هل يصمد إتفاق الهدنة ويعقد مؤتمر الإستانة؟

هل يصمد إتفاق الهدنة ويعقد مؤتمر الإستانة؟

تخبط أمريكي إسرائيلي أمام تقلب موازين القوى على ساحة الحرب في بلاد الشام

  • بقلم // عمر نجيب

  تتسارع الأحداث التي لها تأثير كبير على تطورات الصراع المتعدد الأطراف الدائر على أرض الشام منذ شهر مارس 2011، والذي تنعكس مجرياته على مناطق واسعة من منطقة الشرق الأوسط الكبير ماضيا وحاضرا ومستقبلا. ومع هذا التسارع تتساقط أوراق التوت التي حاولت الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من حلفائهما التستر وراءها لإخفاء حقيقة مشاريعهم ضد سوريا.

  مع بداية سنة 2017 تبقى الشكوك تحيط بإتفاقية الهدنة في سوريا التي تم الإعلان عنها في الأيام الأخيرة لشهر ديسمبر 2016 والتي تستثني منها تنظيمات داعش والنصرة وفصائل أخرى تنعت نفسها بالجهادية، وذلك لأن العديد من الفصائل المسلحة التي وافقت برعاية تركية روسية على الهدنة تخرقها أو تتهم الجيش السوري بعدم إحترامها.

 يوم الأحد فاتح يناير 2017 إتفقت العديد من وسائل الإعلام الدولية عى القول في عناوين بارزة على  أن الهدنة في سوريا تدخل مرحلة الخطر.. الاجهزة الامنية السورية تحبط عملية انتحارية مزدوجة في طرطوس وحشود عسكرية للفصائل على الجبهة الغربية لحلب، والفصائل تقصف بثلاثين صاروخ غراد كفريا والفوعة بريف إدلب وارتفاع وتيرة الاشتباكات في وادي بردى بريف دمشق. وسائل الإعلام الدولية ركزت إهتمامها كذلك على أحداث تركيا وفي مقدمتها الأعمال الإرهابية التي تضرب البلاد بشكل منتظم وتأثير ذلك على توجهات حكومة أنقرة تجاه الصراع في سوريا.

  مصادر فلسطينية في بيروت والضفة الغربية تحدثت من جانبها عن حشود عسكرية إسرائيلية في مناطق من الجولان المحتل وشمال فلسطين المحتلة تحسبا لقيام الجيش السوري وقطاعات من وحدات حزب الله اللبناني بالتقدم نحو الجيوب التي تسيطر عليها فصائل مسلحة تعمل في الجزء الذي حرره الجيش السوري من هضبة الجولان خلال حرب أكتوبر سنة 1973.

أردوغان يسقط أوراق التوت

 يوم الثلاثاء 27 ديسمبر 2016 اتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بدعم الجماعات “الإرهابية” في سوريا، وأشار في مؤتمر صحفي بالعاصمة التركية أنقرة: “يتهموننا بدعم داعش، وهم الآن يقدمون الدعم لجماعات إرهابية منها داعش ووحدات حماية الشعب الكردية وحزب الاتحاد الديمقراطي، هذا واضح جدا ولدينا أدلة مؤكدة بالوثائق والصور والتسجيلات المصورة”.

واوضح أردوغان إن تركيا، الى جانب روسيا، تدعم خطة لجمع أطراف النزاع السوري مع القوى الكبرى في محادثات سلام في إستانة العاصمة الكازاخستانية. وشدد على أن “التنظيمات الإرهابية” يجب الا تشملها هذه العملية، وأن أنقرة تريد انخراط حليفتيها الخليجيتين، السعودية وقطر.

تصريحات أردوغان جاءت عقب تكبد الجيش التركي خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات أثناء عمليته في شمال سوريا والتي تستهدف تنظيم الدولة في مدينة الباب، وهي جزء من عملية درع الفرات التي تشارك فيها فصائل مسلحة تحسب في الوقت الحالي كمعتدلة من جانب تركيا.

 واشنطن رفضت تصريحات الرئيس التركي، وزارة الخارجية الأمريكية وصفت الإتهامات “بـالمضحكة”، وقال المتحدث باسم الوزارة مارك تونر إن اتهامات من هذا القبيل لا أساس لها من الصحة.

  السفارة الأمريكية في أنقرة من جانبها نفت يوم الأربعاء أن تكون واشنطن قدمت دعما لجهاديي تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في إطار النزاع السوري، وذكرت السفارة في بيان مقتضب، إن “حكومة الولايات المتحدة لا تقدم الدعم لداعش”، وأنها “لم تؤسس أو تدعم داعش سابقا. التأكيدات بأن حكومة الولايات المتحدة تدعم داعش هي غير صحيحة”.

وكالة الأناضول التركية ذكرت أنه في اليوم نفسه الذي أدلت فيه السفارة الأمريكية بنفي تقديم الدعم للجماعات الإرهابية، وصلت مطار رميلان بريف الحسكة بسوريا طائرة محملة بشحنة سلاح، تم تقسيمها ونقلها على متن مروحيات تابعة لسلاح الجو الأمريكي إلى مناطق سورية أخرى خاضعة للتنظيمات المسلحة التي تقاتل الجيش العربي السوري.

كما تحدثت الوكالة عن وصول شحنة كبيرة من الأسلحة إلى شمال سوريا، فيما انطلقت من أربيل بكردستان العراق عشرات الشاحنات، ووصلت إلى مناطق تسيطر عليها القوات الكردية بشمال سوريا. ومر جزء من هذه الشاحنات بريف القامشلي، حسب معلومات الأناضول.

 وسبق لأردوغان أن وجه اتهاما مماثلا ولكن أقل حدة خلال زيارة لباكستان في نوفمبر 2016 لأنه لم يتحدث عن تقديم دلائل، وقال إن “الغرب يقف مع تنظيم داعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى” مضيفا “الأسلحة التي وجدناها ونجدها في أيدي عناصره تعود لمنشأ غربي الصنع. ضد من يتم هذا الأمر؟ ضد العالم الإسلامي”.

ودعا الرئيس التركي لمواصلة باكستان التعاون والتضامن مع بلاده في مكافحة الإرهاب والعمل على تعزيزه، مؤكدا أن تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية الذي ظهر كجزء منه والمنظمات الإرهابية الأخرى تلحق الضرر بالمسلمين وتستخدم كأداة حرب ضد الإسلام.

وشدد على أن تركيا تكافح الدولة الإسلامية بشكل كبير، حيث اتسع نطاق مكافحة هذا التنظيم في العراق وسوريا إلى جانب مكافحة تنظيمات إرهابية أخرى مثل حزب العمال الكردستاني وذراعها السوري “ب ي د”.

وأكد إنه على ثقة بأن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، داعيا إلى اقتلاع المنظمات الإرهابية في العالم الإسلامي بأسرع وقت. وقال “هؤلاء القتلة لا يجيدون سوى سفك دماء المسلمين”.

 بعد 72 ساعة تقريبا من تصريحات أردوغان التي وصفها بعض الإعلاميين بالقنبلة، رأى الرئيس السوري بشار الأسد، أن هزيمة الجماعات المسلحة في حلب كانت “خطوة مهمة نحو إنهاء الحرب”، مشيرا إلى أن “الإرهابيين ما زالوا يتمتعون بدعم رسمي من العديد من البلدان، بما في ذلك تركيا وقطر والسعودية والعديد من البلدان الغربية”.

وأضاف في تصريح لقناة «تي جي 5» الإيطالية إنه “عندما لا يتمتع الإرهابيون بالدعم الخارجي، لن يكون صعباً على الإطلاق التخلص منهم في كل مكان من سوريا”. وأشار إلى أنّ “السبيل الوحيد لحل المشكلة في سوريا، هو أن يسامح الجميع الجميع”، معرباً عن اعتقاده بأن “هذا هو التوجه الرئيسي على المستوى الشعبي”.

وحول وصول الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، أوضح أن دمشق “أكثر تفاؤلاً، لكن مع بعض الحذر، لأننا لا نعرف السياسة التي سيتبناها حيال منطقتنا عموماً، أو كيف سيتمكن من التعامل مع مجموعات الضغط المختلفة في الولايات المتحدة التي تعارض أي حل في سوريا”.

 في موسكو ويوم الأربعاء 28 ديسمبر صرح أليكسي بوشكوف، السيناتور في مجلس الاتحاد الروسي الغرفة العليا للبرلمان، إن الرئيس التركي كان محقًا بشأن دعم التحالف الدولي تنظيمات إرهابية على رأسها “الدولة الاسلامية” و”ي ب ك/ ب ي د”.

وقال بوشكوف في بيان له، “أردوغان على حق. هناك أدلة كثيرة حول دعم الولايات المتحدة لمنظمات إرهابية. ومساعي إنكار وزارة الخارجية الأمريكية هذا الأمر سخيفة”.

إسرائيل ومواجهة المخاطر الجديدة

  يوم 30 ديسمبر 2016 وفي وقت تواصلت نتائج انتصار الجيش السوري وحلفائه في معركة شرق حلب التفاعل على الساحة الإسرائيلية، ظهر على المستوى الاستراتيجي، أدراك من جانب صناع القرار في تل أبيب، وبعد تبدد الرهانات على إمكانية إسقاط النظام والرئيس بشار الأسد، على ضرورة مواجهة الأمر بسرعة. وقد جاء في دراسة إسرائيلية حول الخطوات التي يجب على تل أبيب إتخاذها لاستباق انهيار المسلحين على حدود الجولان:

 “على المستوى الميداني، يتخوف الخبراء الإسرائيليون من تكرار سيناريو الانتصار في حلب، على حدود الجولان، وإسقاط الحزام الأمني الذي تشكّله الجماعات المسلحة”.

ليس من المبالغة التقدير بأن الانتصار في حلب قد يكون فاجأ الجهات المختصة في إسرائيل، وهو ما دفعها إلى محاولة استشراف تداعيات المرحلة التي تلي على مجمل الساحة السورية، وتحديدا على المنطقة المحاذية للجولان المحتل. امتداداً لهذا المفهوم، تناولت دراسة صادرة عن “مركز موشيه ديان”، التحدي الماثل أمام إسرائيل في مرحلة ما بعد حلب، لجهة انعكاسه على الجماعات المسلحة، وهو ما عبرت عنه بأن “الروتين الجديد والهش في الجولان آخذ بالانكسار، وأن نتائج نقطة التحول التي بدأت في معركة حلب بدأنا نراها عندنا أيضا، فعليا خلف الحدود”. وأوضحت الدراسة التي صاغها الباحثان في المركز، موران لفنوني ونير بومس، أن هذه الجماعات “بدأت تجد نفسها في وضع جديد يتغير في منطقة الحدود”. ولفتت إلى أنه في حال عدم التدخل العسكري الإسرائيلي، فإن “عصر الجهات المعتدلة الموجودة حالياً في المنطقة سينتهي، والبديل سيكون جيرانا جددا على شاكلة ميليشيات معادية وحزب الله”، وهو ما يفرض على القيادة الإسرائيلية “التفكير السريع، قبل أن يتغير الوضع على الأرض أمام عيوننا”.

عصر الجماعات المسلحة سينتهي

 ورأت الدراسة أن خلفية الاهتمام الإسرائيلي بالمنطقة التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة “ينبع من أسباب استراتيجية وتكتيكية ثقيلة الوزن”، مشيرة إلى أن شريط جبل الشيخ السوري والقرى المتاخمة له منطقة ذات أهمية استراتيجية عليا بالنسبة إلى المجموعات المعادية وبالنسبة إلى حزب الله والحكم السوري. وتنبع أهمية هذه المنطقة من كونها ممراً يربط بين لبنان وهضبة الجولان ويشرف على طريق القنيطرة – دمشق، وأيضاً من إمكانية إقامة جبهة معادية إضافية وحتى مفضلة في مواجهة إسرائيل.

وفي ضوء الضغط الكبير الذي يمارسه الجيش السوري على الجماعات المسلحة، وما يؤدي إليه من دفع عدد منهم إلى إلقاء السلاح وتفضيل خيار التسوية، شكّكت الدراسة بقدرة هذه الجماعات على مواجهة الجيش السوري وحلفائه، حتى لو توحدت قيادتها التي وصفتها بالبشرى الجيدة. ورأت أن على إسرائيل أن تكون قلقة جداً لسببين: الأول، كررت فيه المعزوفة الإسرائيلية المتصلة بالبعد الإنساني الذي تغطي به خلفياتها، والثاني يعود إلى البعد الأمني النابع من اهتمام حزب الله والسوريين بالسيطرة على تلك المنطقة، بحسب تعبير الدراسة. وخلصت، بالتالي، إلى أن على إسرائيل أن تقرر ما إن كانت ستسمح بسقوط تلك المنطقة بأيدي حزب الله. ووصفت هذا الأمر بالأزمة غير البسيطة، انطلاقا من أن التدخل الإسرائيلي العلني لمساعدة الجماعات المسلحة، سيعني تورطا إضافيا لإسرائيل في الحرب السورية. لكن هذه الحرب لم تعد حربا بين السوريين أنفسهم، فهي باتت حربا يستغلها أسوأ أعدائنا لغرز وتد على سياجنا الحدودي. ويبدو أن إسرائيل هنا لا يمكنها الوقوف موقف المتفرج”.

زمن الهدنة الروسية

 تنقسم تقديرات مراكز الرصد في الغرب والشرق على السواء فيما يخص فرص التسوية السلمية أو تواصل الحرب في بلاد الشام.

يوم الجمعة 30 ديسمبر صدر في العاصمة اللبنانية بيروت بحث جاء فيه:

 أفضى مخاض حلب إلى الرؤية المرسومة روسياً: نؤمن السيطرة على المدينة ثم نذهب إلى مفاوضات جديدة. لا تعيش الأراضي السورية ابتداءً من اليوم مرحلة لم تختبرها سابقاً ولم يعوّل عليها شعبياً ودولياً، لكن الهدنة الجديدة هي الأنضج من سابقاتها، خصوصاً أنها تتزامن مع تحوّل نوعي في الميدان بعد معركة حلب ومفاعيلها السياسية، كما أنّها جاءت في وقت الإدارة الأمريكية مكبّلة فيه، لتعد أرضية خصبة لفرص تسوية قد تسهم إدارة ترامب في صنعها… أو في إجهاضها لنعود مجدداً نحو الميدان.

منذ التدخل الروسي في الحرب السورية، تحولت مفاعيل الميدان إلى أروقة السياسة بعد كل مفصل عسكري. في نهاية فبراير 2016، كان الغطاء الجوّي الروسي بالتعاون مع الجيش السوري والحلفاء قد أسقط مرحلة عدم التوازن والتراجع على الجبهات إثر خسارة معظم محافظة إدلب واقتراب الخطر من الساحل.

هدنة روسية أمريكية، حينها، توجت لقاءات كيري لافروف الشهيرة لم تدم طويلا بسبب الفخاخ المتعددة داخل الاتفاق، ليعود الميدان للاشتعال وتكون حلب قُبلة الكباش الدولي وحرب الإرادات الكبرى.

اليوم، بعد إنهاء معركة “الشهباء”، كان الخط البياني للتعاون التركي الروسي في تطور إيجابي. فبالتوازي مع تطبيع العلاقات بين البلدين بعد إسقاط أنقرة طائرة السوخوي، جاءت تسوية المدينة لتوضح حجم التفاهمات بينهما. تصريحات مسؤولي العاصمتين كانت واضحة في ما يخص “ما بعد حلب”: إخراج المسلحين، فوقف إطلاق نار، فعودة للمسار السياسي. صحيح أن أنقرة كُسرت في حلب وخسرت أوراقاً مهمة بعد خسارة “عاصمة الشمال” لكنّ موسكو اختارتها شريكاً حيوياً دون الآخرين لكتابة فصل جديد من التهدئة الميدانية وإطلاق الخطوط الدبلوماسية لوقف الحرب.

إذ بالتزامن مع اقتراب تسلّم الرئيس المنتخب دونالد ترامب مقاليد السلطة في واشنطن، تسارع العاصمة الروسية في رسم خطوط جديدة في إدارة الحرب السورية أملاً في دخول إدارة ترامب كعنصر مساعد رأت أمامها سقوط خيارات وأهداف الإدارة السابقة.

كل ذلك، شكّل حافزاً مهماً لموسكو لتنشيط قنواتها الإقليمية، وخاصة مع أنقرة وطهران، جنباً إلى جنب مع عمل عسكريّ منسّق في الميدان.

وأفرزت المعادلة الإقليمية الجديدة تفاهمات وتقاطعات مصالح، مهدت لتغيير مفصلي تمثل بإخراج مدينة حلب من دائرة الصراع العسكري، وتوقيع “إعلان موسكو” الثلاثي، وصولا إلى إعلان التوصل لوقف شامل لإطلاق النار في سوريا، يوم 29 ديسمبر.

“الهدنة” الجديدة أُعلنت من عدة مصادر بالتوازي، فبينما أعلن الجيش السوري وقفاً شاملاً للأعمال القتالية بدءاً من منتصف ليل الخميس الجمعة، خرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ليشير بدوره إلى نجاح الاتفاق ويكشف في الوقت نفسه عن موافقته على خفض عديد قوات بلاده في سوريا، مع التزام دعم دمشق في حربها على الإرهاب.

في المقابل، أعلنت أنقرة على لسان الرئيس رجب طيب أردوغان، أنها ستعمل مع موسكو على ضمان تنفيذ الاتفاق الذي يستثني الجماعات المصنفة دولياً على أنها “إرهابية” وهي “داعش” و”جبهة فتح الشام”. فيما خرج المتحدث باسم “الجيش الحر” أسامة أبو زيد، في مؤتمر صحافي ليقدم تفسيرا جديدا يختلف عن صيغة الاتفاق، ويقول إنه يستثني كلا من “داعش” و”حزب الاتحاد الديموقراطي” وجناحه العسكري “وحدات حماية الشعب” الكردية من دون “فتح الشام”.

الضامن الروسي

 وبغض النظر عن جديّة المقاربة التي طرحتها المعارضة المسلحة عن تصنيف الجماعات وانضوائها تحت سقف “الهدنة”، فهي تضيء على واحد من أهم الخلافات التي لا تزال تشوب التفاهم الروسي التركي، الذي تمكّن من تحقيق خرق واضح تمثّل بإخراج “أحرار الشام” و”جيش الإسلام” من قائمة موسكو للجماعات الإرهابية. كذلك يدل على نية أنقرة استكمال مناوشاتها مع القوى الكردية ومنعها من استغلال أي فرصة لتوسيع نفوذها، دون المساس بجوهر الاتفاق مع موسكو وطهران. وتراهن موسكو وأنقرة على إنجاح وقف إطلاق النار الذي من المفترض أن يفضي إلى مباحثات سياسية في أستانة، تضمّ طيفاً واسعاً من القوى المعارضة، بما فيها ممثلو الفصائل المسلّحة الأقوى. ولم يترك تحديد تلك الفصائل عرضة للجدل في هذا الاتفاق، إذ أوضح بيان لوزارة الدفاع الروسية أن 7 فصائل وقعت على اتفاق “الهدنة” هي “فيلق الشام، أحرار الشام، جيش الإسلام، ثوار الشام، جيش المجاهدين، جيش إدلب، والجبهة الشامية”.

وفي سياق متناقض مع ما أُعلن، أتى تصريح المتحدث الرسمي باسم “حركة أحرار الشام” أحمد قره علي، بأنّ “لدى أحرار الشام عدداً من التحفظات من الاتفاقية المطروحة والعملية التفاوضية المرتبطة بها، ولذا لم نوقع عليها وسنبيّن تحفظاتنا عليها لاحقا”. وبدوره شدد وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، على “اعتبار مجموعات المعارضة المسلحة التي لم تنضم إلى اتفاق وقف الأعمال القتالية إرهابية”، مشيرا إلى “فتح خط ساخن مع تركيا لمتابعة ومراقبة تنفيذ الاتفاق”.

التفرغ لـداعش

 سيتيح الاتفاق التفرغ لعدة جبهات شهدت ضعفاً في الزخم الميداني خلال مخاض حلب وما سبقه من تجاذبات، إذ من المفترض أن تشهد محاور تدمر نشاطً سوريا روسيا مشتركا لاستعادة المدينة ومحيطها من قبضة “داعش”، في وقت سيتفرغ فيه الأتراك لتعزيز “منطقتهم العازلة” في محيط الباب ومنبج، وبدعم روسي هذه المرة، في ضوء التقارير التي نقلت عن مصادر تركية يوم الخميس، أن الطيران الروسي نفذ عدة غارات على مواقع “داعش” في محيط مدينة الباب، كدعم لقوات “درع الفرات”.

ويطرح استثناء “جبهة فتح الشام” من الاتفاق، عدداً من التساؤلات عمّا ستشهده جبهات توجد فيها بوضوح إلى جانب الفصائل الأخرى كما في إدلب وريفها. كذلك سيبقى رد فعل “فتح الشام” وموقفها من الاتفاق، واحتمال انكفائها عن تنفيذ هجمات وعمليات، موضع تساؤل يتطلب جهدا مضاعفا من أنقرة والفصائل التي تدعمها، لتجنب اشتعال الميدان وتقويض الاتفاق.

وبالتوازي مع بحث الرئيس السوري بشار الأسد مع نظيره الروسي بوتين، عبر اتصال هاتفي، وقف الأعمال القتالية الشامل والاجتماع المقبل المقرر عقده في أستانة قريبا، رأى وزير الخارجية السوري وليد المعلم، أن “الاتفاق يعكس ثقة الدولة السورية بالنصر على الإرهاب”، مؤكدا “ثقة دمشق بالضامن الروسي، لأنهم شركاؤنا في الحرب على الإرهاب، بينما لا نثق بالدور التركي”. ولفت خلال حوار مع التلفزيون السوري إلى أن “الاتفاق لا يشمل داعش والنصرة الإرهابيين والفصائل المرتبطة بهما والتي لم توقع على الاتفاق، وبالتالي هناك مهمات لقواتنا المسلحة ستواصلها… وهناك في الوقت نفسه فرصة حقيقية لنصل إلى تسوية سياسية للأزمة”.

تجدر الإشارة أنه حسب التقارير الدولية فإن هناك حوالي 160 فصيلا مسلحا في سوريا تقاتل الجيش السوري.

ومع ترحيب المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا وعدد من الدول بالاتفاق، من المتوقع أن تعمل كل من موسكو وأنقرة على توسيع دائرة الدول الراعية للاتفاق. وفي هذا السياق، أعرب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، عن أمله في أن يدعم الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، الجهود المبذولة ضمن الاتفاق للوصول إلى حل للأزمة السورية، إلى جانب الدول الإقليمية ذات التأثير كمصر والسعودية وقطر والعراق والأردن. وبدورها، رحبت واشنطن بإعلان وقف إطلاق النار، مشيرة على لسان المتحدث باسم وزارة خارجيتها مارك تونر، إلى أنه “يشكل تطورا إيجابيا”.

  ويقول الملاحظون أن واشنطن وحلفاءها ممتعضون من إبعادهم عن أي تسوية محتملة وأن ترحيبهم العلني قد لا يكون في الغالب أكثر من تحايل وأنهم سيعملون على مواصلة الحرب لأنهم لم يقروا أنهم يخسرونها فعلا.

 وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر يوم السبت 31 ديسمبر  قرارا بالاجماع يدعم الخطة الروسية التركية لوقف اطلاق النار في سوريا والدخول في مفاوضات لحل النزاع المستمر منذ نحو ست سنوات، من دون ان يصادق على تفاصيل الخطة.

ونص القرار الذي تم تبنيه اثر مشاورات مغلقة على ان المجلس “يرحب ويدعم جهود روسيا وتركيا لوضع حد للعنف في سوريا والبدء بعملية سياسية” لتسوية النزاع.

لكن القرار اكتفى “باخذ العلم” بالاتفاق الذي قدمه البلدان في 29 ديسمبر، مذكرا بضرورة تطبيق “كل قرارات” الامم المتحدة ذات الصلة حول سوريا.

وتعليقا على مفاوضات السلام التي من المقرر ان تستضيفها استانا وفق موسكو، اعتبر مجلس الامن ان المفاوضات المرتقبة “هي مرحلة اساسية استعدادا لاستئناف المفاوضات بين النظام والمعارضة برعاية الامم المتحدة” في الثامن من فبراير 2017 في جنيف.

واسف سفراء الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا لعدم ابلاغهم بعض تفاصيل الاتفاق الروسي التركي مثل اللائحة الكاملة للمجموعات المسلحة المعنية بوقف اطلاق النار.

لكن نظيرهم الروسي فيتالي تشوركين اتهمهم بـ”تعقيد الامور والسعي الى زرع الشكوك واستعادة شعارات من زمن اخر”. واضاف “فلنعمل معا للتوصل في 2017 الى تسوية سياسية للازمة في سوريا”.

موقف ضعيف

  في نيويورك قال ريك فرانكونا، محلل الشؤون العسكرية بشبكة “سي إن إن”:  إن المعطيات الموجودة على الأرض السورية في الوقت الحالي يمكن أن تؤدي إلى نجاح اتفاق وقف إطلاق النار في البلاد.

وأوضح فرانكونا قائلا: “النظام السوري يسيطر على حلب وهو في موقف يخوله بالتحرك جنوبا والتضييق إلى حد كبير على جيوب المعارضة بين حماه وحلب، واعتقد أن المعارضة تعي ذلك بشكل واضح”.

وتابع قائلا: “مقاتلو المعارضة ينظرون إلى نتائج الانتخابات الأمريكية وأن الـ20 من يناير 2017 سيكون بداية الإدارة الأمريكية الجديدة، في الوقت الذي أبدى فيه ترامب وبصراحة عدم ميله إلى قلب الأنظمة في الشرق الأوسط، وعليه فإنهم أي المعارضة لا يعلمون بالضبط ما الدعم الذي سيحصلون عليه مع بداية فترة ترامب الرئاسية”.

وأضاف المحلل العسكري قائلا: “اعتقد أن مقاتلي المعارضة بموقف ضعيف ولكنهم يجلسون ويتحدثون، بالطبع هناك تحديات تحيط بالاتفاقية وخصوصا فيما يتعلق باستهداف داعش وجبهة فتح الشام جبهة النصرة سابقا إلا أنه ومن وجهة نظري أي أمر قد يؤدي إلى وقف حمام الدم في سوريا يعتبر أمرا إيجابيا”.

 من جانبها  قالت هالة غوراني، مقدمة برنامج ” العالم في اللحظة الحالية” على شبكة “سي إن إن” يوم 30 ديسمبر  إن إعلان اتفاق لوقف الأعمال العدائية بسوريا من قبل روسيا وتركيا اللتان تعتبرا على طرفي الصراع السوري هو سابقة مهمة، ولكن هناك العديد من الأسباب التي قد تؤدي بهذه الهدنة إلى الانهيار، وفيما يلي ستة أسباب منها:

1- روسيا وتركيا والسوريون يقولون إن جبهة فتح الشام غير مشمولة باتفاق وقف الأعمال العدائية في حين يقول اثنان من المتحدثين باسم فصائل المعارضة إن تنظيم داعش فقط هو المستثنى من هذه الاتفاقية.

2- إذا كانت جبهة النصرة مستثنية من الاتفاق فهذا يعني أن الأعمال العسكرية ضدها ستستمر وعلى مساحات واسعة تسيطر عليها الحركة في سوريا.

3- التمييز بين عناصر جبهة النصرة وعناصر الفصائل الأخرى سيكون تحديا، ولا يوجد أي وضوح في كيفية إمكانية القيام بمثل هذا التمييز.

4- تركيا والمعارضة السورية أكدوا في السابق على أنهم لن يتفاوضوا مع الرئيس السوري بشار الأسد، وإذا كان الاتفاق يسمح للأسد بالبقاء على رأس السلطة فهذا يعني تغييرا كبيرا بالنسبة للعديد من الأطراف في هذه الأزمة.

5- روسيا وتركيا تقولان إنهما ستكونان الضامنتان لاتفاقية وقف الاعمال العدائية، ولكن من غير الواضح كيف سيتم التعامل مع الخروق الممكن وقوعها.

6- من سيضمن سلامة المدنيين في المناطق التي استعادتها الحكومة السورية من فصائل المعارضة؟ وهل هم آمنون ويمكنهم العودة إلى منازلهم في تلك المناطق؟.

أسلوب حرب جديد

  تشير مصادر رصد في برلين وموسكو أنه في إنتظار تبين المواقف من الهدنة السورية، تتابع القوات السورية وتلك التابعة لحزب الله عملياتها ضد الجماعات المستثناة من وقف العمليات القتالية.

 صحيفة “إيزفيستيا” الروسية ذكرت يوم 29 ديسمبر أن القوات السورية الخاصة ووحدات حزب الله، بدأت عمليات منظمة القضاء على القادة الميدانيين للجماعات المسلحة في محافظة إدلب، حيث تمكنت خلال يومي السبت والأحد 24 و 25 ديسمبر من قتل ثلاثة منهم. وباعتقاد الخبراء، فإن هذا التكتيك الجديد يسمح بتجنب العمليات الحربية الواسعة في إدلب.

فقد هاجم مجهولون نقطة ارتكاز لـ “جيش سوريا الحر” جيش إدلب الحر في قرية معرة حرمة، وقتلوا اثنين من قادة الميدان أحمد الخطيب ويونس الزريق. وقبل ذلك في يوم السبت قتل أبو عدي “أحرار” بتفجير سيارته وهو أحد قادة مجموعة “احرار الشام”.

ووفق معلومات وسائل الإعلام المحلية، تم قتل القادة الثلاثة على يد قوات “حزب الله” الخاصة، التي تحصل على المعلومات عن مكان وجود قادة المسلحين من الأجهزة الأمنية السورية والسكان.

والحديث يدور عن تكتيك جديد يكمن في استهداف قادة المعارضة والتخلي عن القيام بعمليات عسكرية واسعة. وبحسب المعلومات الواردة من مدينة إدلب التي يسيطر عليها المسلحون منذ مارس 2015، بدأت القوات الخاصة للمسلحين بغلق الطرق والأحياء لضمان أمن القادة.

وقد سبق لوسائل الإعلام المحلية أن أشارت إلى أن القوات الحكومية السورية وحلفاءها بعد تحرير مدينة حلب توجهت نحو محافظة إدلب الواقعة شمال غرب سوريا، والتي تعد قاعدة لأكبر وأقوى مجموعتين مسلحتين، وهما “جبهة فتح الشام، النصرة سابقا” التي كانت تابعة لحركة “القاعدة”، و”جبهة فتح الشام” التي تسيطر على مركز المحافظة مدينة إدلب.

كما يوجد في محافظة إدلب مسلحون تابعون لمجموعة “احرار الشام” التي تشكلت عام 2011 وحصلت على دعم كبير من تركيا وقطر. وتضم هذه المجموعة في صفوفها حاليا حوالي 20 ألف مسلح. ولكن انقساما حدث مؤخرا في “أحرار الشام”، حيث يريد قسم من المسلحين التخلي عن الفكر الجهادي السلفي من أجل تحسين العلاقات مع تركيا والغرب.

يُعتقد أن مسلحين آخرين تجمعوا في إدلب بعد هربهم من مناطق أخرى من سوريا، من ضواحي دمشق الغربية، حيث يبلغ تعدادهم الكلي في المدينة ومحيطها عشرات ألاف المسلحين.

ووفق رأي الخبراء المحليين، فإن التحول إلى التكتيك الجديد أمر مبرر جدا إذا أخذنا بالاعتبار الأوضاع على جبهات القتال.

ويقول كبير الباحثين في مركز الدراسات العربية والإسلامية قسطنطين ترويفتسيف في حديث إلى “إيزفيستيا” إن القوات السورية مطلوبة حاليا للعمل على اتجاهات أخرى.

للتواصل مع الكاتب:

عمر نجيب

Omar_najib2003@yahoo.fr

شارك برأيك

إلغاء الرد