هل من مصلحة الأمة الإسلامية توظيف الفتوى لإذكاء نار الخلافات والشقاق..؟

هل من مصلحة الأمة الإسلامية توظيف الفتوى لإذكاء نار الخلافات والشقاق..؟

مع هنري لاووست في كتابه: “نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع (11)

بقلم // ذ. محمد السوسي

للتاريخ أحكامه وقوانينه التي تفرض نفسها على الناس شاءوا أم أبوا ذلك انه يصدر أحكامه غير عابئ بمن يرضى أو يسخط، فمن يرضى ومن يسخط ليس من شأنه وإنما شأنه ان يسجل للأجيال ولمن يعتبرها من كان وكيف كان، وللناس بعد ذلك أن يفهموا من أمر ما كان ما شاءوا أن يفهموا وما أسعفهم به واقع ما كان من وسائل الفهم والإدراك، وقد كان القدماء لا يتوانون عن تسجيل كل حادث مر بهم في حياتهم، فيكتبون كتابة و مهما اتفق إذا كانوا يملكون حظا من القدرة على الكتابة، أو يروون شفاها راو عن راو إلى أن يقيض الله من يكتب وينقذ ما استطاع أنقاذه بنقله من كلام يتداول إلى سطور في ورق أو كتاب، ولعل أخطر ما يمكن أن يروى أو يسجل هو التفريط في حق، أو التنازل عنه، مهما كانت الظروف والأحوال، لأنه حينذاك يفتح الإنسان بابا للمؤاخذة والمحاكمة المستمرة إذ كل ما جد جيل جد معه الأمر وكأنه حدث بالأمس، ومن هنا كان الالتزام بالسير صعودا لتنمية الموروث التاريخي الايجابي دينا في أعناق الأجيال التي تتناسل بعضها وراء بعض وبعضها يأخذ بتلابيب البعض كما يقال.
وفي تاريخنا القريب الكثير من المكتسبات التي تم التفريط فيها أو كاد ولو كان التمسك بها مما دأبنا عليه ولم تؤثر فينا الأحداث التي جاءت أساسا من أجل النيل من هذه المكاسب أو حتى ضياعها وهي أمنية وهدف خصوم تلك المكاسب وأعداؤها.
لست أدري لماذا مسني هذا الهاجس واستبد بي هذا الصباح وأنا اسرح بفكري على امتداد نصف قرن ويزيد قليلا من عمر حركة كانت في حينها ملء السمع في بعض وسائل الإعلام المسموعة وملء البصر في بعض الوسائل الأخرى المكتوبة، إذ كان سطر يكتب وما أقله أو خبر ينقل وما أندره يشبع البهجة في النفس ويفتح باب الأمل.
لقد ابتدأت المسيرة وأول الغيث قطرة وأول المشي خطوة إنها حركة مباركة تحمل من اسمها فأل خير وأمل عز ونصرو واسترداد حق مغتصب ألم يختزلها فتيانها وشبابها ومن يؤازرهم من الآباء وفي مقدمتهم “الوالد” اسما تيمنا بوعد الله بالفتح، إنها (فتح) فلتكن فتحا ان شاء الله، وهكذا تحمس الناس لهذا الوليد الجديد الذي انطلق باسم الله وعلى بركة الله لاسترداد الحق الضائع، وانخرط الناس وتعاطفوا مع هذا الواقع الجديد الذي اختاره أبناء فلسطين لاسترجاع الحقوق، وإعادة الأرض، والدفاع عن العرض، واذكر وأنا أخط هذه السطور كيف اندفعنا ونحن شباب نتضامن مع هذا الشباب الثائر الذي لا نعرفه ولكن نسمع عنه وما هي إلا شهور حتى كنا نتعاون بعض هؤلاء الشباب أساتذة وطلبة من عناصر الحركة دعما ومساندة .
وأصبح مألوفا أن يطرق باب شقة سكنى في فاس بين الفيتة والفينة الأخ الأستاذ (العلمي) من شباب فتح بمدينة فاس وتأسست الجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني وأصبح من لوازم عملنا الوطني العمل لدعم فلسطين والجهاد في فلسطين وهكذا تطورت الأمور وأصبح التعاون مع القيادة الجهادية في فلسطين، وعندما أتذكر اليوم ذلك الماضي الذي كان أتساءل مع الذكرى لماذا ضاع هذا الألق الذي كان للجهاد الفلسطيني لدى الناس في العالم العربي والإسلامي؟ من المسؤول؟ لاشك أن تطورات الأحداث بصفة خاصة في عقد التسعينات وما بعد له دور في الوضع الراهن وما يعرفه هذا التضامن من فتور.
لا أريد في هذه السطور أن أنكي الجروح أو ألوم هذا أو ذاك وإنما أريد أن أشير إلى شيء آخر وهو أن تحريف الاتجاه من الجهاد والنضال لصيانة الحقوق والحفاظ على المكتسبات في أرض النبوات لم يكن عفويا ولا وليد الصدفة؟ وإنما هو أمر مخطط ومدبر بليل، لقد كان بعض أهل (اليسار) في مرحلة من مراحل يرى أن الرجعية العربية هي التي يجب أن تنحى من الطريق لتحرير فلسطين وكان هذا التوجه مما أثر سلبيا نوعا ما على الجهاد الفلسطيني، ولكن التحريف الأكبر والمخطط المدروس هو هذا الذي يجري اليوم على امتداد العالم العربي وبالقرب من فلسطين حيث يموت آلاف الشباب ممن كان يمكن أن يثمر جهادهم في تحرير فلسطين وإعادة الحق الضائع.
ولكن البوصلة انحرفت وأصبحت الحرب على الذات ويتم تدمير الأوطان والطاقات بمساعدة الخصوم والأعداء، إنه أمر غريب وصعب ومعقد يصعب فهمه وإدراك الغاية منه وما يؤول إليه؟
إنها خواطر في ذكرى انطلاق حركة فتح في يناير من عام 1965 وقد ضاق الصدر ولا يستطيع اللسان أن ينطلق إلا بالأمل والرجاء في تحرير القدس وفلسطين وتوحيد الجهد والكلمة من اجل ذلك. ونعود للحديث عن شيخ الجهاد جهاد السنان والقلم ابن تيمية الذي ظلمه الناس وألبسوا مواقفه وفكره ما لم يقله فلم يكن من الداعي إلى الفوضى والقتل وما كان الا ملتزما مع أولياء الأمور مع حقه الطبيعي في إبداء الرأي وتقديم النصيحة.

الاحتياط في الأحكام
تحدثنا في الحديث الأخير عن موقف ابن تيمية من “الشيعة” بصفة عامة وموقفه كما تمت الإشارة إليه لا يعمم في الأحكام التي يصدرها وإنما يراعي في ذلك ما يوجبه الاحتياط عند الحديث عن المخالف، وان كان الاحتياط الذي يلتزمه لا يخفف من قسوة الأحكام وشدة العبارات التي يستعملها في كتاباته وفتاويه.
مراعاة الأحوال
وإذا كان ابن تيمية يصدر في أحكامه وفتاويه وفق الأحداث أو النصوص التي بين يديه والتي يعايشها فإن كثيرا من الناس الذين يرومون تقليد ابن تيمية لا يراعون هذه الظروف ولا الأحوال التي كان هو يراعيها في أحكامه ومواقفه ونحن في هذه الأحاديث لا نروم استقصاء ما جاء في كتبه وما أفتى به لأن الفتاوى نفسها يتحدث فيها عن حكم وخلافه لأنه يورد ما يراه من تقدمه من الأئمة من الأقوال ليرجح من بينها ما يناسب اللحظة التي يفتي فيها أو يحرر مسألة من المسائل.
إحياء السنة

وهو يفعل ذلك حتى يكون كلامه منسجما مع ما يسعى إليه من أهداف وغايات، التي يحددها دائما في نصرة السنة وإحيائها، وقمع البدعة وإماتتها، هذا الهدف لا يمكن أن يكون بالوضوح اللازم والمطلوب دائما، وذلك انه إذا كان ذلك ممكنا في حالة الهدوء وصفاء الذهن ووجود حياة اجتماعية وسياسية هادئة ينعم فيها الناس بالرخاء ويشعرون بالطمأنينة، وتأتي أعمالهم وتصرفاتهم بناء على هذا الواقع المريح، فيُنَظِّرُ الناس ويجتهدون وهم لا يعانون من قسوة الحروب والفتن أما إذ كان الواقع هو ذلك الواقع المؤلم الذي عاش فيه ابن تيمية حيث الاختلافات والحروب وهجوم الأجانب على البلاد العربية والإسلامية سواء كانوا صليبيين أو مغولا أو غيرهم مع ما يوجد بين الناس من خلافات مذهبية مستحكمة سواء على مستوى أهل السنة ومذاهب أهلها وما بينها من تطاحن وخلاف أو بين المذاهب السنية والمذاهب الأخرى.
حالة طوارئ
وكان الصراع بصفة خاصة مع الشيعة بطوائفها ومذاهبها المختلفة والتي كان جزء من الأراضي الإسلامية يحكم أمرها ويتولى تدبير شؤونها ناس من ذوي النزعة الشيعية أو العلوية كما يحلو للبعض أن يقول، ولذلك فإن ابن تيمية كان بمثابة رجل يعيش حالة طوارئ دائمة لأنه يجد نفسه بين تغيير الحاكمين وتغيير الأمزجة بين هذا التعيير وبين موقف يصدر من الشيخ ويعارضه شيخ آخر من نفس التوجه المذهبي أو خلافه وهو أمر أدى به في حالات إلى الاعتقال والسجن حتى كانت نهايته في السجن رحمه الله.
الإسقاط خطأ
وإذا كان واقع الحال أكثر مما أشرت إليه فانه يجب التمييز في فتاويه وأحكامه بين أحكام قارة وثابتة لأنها تعتمد قواعد منهج الاستنباط والاجتهاد وبين أحكام تولدت عن لحظة طارئة استوجبت ذلك وهذا أمر غفل عنه كثير من الناس الذين ينهجون منهج ابن تيمية فيسقطون ما جرى وما أفتى به في أواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن على ما يحدث أو يجري في القرن الخامس عشر الهجري، وهذا أمر لا يستقيم مهما حاول أصحابه أن يبرهنوا أو يفلسفوا لأن الرجل نفسه لو كان هو من يباشر ما يجري اليوم لكان له رأي غير الرأي الذي أبداه منذ قرون.
فلسفة وحدة الوجود
وفي حديث الجمعة اليوم سنتحدث عن موقفين اثنين للشيخ ابن تيمية أوردها صاحب الكتاب “لاووس” وهما ما يرجع إلى الحديث عن فلسفة وحدة الوجود وتأثيرها في عقول الناس وأفكارهم وعقائدهم.
وأما الأمر الثاني: فيتعلق بالفتوى التي صدرت عنه في شأن النصيرية وقتاله لهذه الفئة من الناس في الشام.
وحدة الوجود والشريعة:
ففي شأن ووحدة الوجود والشريعة يقول “لاووس” عن موقف ابن تيمية:
«ولقد رأى ابن تيمية أخيرا أن الشريعة في خطر أمام فلسفة وحدة الوجود لابن عربي التي تحالفت مع “الغلو في الزهد” كما تحالفت الباطنية مع “التشيع المبالغ فيه لآل على” والنتيجة في الحالتين واحدة، إذا على حساب “النبوة” يتم تمجيد “الولاية” في الحالة الأولى، وتمجيد “الإمامة” في الحالة الثانية. ويترتب على تفوق الولى على النبي تلاشى الفرق بين طبيعة إلهام الحكيم وطبيعة الوحي المنزل على النبي، بالإضافة إلى أن الأخذ بالمنهج الفردي في تحصيل العلم على هذا النحو يؤدي إلى نزعة فردية فوضوية في الدين تهدم وظيفة الشريعة في المجتمع، ويحل محلها الإعجاب بالبدع التي تصدى لها ابن تيمية كما سنرى.
سؤال
وهكذا يربط الشيخ ابن تيمية بين وحدة الوجود والتصوف المفلسف وبين المذاهب الشيعة الباطنية وهذا ما يفضي بنا إلى الأمر الثاني:
لقد اشتهر ابن تيمية في فتواه التي أصدرها في شأن النصيرية والتي جاء فيها بين كلام طويل ما يلي:
وسئل رحمه الله
عن طائفة من رعية البلاد كانوا يرون مذهب (النصيرية)، ثم اجمعوا على رجل، واختلفت أقوالهم فيه، فمنهم من يزعم أنه إله، ومنهم من يزعم أنه نبي مرسل، ومنهم من ادعى أنه محمد بن الحسن –يعنون المهدي- وأمروا من وجده بالسجود له وأعلنوا بالكفر بذلك، وسب الصحابة، وأظهروا الخروج عن الطاعة، وعزموا على المحاربة، فهل يجب قتالهم وقتل مقاتلهم؟ وهل تباح ذراريهم وأموالهم أم لا؟
الفتوى
فأجاب: الحمد لله، هؤلاء يجب قتالهم ما داموا ممتنعين حتى يلتزموا شرائع الإسلام، فإن النصيرية من أعظم الناس كفرا بدون إتباعهم لمثل هذا الدجال، فكيف إذا اتبعوا مثل هذا الدجال، وهم مرتدون من أسوأ الناس ردة: تقتل مقاتلهم وتغنم أموالهم، وسبى الذرية فيه نزاع، لكن أكثر العلماء على أنه تستثني الصغار من أولاد المرتدين، وهذا هو الذي دلت عليه سيرة الصديق في قتال المرتدين، وكذلك قد تنازع العلماء في استرقاق المرتد: فطائفة تقول: أنها تسترق كقول أبي حنيفة. وطائفة تقول لا تسترق، كقول الشافعي وأحمد والمعروف عن الصحابة هو الأول، وأنه تسترق منه المرتدات نساء المرتدين، فإن الحنفية التي تسرى بها علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أم ابنه محمد بن الحنفية، من سبى بني حنيفة المرتدين، الذين قاتلهم أبو بكر الصديق –رضي الله عنه- والصحابة لما بعث خالد ابن الوليد في قتالهم». ثم يضيف
التصريح بالمعتقد
و«النصيرية» لا يكتمون أمرهم، بل هم معروفون عند جميع المسلمين، لا يصلون الصلوات الخمس، ولا يصومون شهر رمضان، ولا يحجون البيت، ولا يؤدون الزكاة، ولا يقرون بوجوب ذلك، ويستحلون الخمر وغيرها من المحرمات، ويعتقدون أن الإله علي بن أبي طالب.
وأما إذا لم يظهروا الرفض، وان هذا الكذاب هو المهدي المنتظر، وامتنعوا، فإنهم يقاتلون أيضا، لكن يقاتلون كما يقاتل الخوارج المارقون، الذين قاتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأمر رسول الله صلى الله عليه سلم». (المجلد 28)
ابن تيمية وسفك الدماء
وقبل أن نتناول الكلام بشيء من التفصيل عن هذه النحلة نحلل هذا الجزء الذي أوردناه من فتوى ابن تيمية رحمه الله يتحدث كما ورد في السؤال عن طائفة ترى مذهب النصيرة فأجاب أنه ما داموا ممتنعين يقاتلون بمعنى يجب أن يخضعوا للسلطة القائمة ويلتزموا بشرائع الإسلام ويتحدث بعد ذلك عما بلغه من موقف النصيرية من الأحكام الشرعية ويفصل الأحكام التي تنفذ وأن كل ذلك ينتهي بمجرد ما يعلنون الالتزام بالإسلام، وإذا امتنعوا يقاتلون كما يقاتل الخوارج وليس كما يقاتل الكفار والمرتدين.
ومن هنا يظهر أن الاعتماد على فتوى ابن تيمية من لدن بعض الناس حاليا لإشهار الحرب وسفك الدماء ضد من يعلن انه يومن بالله وبالإسلام ويختلف مع غيره في بعض الفروع فإن فتوى ابن تيمية لا تسعفه في ذلك، بل ابن تيمية لا يرى ما يراه هذا الغير.
الصراع القديم
وعلى أي حال فإن أمر هذه الفئة أو النحلة أمر غريب وغامض منذ البداية والى الآن لقد انتقد الشيعة الأمامية أنفسهم هذه النحلة انتقادا مرؤا ورموها بالغلو والانحراف واعتبروها خارجة عن التوجه العام للأمامية الثني عشرية التي تدعي الانتماء إليها ومنذ القرن الثالث الهجري عندما تبنى “أبو شعيب” محمد بن نصير الذي تنتسب إليه المجموعة في قول بعض المؤرخين أنه الباب للإمام الغائب، والصراع محتدم بين الشيعة ألاثني عشرية في هذا الشأن وهذا أمر تاريخي فصل فيه كل طرف بأسلوبه الخاص.
صدارة الأحداث
غير أنه نظرا للأحداث السياسية والاجتماعية التي عرفها العالم العربي والإسلامي في القرنين الأخيرين والسنوات الأخيرة من القرن الواحد والعشرين الميلادي الخامس عشر الهجري فإن أمر هذه النحلة صار من جديد في صدارة الأحداث سواء على مستوى البحث العلمي والتاريخي والعقدي بصفة خاصة أو على المستوى السياسي ولاسيما عندما أصبح من ينتمون تاريخيا إلى النحلة (النصرية) هم الذين يتولون تسيير الشأن العام في بعض بلدان الشرق العربي ولهم تأثير في بلدان أخرى بهذه الصفة أو تلك.
أهم دراسة
ولعل أهم دراسة أنجزت في شأن هذه الفئة حسب ما اطلعت عليه بحث جامعي مهم في حوالي ثمانمائة صفحة أنجزه (المنصف بن عبد الجليل) في تونس تحت إشراف الدكتور عبد المجيد الشرفي تحت عنوان (الفرقة الهامشية في الإسلام) أما العمل الآخر فهو كتاب (تاريخ العلويين) وهو أساس ومصدر للباحث المشار إليه سابقا وهو لأحد أبناء الطائفة واسمه (محمد أمين غالب الطويل).
وإذا كان الباحث الأول (بن عبد الجليل) قد اعتمد أسلوبا ومنهجا تاريخيا مقارنا بين الروايات ومواقف القدماء راجعا في كل ذلك إلى نصوص وروايات تاريخية فإن الطويل كتب بعطف وسرد للأحداث كواحد من أبناء النحلة واحد المدافعين عنها.
مرجع أساس
والكتاب الأخير يعتبر من المراجع الأساسية كما قلت لصاحب البحث “الفرقة الهامشية في الإسلام” والكتاب (تاريخ العلويين) كتب مقدمته أحد الباحثين اسمه (الحاج عبد الرحمان الخير) وهي في حوالي ستين صفحة من حجم الكتاب وهو حجم متوسط، وانتقد في مقدمته بعض ما جاء في صلب ونص الكتاب ودون أن نغفل الإشارة إلى ما كتبه عبد الرحمان بدوي في كتابه (مذاهب الإسلاميين) إذ تحدث عن النحلة في حوالي سبعين صفحة، وقد اهتم الاستشراق بهذه النحلة وكتب في شأنها كتابات كثيرة ومن بين من اهتم بها (لويس ماسنيون)..
الفتوى العمدة
وعلى أي حال فان فتوى ابن تيمية رحمه الله هي ما اعتمده كثير من العناصر التي تقاتل اليوم في بلاد سوريا وإذا كان ابن تيمية أفتى بالقتال حتى نفى هذه الفئة إلى الصواب كما اشرنا فإن هؤلاء القوم اعني العلويين اليوم يقولون كلاما آخر ويعتبرون أنفسهم شيعة أمامية اثني عشرية ولا يرون ما نسب إليهم إلا مختلقا وهم يرون أن هناك طريقة من بين الطرق التي لها مواقف باطنية مثلها مثل غيرها من الفرق والطرق الصوفية التي ترى ذلك، وتوجد فتاوى وأحكام أصدروها في هذا الشأن نشير إلى بعضها. وقبل أن نعود إلى ما تتداوله هذه النحلة أو الجماعة عن نفسها اليوم نورد فقرة تحدث فيها لاووس عن محاربة ابن تيمية للنصيرية يقول:
محاربة النصيرية
«ما أن ابتعد شبح التهديد التتاري بالخارج حتى تحول ابن تيمية إلى أعداء الداخل ففي عام 704ه استلفتت ثورة أهل القرى النصيرية بجبل كسروان نظر السلطان إلى خطورتها، فجرد لهم حملة عسكرية اشترك فيها ابن تيمية فهل كان تشجيع ابن تيمية للسلطان على القتال تلقائيا –كما يؤكد ذلك كتاب سيرته- أم أن الدور الذي لعبه في هذه المسألة كان دور المدافع عن قضية الدولة؟ ليس من الضروري أن يكون الافتراض الثاني هو الصحيح، ونحن نعلم مدى استقلال ابن تيمية الفكري غير أن تلك الحملة كانت تتفق مع اتجاه مذهبه، مما قد يحملنا على ترجيح قيامه من تلقاء نفسه بالدعوة إليها بحماسته المعهودة، وقد يكون الأمر ابسط من ذلك إذ كانت محاربة أهل كسروان من الأحداث التي فرضت نفسها في وقت معين على غالبية الآراء –حاكمين ومحكومين- إلى حد يصعب معها تفسير دوافع من اشترك فيها.» (ص: 279 ج1)
أهل كسروان
ويقول المؤرخون أن الشيخ استمات في محاربة «أهل جبل كسروان» وكتب إلى أنحاء الشام يحث الناس على قتالهم يقول المرعى «ثم توجه هو بمن معه لغزوهم بالجبل، صحبة ولي الأمر نائب المملكة، وما زال مع ولي الأمر في حصارهم حتى فتح الله الجبل، وأجلى أهله، وكان توجيه الشيخ إلى الكسروانيين أول ذي الحجة سنة 704ه، ورد على شيوخ روافضهم في دعواهم عصمة على.» (الصفحة نفسها)
وصف هؤلاء
وبعد سقوط الجبل، كان يتعين إبلاغ السلطان بنتائج المعركة واتفاق معه على وضع المنهزمين من وجهة النظر الشرعية، ويقال إن ابن تيمية هو الذي قام بهذه المهمة فكتب إلى السلطان يخبره بعقيدتهم البدعية فقال في الرسالة التي يتفق مضمونها مع وصف المؤرخين السنين (وهي أنهم يعتقدون كفر الصحابة، وكفر من ترضى عنهم أو حرم المتعة أو مسح الخفين، ولا يقرون بصلاة ولا صيام ولا جنة ولا نار، ولا يحرمون الدم والميتة ولحم الخنزير، يشتملون على إسماعيلية ونصيرية وحاكمية وباطنية، وهم كفار أكفر من اليهود والنصارى). (ص280)
معاملة خاصة
وطلب إلى السلطان معاملتهم معاملة استثنائية، والتمس منه أن تحرم على شيوخهم الهدايا، وأن تطبق في أقاليم دمشق وحمص وحماه وحلب قوانين الإسلام وشعائره، مثل صلاة الجمعة وصلاة الجماعة وقراءة القرآن، وطلب أن يرسل إليهم الوعاظ والمؤذنون وأن يلقنوا الحديث، وأن تكثر في أراضيهم دور العبادة. وأوضح في خطابه بإسهاب ضرورة إتباع سياسة حازمة تجاههم مذكرا السلطان أن في محاربتهم اقتداء برسول الله وبسيرة علي بن أبي طالب نفسه الذي حارب فرق “الحرورية” المنشقة ولم يأل جهدا في تحريض السلطان حتى أعدم من هؤلاء الفسقة عددا كبيرا.» (ص280).
إن حديث لاووس عن جبل كسروان باعتبار أن من يسكنه في تلك المرحلة “نصيرية لا يقربه باحثون ومؤرخون معاصرون ولا بأس هنا من الإشارة إلى بعض ما جاء في كتب تاريخ الشيعة المعاصرين وبصفة خاصة ما كتبه سعدون حمادة في الجزء الأول من كتابه (تاريخ الشيعة في لبنان) والكتاب في مجلدين كبيرين، أو أورد الرواية التي كانت الحرب بسببها كما أوردها بعض المؤرخين وجاء فيها بعنوان:
عاشراء كسروان
«في مستهل القرن الرابع عشر، وبعد سلسلة من الحملات العسكرية، شن المماليك الغارة الأخيرة والحاسمة على أهل كسروان بعد أن “كثروا وطغوا، واشتدت شوكتهم وامتدوا إلى أدى العسكر عند انهزامه، من التتر، في سنة تسع وتسعين وستماية، وتراخى الأمر عنهم، وتمادى وحصل إغفال أمرهم، فزاروا طغيانهم، وأظهروا الخروج عن الطاعة، واعتزلوا بجبالهم المنيعة، وجموعهم الكثيرة، وأنه لا يمكن الدخول إليهم، فاجتمعت عليهم العساكر 50.000، مقاتل. واحتوت على جبالهم، ووطئت أرضا لم يكن أهلها يظنون أن أحدا يطأها. وقطعت كرومهم، وخرجت بيوتهم، وقتل منهم خلق كثير، وتمزقوا في البلاد، واختفى بعضهم واضمحل أمرهم، وخمل ذكرهم، وجعل الناظر في بلاد بعلبك وجبال الكسروانية بهاء الدين قراقوش، فأخلا من كان تأخر في جبال كسروان، وقتل من أعيانهم جماعة، ثم أعطوا أمانا لمن استقر في غير كسروان». (ص:33)
ويعلق على هذه الرواية بقوله:
غموض وتناقض
أثارت هذه الحملات الكثير من الغموض والتناقض والالتباس لدى المؤرخين، ولا تزال مدار جدل وتأويلات بين الباحثين المحدثين، إن من حيث طبيعتها أو من حيث المدى الجغرافي الذي بلغته، وعلى الأخص من حيث هوية الذين استهدفتهم.
تسبق هذه الحملات من حيث هي حدث تاريخي، العصر الذي نؤرخ له زمنيا، ولكن تأثيرها في الأوضاع الجغرافية والسكانية، وتنقل الطوائف، امتد إلى ما بعد ذلك».
وليدلك على أن سكان هذا الجبل شيعة اثني عشرية وليس غيرهم يقول (حمادة):
دوافع القتال
«يورد الشيخ ابن عبد الهادي سببين لقيام هذه الحملة “المقدسة”:
«أولا: كون أهل هذا الجبل بغاة رافضة سبابة.
ثانيا: إن جبل الصالحية لما استولت الرافضة عليه، عند استيلاء الطاغية قازان، أشار بعض كبارهم بنهب الجبل وسبي أهله وقتلهم، وتجريف مساكنهم انتقاما منهم لكونهم سنية، وسماهم ذلك المشير “نواصب” فكوفئ الرافضة بمثل ذلك، بإشارة كبير من كبراء أهل السنة وزنا بوزن جزاء على يد ولي الأمر وجيوش الإسلام.» (ص:36).
وينهي حمادة مناقشته للموضوع وهو يدلك على أن الشيعة الاثني عشرية هم المعنون بقوله:
أمور عبادية خاصة
«يعدد الإمام (ابن تيمية) في رسالته بعض الأمور العبادية والفقهية والاعتقادية التي تخالف مذهب أهل السنة وأهمها:
المسح على الخفين –جواز زواج المتعة –تحريم الفقاع – ما ينسب إليهم من سب بعض الصحابة– انتظار ظهور المهدي ويقول:
إن هذه المسائل الخمس، تختص باعتقادات الشيعة الأمامية وحدهم، دون أن يشاركهم فيها أحد من أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى، كانت ولا تزال من الأمور المشهورة عنهم.» (ص:40)
متاهات الفوضى والشقاق
وهكذا يتضح أن أمر الطوائف والمذاهب في الشرق يلفه الغموض ويتداخل الأمر فيما بينهم مما يصعب معه الحكم على هذا أو ذاك وفق ما يدعى وما يقال ولذلك فإن استحضار هذه الخلافات والنزاعات في الوقت الحاضر وأمام ما عرفه العالم من تطورات حضارية وفكرية وما يعرفه العالم الإسلامي من مشاكل معقدة، وتحديات كثيرة ومتنوعة إنما يدخل بالأمة والشعوب العربية والإسلامية في متاهات الفوضى والشقاق والتقاتل مع ما ينتج عن ذلك من المآسي والآلام ما أغنى الأمة عن تجرع مرارتها إذ الوقت وقت بناء وتتمية ولا وقت إهدار الوقت وتدمير الدول وسفك دماء الشعوب ,إن الرجوع إلى تراث ابن تيمية وتفحصه بدقة واستحضار ظروف كل فتوى أو رأي لا يخدم سفك الدماء وقتل الأنفس البريئة إن توظيف اجتهادات ابن تيمية كان يمكن أن تكون في خدمة العدل والكرامة وصيانة الحقوق ووحدة الأمة وتضامنها وتماسكها. وهذا ما سنحاول إبرازه فيما بقي من الكلام حول الشيخ وآرائه السياسية والاجتماعية.

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا