواة بين الجنسين الذي تقره الديانات السماوية والمواثيق الدولية.

لكن ألا يحق لنا التساؤل ما هي الجهة التي أثرت في عقلية البعض حتى جعلته يؤمن بعدم أحقية المرأة في الحقوق العقارية، جازمين بأن هذا المنطلق دخيل على  المجتمع المغربي.

يقول الدكتور محمد الحاجري  في مؤلفه مرحلة التشيع في المغرب العربي (7): (في ذلك الوقت الذي دخل فيه التشيع إلى المغرب العربي – أي في عهد الفاطميين- كان هذا المذهب قد تحول تحولا ظاهرا كبير الخطر، فلم يعد كما كان الشأن فيه في مبدأ أمره مجرد دعوة لأبناء علي وفاطمة، أو ثورة على الأمويين، إذ غصبوهم حقهم، واستلبوا ما كان ينبغي فيما يرون أن يكون لهم، ثم تعقبوهم وجعلوا ينكلون بهم، فإن اتجاه التشيع إلى المشرق، واتخاذه من بلاد الفرس موطنا له…كل ذلك انحرف به عن نصابه الأول، وتحول به عن صورته الأولى، إذ أسبغ عليه ألوانا جديدة مشتقة من العقلية الفارسية بمواريثها المختلفة، وخلط ما بينه وبين هذه العقلية وصور إدراكها للإسلام)

إذن كان هناك تأثير  مباشر للمذهب الشيعي على عقلية بعض المغاربة قبل أن يستقروا على المذهب السني المالكي، وهذا ما يدفعنا إلى الوقوف عند الرأيين  وغيرهما من خلال النماذج التالية:

النموذج الأول: موقف جعفر مرتضى العامر  منشور بموقع مركز الاشعاع الإسلامي:

« نص الشبهة:

بوّب الكليني باباً مستقلاً في الكافي بعنوان: (إنّ النساء لا يرثن من العقار شيئاً)، روى فيه عن أبي جعفر قوله: «النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئاً» (أنظر « فروع الكافي « للكليني (7 / 127)).

وروى الطوسي في التهذيب (9 / 254) عن ميسر قوله: «سألت أبا عبد الله عليه السلام عن النساء ما لهن من الميراث ؟! فقال: لهن قيمة الطوب والبناء والخشب والقصب، فأما الأرض والعقار فلا ميراث لهن فيهما».

وعن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:«النساء لا يرثن من الأرض ولا من العقار شيئا».

وعن عبد الملك بن أعين عن أحدهما عليهما السلام قال: «ليس للنساء من الدور والعقار شيئا». وليس في هذه الروايات تخصيص أو تقييد، لا لفاطمة» رضي الله عنها» ولا غيرها. وعلى هذا فإنه لا حق لفاطمة«رضي الله عنها» أن تطالب بميراث رسول الله (حسب روايات المذهب الشيعي). وأيضاً كل ما كان للرسول   فهو للإمام، فعن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد رفعه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر «عليه السلام» قال: قال رسول الله: «خلق الله آدم وأقطعه الدنيا قطيعة، فما كان لآدم «عليه السلام» فلرسول الله  وما كان لرسول الله فهو للأئمة من آل محمد» (أصول الكافي للكليني، كتاب الحجة ـ باب أن الأرض كلها للإمام عليه السلام (ج 1 ص 476)).

والإمام الأول بعد رسول الله، حسب معتقد الشيعة، هو علي»رضي الله عنه»، ولذا فالأحق بالمطالبة بأرض فدك هو علي»رضي الله عنه»، وليس فاطمة» رضي الله عنها»، ولم نره فعل ذلك، بل هو القائل:»ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل، ولباب هذا القمح، ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي، وأن يقودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز واليمامة من لا طمع له في القرص، ولا عهد له بالشبع» (نهج البلاغة (1 / 211)).

الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم

وله الحمد ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد.

فإننا نجيب بما يلي:

– أولاً: إن المقصود بالنساء اللواتي لا يرثن: هن الزوجات، فإنهن لا يرثن من الأرض والعقار شيئاً، وقد أوضحت سائر الروايات التي ذكرها الكليني «رحمه الله» ذلك، وصرحت به . . فلم يكن من الإنصاف تسجيل هذا الإشكال من الأساس، فراجع الكافي ج 7 ص 127 ـ 130 باب «أن النساء لا يرثن من العقار شيئاً» تجد التصريح بأن المقصود هو أرث الزوجة من زوجها في الحديث رقم 2 و3  5 و11 . وصرح بذلك الشيخ الطوسي في كتاب التهذيب الذي نقل عنه السائل أيضاً، فراجع «ج 9 «باب ميراث الأزواج، الحديث رقم 106 و107 و109 و113 و114 و 116 و117 و119.

وبعد أن ظهر أن هذه الروايات قد أوضحت المقصود فلا بد من أن تحمل الروايات المطلقة على المقيدة، كما هي القاعدة في ذلك .

– ثانياً: ذكر نفس هذا السائل رواية ميسر، عن كتاب تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي، وهي الرواية رقم113 / 31، ولكنه حذف منها ذيلها الصريح في أن المراد هو خصوص الزوجة، وهي كما يلي:

عن ميسر بياع الزطِّي، عن أبي عبد الله «عليه السلام» قال: «سألته عن النساء: ما لهن من الميراث ؟!

فقال: لهن قيمة الطوب، والبناء، والخشب، والقصب. فأما الأرض  والعقار فلا ميراث لهن فيه.

قال: قلت: فالثياب ؟!

قال: الثياب لهن.

قال: قلت: كيف صار ذا ولهذه الثمن والربع مسمى ؟!

قال: لأن المرأة ليس لها نسب ترث به، وإنما هي دخل عليهم، وإنما صار هذا كذا لئلا تتزوج المرأة فيجيء زوجها، أو ولد من قوم آخرين، فيزاحم قوماً في عقارهم».

فإن المرأة التي ورثت بالسبب لا بالنسب هي الزوجة من زوجها، أما البنت فترث بالنسب من أبيها.

– ثالثاً: لو سلمنا جدلاً: أن البنت لا ترث، لكن موضوع فدك خارج عن موضوع الميراث بالكلية، لأن فدكاً قد فتحت صلحا، ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، فهي خالصة لرسول الله «صلى الله عليه وآل» يفعل فيها ما يشاء، وقد نحلها (أي وهبها) للزهراء «عليها السلام»، وتسلمتها منه، واستغلتها أربع سنوات في حياته، ولما استولى عليها أبو بكر أخرج عمَّالها منها.

والنحلة، والهبة والهدية تملّك بنفس الإعطاء والقبض، ولا تبقى ملكاً للمعطي لكي تدخل في ميراثه.

– رابعاً: إن الحديث الذي استدل به السائل على أن كل ما للرسول «صلى الله عليه وآله» للإمام ضعيف السند، فلا تقوم به حجة، ولا تثبت به دعوى .

– خامساً: إن المقصود بهذه الأحاديث: هو أن للإمام حق التصرف من حيث هو إمام معصوم وخليفة لرسول الله « صلى الله عليه وآله»، وليس المقصود أن الأموال تصبح له، حيث تبطل ملكية الناس لأموالهم.

ولو كان هذا هو المقصود لم يصح من علي «عليه السلام» القبول بالتحاكم إلى قاضيه شريح في الأمور المالية.

– سادساً: إن هناك مصالح عامة تفرض عليه «عليه السلام» أن يبقي الأمور على ظواهرها، تماماً كما كانت هذه المصالح عينها تفرض هذا الأمر على رسول الله «صلى الله عليه وآله»، لا سيما وأن الذين استولوا على الأمر بعد رسول الله «صلى الله عليه وآله» لا يعترفون له بذلك، بل هم يتراجعون عن بيعتهم، ويهاجمون بيته، ويحاولون إحراقه على من فيه، ويضربون زوجته ويسقطون جنينها، وهي بنت رسول الله«صلى الله عليه وآله»، وأبوها هو سيد الكائنات لمَّا يدفن بعد .

بل إنه لو فعل ذلك لقالوا له: لا تتدخل بما لا يعنيك فإنك لست صاحب الحق لكي تطالب به.

سابعاً: إن زهد علي «عليه السلام» بالدنيا  لا يعطي الحق للآخرين باغتصاب أمواله، أو أموال زوجته وأولاده، وأن يستذلوه إلى هذا الحد… ولا يجعل فعلهم مبرراً، أو معفواً عنه عند الله».

وهكذا نلاحظ  موقف  المذهب الشيعي من حقوق المرأة العقارية ، مما يدفعنا إلى التساؤل في المقابل عن موقف المذهب السني ممثلا في مجلسنا العلمي الأعلى، والذي سنتابع ما جاء فيه في عدد قادم، ثم نتطرق لموقف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وموقفي الجمعيات النسائية وسلطة الوصاية الممثلة في مديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية، والقرارات المتخذة من طرف سلطات الوصاية.

ما كان لقضية النساء السلاليات أن تبقى مهملة بعد أن تعالت احتجاجات النساء السلاليات منذ سنة 2007 جراء الحيف والميز الذي يلحقهن نتيجة السلوك والتقاليد البائدة التي يتعاملن به من طرف جزء غير يسير من الرجال السلاليين.

وقد انطلقت أولى الاحتجاجات النسائية من منطقة الغرب تمثلت في وقفات احتجاجية ومسيرات، تارة أمام مقر وزارة الداخلية (مديرية الشؤون القروية ) وأخرى أمام قبة البرلمان، للمطالبة بإقرار المناصفة في عائدات الأراضي السلالية والانتفاع بها، حيث شجع هذا الحراك السلمي نساء باقي المناطق للالتحاق بركب المحتجات لعلهن يحصلن على بعض الحقوق المشروعة إسوة بذوي الحقوق من الرجال، لا سيما بعد دخول الجمعيات الحقوقية الوطنية على الخط ، وكذا بعض الهيئات والمنابر الدولية والمنظمات الحقوقية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة على اعتبار أن المطالب في الجوهر تمس مبدأ المساواة بين الجنسين الذي تقره الديانات السماوية والمواثيق الدولية.

لكن ألا يحق لنا التساؤل ما هي الجهة التي أثرت في عقلية البعض حتى جعلته يؤمن بعدم أحقية المرأة في الحقوق العقارية، جازمين بأن هذا المنطلق دخيل على المجتمع المغربي.

وقد وقفنا في العدد المنصرم من هذه الصفحة عند النموذج الأول من خلال موقف جعفر مرتضى العامر، المنشور بموقع مركز الاشعاع الإسلامي، ونعرض فيما يلي لباقي النماذج تعميما للفائدة:

موقف الفقه السني (المجلس العلمي الأعلى نموذجا):

قبل إقدام وزارة الداخلية على اتخاذ موقف من هذا الحراك الاجتماعي طالبت من المجلس العلمي الأعلى (السني) إبداء الرأي في الموضوع، حيث أصدر بتاريخ 18 ماي 2010 الرأي التالي:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

‹›ربنا آتنا من لدنك رحمة، وهيئ لنا من أمرنا رشدا››

وبعد، فقد تدارست لجنة من هيأة الإفتاء بالمجلس العلمي الأعلى موضوع السؤال المشار إليه، قصد إبداء الرأي فيه من الوجهة الشرعية، وذلك على ضوء أحكام الشريعة الإسلامية، ومن خلال منظورها وتكريمها للإنسان، وما قررته له من حقوق مادية ومعنوية، رجلا كان أو امرأة، وخلصت اللجنة إلى الرأي الفقهي المتضمن للفتوى الشرعية الآتية:

– أولا: تتوجه المؤسسة العلمية للمجلس العلمي الأعلى بالشكر والتقدير لوزارة الداخلية على التوجه إليها بموضوع السؤال، قصد دراسته، وإفادتها بما يتعلق به من المنظور الشرعي.

– ثانيا: تم الاطلاع على رسالة وزارة الداخلية المتضمنة للسؤال عن وضع المرأة داخل الجماعات السلالية وحرمانها في ذلك من الاستفادة مما يستفيد منه الرجل من العائدات المادية والعينية، التي تحصل عليها هذه الجماعات إثر العمليات العقارية التي تجري على الأراضي الجماعية، وعن موقف الشريعة الإسلامية من ذلك.

وكذا على نصوص الظهائر الشريفة المنظمة لذلك، وعلى نصوص المراسيم والدوريات الموضحة له.

وبعد استماع اللجنة مرة أخرى إلى الإفادات والتوضيحات التي قدمها بعض السادة من الأطر العليا المسؤولين عن القطاع بوزارة الداخلية، والتي أبانوا فيها أن الأمر يتعلق فقط بمعرفة مدى حق المرأة في الاستفادة من العائدات المادية والعينية التي يستفيد منها الرجل إثر العمليات العقارية التي تجرى على الأراضي الجماعية السلالية وبيان ذلك من الوجهة الشرعية.

وبعد النظر في كل ذلك وعرضه على نصوص الشريعة الإسلامية وأصولها وقواعدها العامة، ومقاصدها الحكيمة، خلصت إلى الآتي:

إن الشريعة الإسلامية لا تمنع المرأة أن تستفيد مما يستفيد منه الرجل داخل الجماعات السلالية، من العائدات المادية والعينية إثر العمليات العقارية التي تجري على أراضي الجموع، وأنه لا وجه لاستثنائها من ذلك، ولا مبرر لحرمانها منه كليا، للأدلة الآتية:

1) عموميات نصوص الشريعة الإسلامية، ومنها:

أ) عموم قوله تعالى: {للرجال نصيب مما اكتسبوا، وللنساء نصيب مما اكتسبن} (سورة النساء/32)

ب) عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ‘’النساء شقائق الرجال’’ (أي في الأحكام الشرعية العامة، إلا ما خص به الشرع أحد الجنسين)

ج)عموم قوله صلى الله عليه وسلم لمن جاء يستشهده من بعض الصحابة على عطية أعطاها لأحد أولاده دون بقيتهم: ‘’أكُلَّ ولدِك نحلته’’، (أي هل أعطيت عطية لجميع أولادك؟) فأنكر عليه تخصيص أحد أولاده بها دون الأولاد الآخرين، ذكورا كانوا أم إناثا، ولم يقبل أن يشهد عليها.

2) حين برزت في المجتمعات الإسلامية ظاهرة حرمان البنات من التبرعات بعطايا الهبات وغيرها، كان ذلك انحرافا عن منهج الشريعة الإسلامية في تحقيق العدل الذي جاءت به وأقرته من أحكامها، فتصدى العلماء لهذه الظاهرة، وبينوا مخالفتها للشرع الإسلامي الحكيم.

وكانت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنها وعن سائر أمهات المؤمنين، في مقدمة من أنكر حرمان الإناث من تبرعات وعطايا الآباء، وكانت ترى في إخراج النساء من العطاء واستثنائهن منه، أنه فعل من أفعال الجاهلية.

وأن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مات حين مات، وهو يريد أن يرد صدقات الناس، التي أخرجوا منها النساء، كما جاء ذكر ذلك والتنصيص عليه في المدونة.

3) تغير العرف الذي بني عليه في الجماعات السلالية قصر الاستفادة على الرجال وتخصيصهم بها دون المرأة، على اعتبار أن الرجل كان مصدر الحماية في القبيلة والرعاية في العشيرة، وغير ذلك من الذرائع العرفية، التي إن صحت وكانت مقبولة فيما مضى من الزمان، فإنها لم تعد اليوم واقعا يمكن قبوله والاستناد إليه، فقد زال هذا العرف وصارت الدولة بقوانينها ومؤسساتها هي الحامية للقبائل والعشائر، والراعية لشؤونها وشؤون غيرها من مكونات المجتمع المغربي وعناصره الحضرية والقروية المتماسكة، ومن المعلوم أن ما بني على عرف في وقت ما، يتغير بتغيره كما هو مقرر عند الفقهاء.

4) المتتبع لنقل الحقوق المالية في الشريعة الإسلامية يجد أنها شرعته للرجال والنساء، كما هو الحال في الإرث والوقف والهبة والشفعة والعمرى والرقبى، وغير ذلك من وجوه الحقوق المالية وتناقلها من السلف إلى الخلف.

5) قيام الحاجة إلى إشراك النساء في الاستفادة من العائدات المادية العينية حين حصول شيء من العمليات العقارية في الأراضي الجماعية السلالية، باعتبارهن أعضاء من الجماعة ومكوناتها.

خلاصة الرأي الفقهي في المسألة:

استنادا إلى ما تقدم من الأدلة الشرعية والقواعد الفقهية العامة، وإلى الظهائر الشريفة المتعلقة بالموضوع، وإلى الإفادات والبيانات التي قدمت في شأنه، فإن الرأي الفقهي الذي خلصت إليه اللجنة وتراه، هو أن مسألة حرمان المرأة من الحقوق المادية والعينية في مثل هذه الحال موضوع السؤال، هي حالة غير سليمة، كان عليها أهل الجاهلية قبل الإسلام، فجاء الدين الإسلامي الحنيف بتكريم المرأة وإنصافها، فأبطل تلك الأعراف والعوائد التي كانت تحرم المرأة من مثل تلك الحقوق، وحسم في الأمر وأنصفها وأعطاها حقوقها المشروعة.

وتأسيسا على ذلك، فإن من حق المرأة في الجماعات السلالية أن تستفيد كما يستفيد الرجل من العائدات المادية والعينية، التي تحصل عليها الجماعة إثر العمليات العقارية التي تجرى على الأراضي الجماعية، وأن يكون ذلك بمعايير عادلة، تعطي لكل ذي حق حقه، تحقيقا للعدل الذي جاء به شرع الإسلام، وجعله من أسس دينه وتجليات تكريم الإنسان، رجلا كان أو امرأة، والمأمور به في عموم قول الله تعالى :’’يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط’’، ‘’ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون’’ (سورة المائدة :8).

والله تعالى أعلم وأحكم وهو سبحانه من وراء القصد، وولي التوفيق والهادي إلى الرشاد وأقوم سبيل»

والخلاصة أن رأي المجلس العلمي الأعلى جاء مطابقا للفقه السني المالكي ، ويعكس المرتبة التي يضع فيها الإسلام المرأة باعتباره شقيقية الرجل في الأحكام .

ومما ينبغي التذكير به أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي باعتباره مؤسسة دستورية أعطى رأيه كذلك في هذا الموضوع كما سنوضح أدناه

موقف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي:

سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي أن تطرق لموضوع النهوض بالمساواة بين النساء والرجال في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية وخلص في تقريره إلى أنه «رغم أنّ الإصلاحات الدّستورية والمعيارية قد مكّنت من إحراز تقدّم في مجال مساهمة المرأة في التنمية، فإنّ فعاليتها تبقى غير كافية في ظلّ غياب رؤية واضحة للتحقيق الفعليّ للمساواة بين الجنسين على المستويات المؤسساتية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية.

وفي المغرب حواليْ 12، 3 مليون امرأة تبلغُن سنّ العمل (15 سنة فما فوق) أيْ بإضافَةِ 2، 5 مليون قياساً إلى سنة 2000، مُعْظمهنّ يَعشْنَ في المناطق الحَضَرية (60، 3 بالمائة)، وأكثر من نصفهنّ يعانينَ من الأميّة (52، 6 بالمائة) وأقلّ من الثلث (32، 9 بالمائة) يتوفّرْنَ على شهادة.

تتجلّى المُلاحظة الأولى والأكثر إثارة للقلق في هذا التقرير، في كوْنِ نسبة المُشاركة الاقتصادية للمرأة التي عرفتْ انخفاضا في السنوات الأخيرة. فلقد انتقلتْ نسبة النساء النشيطات من 28، 1 بالمائة في سنة 2000 إلى 25، 1 بالمائة في سنة 2013. وفي الوقت نفسه ارتفَعَ عدد ربّات البيوت بصورةٍ أسْرع بين النساء البالغات سنّ العمل.

وحسب بعض الدّراسات فإنّ الطابع المتفاوت في حقوق الميراث، على اعتبار أنّ النساء يرثْن بالفرْض لا يحصلْن سوى على نصْف نصيب الأخ، يزيد من تفاقم العادات واستمرار القواعد الأبوية، للحفاظ على الميراث داخل نسب الأب.

ومن بين الأمثلة البارزة في هذا الباب، مشكلة النساء «السّلاليات» اللواتي تمّ إقصائهن لمدة طويلة على أساس قرارات تعسّفية مبنية على أعراف وتقاليد بائدة، ويطغى عليها الطابع الذكوري. و منذ 2007 وهن يُطالبن بالمساواة في حقّ الاستفادة من التعويضات العيْنية والمادية الناجمة عن المعاملات العقارية التي تعْرفها الأراضي الجماعية (التفويتات أو الكراء).

وقد تمّت الاستجابة لهذه المطالب من خلال دورية وزارية عممتها وزارة الداخلية سنة 2010. وبما أنّ هذه الدورية ليس لها قوّة القانون، فإنّ السلاليات يطالبن بإصدارِ قانون خاص ينسجم مع الدستور، وبإشراكهنّ في اتخاذ القرار.

ومن ناحية أخرى فإنّ الصعوبات التي تعترض ولوج النساء إلى ملكيّة الأراضي والعقارات، عن طريق عقود تُبرمُ بين أشخاص أحياء، تكمُنُ في هشاشتهنّ المالية. كما أنّ تقسيم الممتلكات المكتسبة أثناء الزواج، في حالة الطلاق، يصطدم على وجْه الخُصوص بإشكالية الاعتراف بالعمل المنزلي اليوميّ، وتقدير حجمه في اقتناء هذه الممتلكات المُكتسبة خلال مدة الزّواج.

وقد أوصى المجلس بضرورة « تقنين مبدأ المساواة في المجال العقاري، وإلْغاء كلّ أشكال التمييز القائمة، منها على وجْه الخُصُوص التمييز الذي تتضرّر منه النساء «السُّلاليات».

موقف الجمعيات النسائية:

1) طالبت كل من الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب ومنتدى بدائل المغرب بإقرار قانون جديد منظم للأراضي السلالية، بشكل يؤدي إلى سد الثغرات القانونية التي يعرفها القانون الجاري به العمل، وكذا رفع الحيف عن النساء اللواتي حرمن من حق الانتفاع سوى لكونهن نساء، مؤكدين على أن القانون وحده هو الكفيل بحل إشكالية التمييز والحرمان الذي يمارس في حق النساء بمختلف مستوياتهن الثقافية والاجتماعية وأعمارهن تحت ذريعة تطبيق العادات السائدة في الجماعات السلالية.

2) نشرت الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، دراسة حول الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمرأة السلالية، وذلك بالتزامن مع اليوم العالمي للمرأة، تستند على مقابلات مع 3000 سلالية تتراوح أعمارهن بين 17 و 99 سنة يتواجدون بأربع مناطق (الغرب، سلا والرباط، بني ملال، تارودانت).

وتقدر الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان، أن 6 ملايين من هؤلاء النساء تستبعدن من تقاسم أرض القبائل في هذه المعاملات، وبعضهن يجدن أنفسهن بلا مأوى ودون تعويض مالي من بيع هذه الأراضي الجماعية.

ووفقا للدراسة فإن الفئة الأكثر تمثيلا بين النساء السلاليات، تتراوح أعمارها ما بين 38 و 57 سنة، تليها المجموعة، التي تتراوح أعمارها ما بين 28 و37 من العمر. أما النساء السلاليات الحاصلات على شهادات دراسية فلا تتعدى نسبتهن (3٪)، وفي الواقع فإن الغالبية العظمى لم تتلق أي تعليم (58 ٪).

ومعظم النساء السلاليات اللواتي يطالبن بحقوقهن متزوجات (65٪)، وبعضهن أرامل (14.5٪)، و (13٪) عازبات، أما المطلقات، فيشكلن عددا قليلا لا يتعدى (6.9٪).

وإذا كانت 59.5٪ من النساء السلاليات تعشن في بيت الزوجية، فإن نسبة منهن أصبحت أكثر عرضة للعيش بعيدا عن بيت الزوجية، بسبب الطلاق أو الترمل أو عدم وجود المال.«النساء السلاليات في معظمهن ربات بيوت (58.3٪)، في حين أن 25.6٪ ليست لديهن أي مهنة، واللواتي يمارسن عملا يوميا (مياومات)، فيبلغن حوالي 4.2٪، فيما 3.8٪ فقط من موظفات القطاع العام، و1.9٪ يدرن أعمال تجارية صغيرة.»

في 57٪ من الحالات، الزوج هو الذي يتحمل مصاريف الأسرة، ولكن فقط (15.3٪) من النساء السلاليات يتحملن مصاريف أسرهن، واللواتي يشاركن في مصاريف الأسرة يبلغ عددهن (11.5٪).

كما يقيم التقرير مستوى نشاط هؤلاء النساء، حيث قال الثلث منهن إنهن يحضرن في كل الأوقات وقفات احتجاجية من أجل الدفاع عن حقوقهن، بينما يقول ثلث آخر: «نذهب إلى هناك في بعض الأحيان»، أما الثلث الباقي، فإنه لا يشارك أبدا، ونصف السلاليات صرحن أنه ليس لديهن أي انتماء إلى أي جمعية تدافع عن حقوقهن.

موقف سلطة الوصاية الممثلة في مديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية:

أنشئت هذه المديرية في الثمانينات من القرن الفائت بعد أن كانت مجرد قسم الأراضي الجماعية طبقا للفصل 10 من مرسوم 26 يناير 1976 بشأن اختصاصات وتنظيم وزارة الداخلية، وكان من مهامها إعداد ومراقبة تنفيذ المقررات التي يتخذها وزير الداخلية في نطاق سلطات وصايته على الجماعات الأصلية.

غير أنه بمقتضى المادة 35 من المرسوم بتاريخ 15 دجنبر 1997 في شأن اختصاص وتنظيم وزارة الداخلية أصبح من اختصاص مديرية الشؤون القروية ممارسة الوصاية باسم وزير الداخلية على الجماعات السلالية، وكذا إدارة ممتلكاتها والمحافظة عليها والدفاع عن مصالحها وإعادة هيكلة الأراضي الجماعية، بل وممارسة الولاية على الاراضي الجماعية نيابة عن رئيس الحكومة في خرق صريح ظهير 1919، على اعتبار أن المرسوم لا يعدل ولا يلغي قانون أعلى منه مرتبة في مجال التدرج .

القرارات المتخذة من طرف سلطات الوصاية:

1) صدور منشور وزاري سنة 1957 يضع تفسيرا ضيقا لمقتضيات ظهير 1919 تسير نحو أن حق الانتفاع الدائم من تلك الأراضي يكون لرب العائلة من العشيرة وهم «الرجال المتزوجون منذ ستة (6) أشهر على الأقل أو أرامل الجماعة اللائي لهن ابن ذكر ..».

وهذا التفسير الضيق أدى إلى اقصاء المرأة السلالية من الاستفادة من حق المنفعة على الأراضي السلالية.

وهنا يظهر أن التوجه الذي سارت فيه الوصاية كان واضحا، بشكل يجعلنا نقر بأن أسباب الأزمة لم تكن فقط التقاليد والأعراف ولكن كذلك الرؤية الرجولية المتحكمة آنذاك في بعض المسؤولين .

2) إصدار دورية وزارية عدد 60 بتاريخ 25 أكتوبر 2010 بخصوص تمتيع النساء السلاليات من الاستفادة من التعويضات الناجمة عن المعاملات العقارية التي تعرفها الأراضي الجماعية اسوة بذوي الحقوق الرجال.

3) إصدار دورية وزارية عدد 17 بتاريخ 30 مارس 2012 تدعو إلى استفادة النساء السلاليات من حق الانتفاع من الأراضي الجماعية موضوع تقسيمات جديدة.

والملاحظ أن كل هذه الدوريات لم تحسم النقاش وتخرج بموقف صارم تجاه الظلم الذي يحق بالمرأة السلالية ، بل كانت ترمي إلى تطمين النفوس بغد افضل . وكان من المفروض الحديث عن حق المرأة السلالية في المنفعة من العقار السلالي وعائداته لا فرق بين ان تكون هذه المرأة من سلالة القبيلة بحكم الدم أو النسب والمصاهرة، لأن ذلك تمييز منبوذ شرعا وقانونا ، ثم ما كان لوزارة الداخلية قبل اصدار الدورية رقم 60أن تلتجئ للمجلس العلمي الأعلى وكأن النقاش دينيا ، والحال أنه مصلحي واقصائي وضعي.

وقد كان جلالة الملك حكيما حينما أكد في رسالته السامية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية حول السياسة العقارية للدولة المنظمة تحت رعايته السامية وبمبادرة مشكورة من رئاسة الحكومة السابقة بتاريخ 8 و9 دجنبر 2015، عندما قال جلالته أنه يجب:

« الانكباب على إصلاح نظام الأراضي الجماعية، لكي يتسنى مساهمتها بنصيبها في النهوض بالتنمية وجعلها آلية لإدماج ذوي الحقوق في هذه الدينامية الوطنية وذلك في إطار مبادئ الإنصاف والعدالة الاجتماعية بعيدا عن كل الاعتبارات المتجاوزة .»

فهل بادرت سلطات الوصاية بما يجعل تنفيذ التعليمات الملكية السامية حقيقة على أرض الواقع، وخاصة بإعداد مشروع قانون يقطع مع الأعراف والتقاليد البائدة ويأتي على شكل مدونة جامعة مانعة لتدبير الأراضي السلالية، أو حتى بتنظيم مناظرة وطنية في الموضوع كما التزم بذلك وزير الداخلية السابق أمام مؤسسة البرلمان أي ممثلي الشعب، تكون توصياتها بمثابة عناصر وفلسفة لمشروع القانون الذي يعد في هذا الشأن، علما أن سلطات الوصاية أقرت من خلال مناقشة مشروع القانون المالي لسنة 2017 بأنه بلغ عدد النساء السلاليات المستفيدات من توزيع العائدات المالية سنة 2015 ، 15.229 مستفيدة، أي ما يوازي 46 في المائة من مجموع المستفيدين، في حين كانت حصيلة سنة 2016 كالتالي: تم إبرام 564 عقد تفويت وكراء من أجل تعبئة 11.378 هـكتار، ووزعت 623 مليون درهم، وقد استفاد من هذه العائدات 52.675 ذي حق تابعين ل 87 جماعة سلالية تتوزع على 21 إقليما، حوالي 40 في المائة من المستفيدين يكونون.


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا