هل تمتلك قيادة قطر خيارات أخرى؟

هل تمتلك قيادة قطر خيارات أخرى؟

هل تمتلك قيادة قطر خيارات أخرى؟

سالم الكتبي

  • بقلم// الدكتور سالم الكتبي

تابعت الكثير مما ينشره في وسائل الاعلام المختلفة في الأيام الأخيرة، في تحليل الخيارات الاستراتيجية المطروحة أمام القيادة في دولة قطر في التعامل مع قرارات “الحزم”التي اتخذتها نحو سبعة دول عربية وإسلامية بقيادة المملكة العربية السعودية لإنهاء العبث القطري بالأمن الإقليمي؛ حيث يضع هؤلاء سيناريوهات عدة مطروحة أمام السلطات القطرية للتخلص من مأزق العزلة الخانقة التي فرضت عليها في الأيام الأخيرة.

من هذه السيناريوهات المنشورة وجدت أن بعضها ينطلق من أن القيادة القطرية تمتلك هامشاً للمناورة يتيح لها البحث عن خيارات للمضي في المسار الذي اختارته لنفسها.

وحتى نفهم موقف القيادة القطرية علينا أن ندقق النظر في الاعتبارات الاستراتيجية والجيوسياسية والاقتصادية، وأن نفحص جيداً شبكة العلاقات الإقليمية والدولية لقطر من ناحية، ودول “الحزم”من ناحية ثانية. وجردة الحساب الاستراتيجية هذه في مجملها تختصر المسافات أمام القيادة القطرية، وتضع خياراً واحداً لا مناص عنه أمامها، وهو القبول بالعيش وفق المنظومة القيمية والأخلاقية الناظمة للعلاقات بين دول مجلس التعاون وشعوبها، واحترام القوانين والأعراف الدولية، ولاسيما في ما يتعلق باحترام التزامات الدول وتعهداتها، سواء في ما يتعلق بالحملة الدولية ضد الإرهاب وحرمان هذا السرطان البغيض من أي شكل من اشكال الدعم، الإعلامي أو المالي أو العسكري، أو استقبال رموز الإرهاب وقادته وايوائهم.

علينا أن نعترف أن سلوك القيادة القطرية على مدى العقدين الماضيين، وتحديداً من عام 1996، وبداية النزوع القطري نحو لعب دور المشاغب الإقليمي، كان هذا السلوك ولا يزال غير محكوم بنظرة عقلانية ولا يخضع لأي منطق استراتيجي، فقطر التي تريد الجمع بين المتناقضات، وخداع الأطراف جميعها، تعرف أن هذا الدور لا يصب في مصلحة الشعب القطري، المسالم، الذي لا يريد بالتأكيد كل هذا الضجيج الناتج عن سياسات قيادته، كما لا يريد تحويل بلاده إلى “مخيم”كبير لاستقبال الفارين والمنبوذين والملاحقين والإرهابيين والمطرودين من كل الدول العربية والإسلامية!!

سياسة خرقاء تجلب أعباء وتكلفة سياسة باهظة، رغم أن القيادة القطرية ترى فيها مكاسب ربما لا يراها سواها، فضلاً عمن يبيعون لها هذه الأوهام من أمثال عزمي بشارة والقرضاوي وغيرهم!!

الحقيقة أن القيادة القطرية لم يعد لديها سوى خيار عقلاني واحد، إن أرادت بالفعل انهاء هذه الأزمة بأقل الخسائر الممكنة، وهو الاستماع لصوت العقل، والاستجابة، ولا أقول الإذعان، لمطالب الدول التي قطعت العلاقات معها، فليس من المنطقي أن يكون “تميم”ورفاقه على صواب وكل هؤلاء القادة بما عرف عنهم من حكمة وهدوء وخبرات، على خطأ!!

تدرك القيادة القطرية تماماً أن السعودية والامارات والبحرين ومصر لجأوا إلى آخر العلاج في التعامل مع المراهقة السياسية المزمنة التي أصيبت بها القيادة القطرية من منتصف تسعينيات القرن العشرين، وآخر العلاج الكي، كما يقولون، وهو علاج مؤلم، لأن قادة هذه الدول لم يتصوروا يوما ما أن يصدروا قرارات تمنع الأخوة القطريين من دخول بلادهم، ولا إغلاق مجالهم الجوي أمام الطيران القطري، فهذه قرارات قاسية وموجعة لقطر، ولكن لم يكن هناك بد منها، بعد أن بلغ الاستهتار وتجاهل النصائح منتهاه من جانب القيادة القطرية، ووصل بها الغرور والغطرسة حداً أقنعها بأن “الجزيرة”تحول دون حدوث أي وقفة حساب جادة من جانب الأشقاء!!

ستدفع قطر الكثير من استثماراتها المالية مقابل هذه الرعونة السياسية، ولكنها ستدفع ما هو أكثر من سمعة البلاد ومستقبلها، فالخسائر لا تقتصر على قطاع معين، بل تطال جميع القطاعات في قطر، لاسيما ملف تنظيم بطولة كأس العالم 2022، الذي انفقت قطر عليه عشرات المليارات من الدولارات حتى الآن، وبات مهدداً بالفعل حتى وإن ظهر مخرج ما من الأزمة الراهنة، فالعالم أجمع قد عرف بالدليل والبرهان الوجه الآخر لقطر، وتأكد من أنها ليست داعية للحرية والديمقراطية كما تزعم “جزيرتها” الإنجليزية والعربية، بل راعية خفية للإرهاب وتنظيماته بشتى أطيافها، السنية والشيعية على حد سواء!!

علينا أن نفهم أن هذه الأزمة هي الأسوأ في تاريخ الدول القطرية منذ تأسيسها عام 1971، وقد اتضح للجميع أن القيادة القطرية لا تستطيع التعامل مع أزمات كبرى، وأن الإعلام والضجيج الذي يحدثه لا يستطيع التعامل مع مثل هذه المواقف أو صد تأثيراتها الهائلة، واكتشفت القيادة القطرية ذاتها أن كل من جمعتهم حولها من شراذم الإرهابيين والشاردين والمطرودين قد اختفوا في لحظة، وانشغل كل منهم بالبحث عن مأوى جديد، أو ترتيب أوضاعه تحسباً لأي مفاجآت، فيما تركوا الأمير قليل الخبرة عديم الحيلة في زاوية اختار بنفسه أن يحشر فيها بعد رفض مجالس إخوانه من قادة دول المنطقة، وتمرد على مواقفهم، وادعى الحكمة ونزع إلى شق دروب سرية لعلها تقوده إلى مجد زائف يبتغيه ونفوذ لا أساس واقعي له!!

نعم، خسر الشعب القطري سكون حياته وهدوئها بسبب هذه العاصفة، ولكننا نثق جميعاً في أن الأخوة القطريين يدركون في داخلهم ما فعلته قيادتهم بهم، ونحن من جانبنا نثق في قوة ومتانة ما يربطنا من علاقات أخوة ونسب وقربى مع الشعب القطري.

لا خيارات استراتيجية كثيرة أمام القيادة القطرية إن أرادت الحفاظ على وجودها ومناصبها، والعلاج معروف، وعليها أن تستلهم الدرس من أصدقائها ملالي قم، وتستجيب لصوت العقل والحكمة حتى وإن أوهمها المحرضون ودعاة الفتنة القاطنين في فنادق الدوحة وخارجها أنه سم زعاف!!

هل تمتلك قيادة قطر خيارات أخرى؟


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا