هل تقترب الحرب الدولية في بلاد الشام من فصلها الأخير؟ خيارات واشنطن تتقلص ومعها مخطط الشرق الأوسط الجديد

هل تقترب الحرب الدولية في بلاد الشام من فصلها الأخير؟

خيارات واشنطن تتقلص ومعها مخطط الشرق الأوسط الجديد

عمر نجيب

  • بقلم // عمر نجيب

مع بداية شهر يوليو 2017 تتأرجح الحرب الدولية الدائرة على أرض الشام منذ مارس 2011 ما بين مواجهة عسكرية مباشرة روسية أمريكية بسبب إصرار بعض أصحاب القرار في البيت الأبيض الأمريكي على منع الجيش السوري من تحقيق مزيد من الإنتصارات على مختلف الجماعات المسلحة المعادية له، أو تسليم عملي من جانب واشنطن بأنها خسرت مشروعها في سوريا. المعطيات المتوفرة مرحليا لا تسمح حاليا بالجزم بشأن مسار الصراع، وتترك المحللين منقسمين.

واشنطن تنتقل في فترات متقاربة بين سلوك ولهجة التصعيد ضد دمشق، وبين التأكيد على رغبتها في عدم التورط بشكل أكبر في الحرب الدائرة. وبموازاة مع السلوكات الأمريكية تتذبذب مواقف تركيا وإسرائيل والأطراف الأخرى التي لها وكلاء ومليشيات على أرض الشام.

حيرة وتردد

 نهاية شهر يونيو 2017 نشرت صحيفة “فزغلياد” الروسية مقالا لمارينا بالتاتشيفا ونيكيتا كوفالينكو، يشيران فيه إلى أن الولايات المتحدة تعد استفزازا جديدا، يكون مبررا لإنزال ضربة عسكرية بالغة الخطورة بسوريا كفيلة بتبديل موازين القوى.

ويعتمد الكاتبان في تقييمهما على تصريحات البيت الأبيض الأخيرة، التي تتهم الحكومة السورية بالتحضير لاستخدام الأسلحة الكيميائية، الأمر الذي سيؤدي إلى “موت جماعي للمدنيين، بمن فيهم “الأطفال الأبرياء”، وبـأن “الرئيس بشار الأسد وقواته المسلحة سيدفعان ثمنا باهظا” في حال استخدام السلاح الكيميائي.

وتذكر الصحيفة أنه وعلى الرغم من تحذير وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في اتصال هاتفي بنظيره الأمريكي تيلرسون من “عدم إمكان القبول بالاستفزازات ضد الجيش السوري”، فإن تهديدات المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر بشأن “السيناريو الكيميائي”، في اليوم التالي من المحادثة الهاتفية بين الوزيرين، تشير إلى وجود نوايا أخرى لدى الإدارة الأمريكية لتحويل الحكومة السورية إلى عدو “مشروع”.

ويعرب الصحافيان عن القلق البالغ إزاء الاتهامات الحالية للحكومة السورية، ويذكران بالضربة الصاروخية، التي وجهها الأمريكيون في أبريل 2017 إلى قاعدة الشعيرات الجوية بسبب اتهام دمشق بهجوم خان شيخون الكيميائي، من دون أي إثبات يشير إلى ضلوعها في ذلك. هذا، على الرغم من أن وسائل الإعلام الغربية سرعان ما برهنت إثر ذلك على أن الحكومة السورية كانت بريئة من هذا الاتهام، وأن الرئيس دونالد ترامب كان يعلم بذلك مسبقا.

وتورد الصحيفة ما صرح به النائب الأول لرئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد الروسي فرانتس كلينتسيفيتش من أن الولايات المتحدة “تعد لتوجيه ضربة بالغة الخطورة إلى سوريا”، وأن واشنطن وصلت إلى المرحلة النهائية من مسعاها لإزاحة الأسد وحكومته، “لتبدأ بعدها محاولة تقطيع أوصال سوريا”، كما نقلت الصحيفة عن السيناتور الروسي.

إلى ذلك، تورد الصحيفة رأي سيناتور روسي آخر، وهو عضو لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد أوليغ موروزوف، الذي رأى في ما يحدث “جزءا من الحرب الإعلامية، وأداة ضغط علينا وعلى الأسد ومحاولة مقصودة لإعلانه مذنبا في كل المصائب، التي تعاني منها سوريا”، – كما قال موروزوف.

وتقول الصحيفة إن الخبراء يشاطرون موروزوف موقفه هذا، حيث يقول الباحث العلمي الأقدم في معهد الاستشراق التابع للأكاديمية الروسية للعلوم فلاديمير سوتنيكوف إن “النجاحات العسكرية لجيش الجمهورية العربية السورية في الحرب، سواء ضد مجموعات المعارضة المسلحة أو ضد مسلحي تنظيم “داعش”، لا ترضي الدوائر الأمريكية التي يسترشد بها ترامب”.

ويضيف المستشرق أن موقف الأمريكيين إزاء وجود الرئيس الأسد على رأس السلطة في بلاده، “لم يطرأ عليه تغيير، وهم لا يرغبون برؤيته في السلطة”.

يجب القول إن السيناتور كلينتسيفيتش يرى أن الأهداف، التي تكمن وراء هذه الممارسات الأمريكية، هي “حماية المختصين الأمريكيين الموجودين هناك، وإضعاف الجاهزية القتالية للقوات المسلحة السورية بشكل حاد، وفي الوقت نفسه جس نبض روسيا ورد فعلها على ذلك”.

وختمت الصحيفة بالقول إن مثل هذا التطور للأحداث سيكون سلبيا بالنسبة إلى روسيا، بحسب فرانتس كلينتسيفيتش: “لأننا في كل الأحوال، سنكون مذنبين في كل شيء”. ويضيف عضو مجلس الاتحاد: “لم يبق سوى القليل من الوقت لوقوع الاستفزاز المباشر، حينئذ سيكون علينا الرد مهما كلف الأمر، والتكشير عن أنيابنا”، كما صرح النائب الأول لرئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد الروسي فرانتس كلينتسيفيتش.

ترامب تجاهل تحذير الاستخبارات

  في داخل الولايات المتحدة يتصارع تياران حول ما يجب عمله على الساحة السورية خاصة لما سيشكله نوع الخيار على مستقبل السياسة الأمريكية في جزء كبير من المنطقة العربية.

يوم 27 يونيو 2017 قال الكاتب الأمريكي الشهير سيمور هيرش إن الاستخبارات الأمريكية لم يكن لديها أدلة على أن الحكومة السورية في دمشق تقف خلف الهجوم الكيميائي على خان شيخون في  أبريل 2017.

وفي مقال له في صحيفة “دي فيلت” الألمانية، أكد هيرش أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أذن بإطلاق صواريخ توماهوك على قاعدة الشعيرات في ريف حمص التابعة للجيش السوري على الرغم من تحذير الاستخبارات الأمريكية من أنها لم تجد دليلا على أن دمشق استخدمت سلاحا كيميائيا.

وبحسب هيرش، فإن المعلومات المتوفرة لدى الأمريكيين حينها هي أن الجيش السوري استهدف موقعاً للمسلّحين في 4 أبريل 2017، وذلك باستخدام قنبلة موجهة من قبل الجيش الروسي مزودة بمتفجرات تقليدية، وقد تمّ تزويد التحالف الغربي بتفاصيل الهجوم من قبل الروس.

ولفت هيرش إلى أن بعض المسؤولين العسكريين الأمريكيين كان يشعرون بالأسى الشديد من تصميم ترامب على تجاهل الأدلة.

وينقل الكاتب قول أحد كبار الموظفين في الإدارة الأمريكية لزملائه عندما علم بقرار القصف “لا شيء من هذا منطقي .. نحن نعلم أنه لم يكن هناك هجوم كيميائي .. الروس غاضبون”.

ويشير هيرش إلى أنه في غضون ساعات من الهجوم على خان شيخون، اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي بصور الضحايا، صور مصدرها نشطاء محلّيون، على رأسهم منظمة “الخوذ البيضاء”، وهي مجموعة معروفة بصلتها بالمعارضة السورية المسلحة وخاصة جماعة الإخوان.

ويقول هيرش “في سلسلة من المقابلات، علمت أن هناك اختلافا كاملا بين الرئيس ترامب والعديد من مستشاريه العسكريين ومسؤولي الاستخبارات، فضلا عن ضباط ميدانيين في المنطقة لديهم فهم مختلف تماما لطبيعة الهجوم السوري على خان شيخون.. وقدمت لي أدلة على هذا الاختلاف، على شكل نصوص من الاتصالات بعد الهجوم مباشرة”.

اللعبة انتهت

 يوم 21 يونيو 2017 وفي تصريحات أثارت حالة من الجدل، وكشفت قواعد اللعبة في سوريا، أكد روبرت فورد، آخر سفير أمريكي في العاصمة السورية دمشق، أن الجميع كان يعتقد أن الحرب ستكون قاسية على الحكومة السورية.

وكشف فورد أنه ارتكب ما وصفه بأكبر خطأ في حياته، حين ظن نهاية عام 2013 أن المسؤولين السوريين “بعضهم سيطلبون عفوا ويذهبون إلى الجزائر أو روسيا أو كوبا وستكون هناك حكومة ائتلافية تضم ربما رئيس مكتب الأمن القومي علي مملوك أو رئيس المخابرات العامة محمد ديب زيتون تحت قيادة شخص مثل نائب الرئيس السابق فاروق الشرع مع المعارضة والمستقلين”. وتكون هناك حكومة ائتلافية، لأن الجيش السوري سيكون ضعيفا آنذاك.

وأضاف فورد في حوار صحفي، إن ما حدث هو العكس تماما، “لأننا الولايات المتحدة الأمريكية لم نتوقع أن يرسل حزب الله آلاف المقاتلين لأجل الأسد”.

وأضاف روبرت فورد، “في بداية 2013، توقعت ذهاب الأسد، ثم حصلت معركة القصير ودخل حزب الله بشكل كبير وغير دينامية الحرب.

وقال فورد، “الذي لم نكن نتوقعه، في 2014 و2015 المزيد من الإيرانيين والعراقيين والأفغان وحزب الله، ثم روسيا ترسل قواتها الجوية، لقد ارتكبت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد باراك أوباما خطأ جسيما”.

أما عن الأكراد السوريين فقد رسم السفير الأمريكي السابق في دمشق صورة قاتمة لمستقبل علاقتهم مع بلاده، إذ وافق على أن واشنطن تستخدمهم فقط لتحرير مدينة الرقة، مضيفا “أعتقد أن ما نقوم به مع الأكراد ليس فقط غباء سياسيا، بل غير أخلاقي. الأمريكيون استخدموا الأكراد لسنوات طويلة خلال حكم صدام حسين. هل تعتقد أن الأمريكيين سيعاملون الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب بشكل مختلف عن هنري كيسنغر مع الأكراد العراقيين عندما تخلى عنهم. بصراحة، مسؤولون أمريكيون قالوا لي ذلك. الأكراد السوريون يقومون بأكبر خطأ في وضع ثقتهم بالأمريكيين”.

وأضاف: “الأسد ربح، إنه منتصر، وسوف يبسط نفوذه على كل البلاد عاجلا أم أجلا، فالقضية أصبحت مسألة وقت”.

وأشار إلى أن روسيا انتصرت على الولايات المتحدة زمن أوباما، وقال إن وزير الخارجية الروسي لافروف كان يعامل كيري كطفل.

وبخصوص الهدف النهائي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال روبرت فورد إن الرئيس ترامب يريد تقليص النفوذ الإيراني، لكنه لا يعرف أن اللعبة انتهت”.

واختتم بقوله: “إنهم تأخرو كثيرا، وأوباما لم يترك لإدارة ترامب الكثير من الخيارات لتحقيق هدفها”.

يذكر أن فورد غادر دمشق عام 2012، لكنه ظل مبعوث أمريكا إلى سوريا حتى استقال عام 2014، وأصبح باحثا في “مركز الشرق الوسط” للأبحاث في واشنطن.

إسرائيل وأمريكا

  بغض النظر عن وجهة النظر التي ستكون لها الأولوية في سياسة البيت الأبيض، قدر مراقبون أن هناك شبه إجماع في دوائر صنع القرار بالولايات المتحدة وبالطبع إسرائيل على أنه يجب منع الجيش السوري وحليفه حزب الله من العودة إلى الجزء الذي حرره الجيش السوري من هضبة الجولان خلال حرب أكتوبر 1973 والبالغ مساحته 510 كيلومترات مربعة، والذي يوجد تحت سيطرة خليط من المليشيات المسلحة التي تحصل على دعم عسكري ومادي واسع من جانب أطراف خليجية وكذلك من جانب إسرائيل التي تبقي على إحتلال 1200 كيلومتر مربع من الهضبة السورية.

بداية شهر يوليو 2017 دخلت دمشق وبدعم من موسكو في تحد مع هذا الخط الأحمر، حيث يشن الجيش السوري هجومه الثاني في منطقة درعا والذي يرى المراقبون انه ينبغي ان يحسم المعركة بعد اسبوع من فشل الهجوم الأول خاصة نتيجة تدخل الطيران والجيش الصهيوني المتكرر تحت غطاء الرد على سقوط قذائف سورية على مواقع إسرائيلية.

في غضون ذلك أكد وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أن الجيش السوري يحقق نجاحات عسكرية مهمة جنوبي سوريا قرب الحدود مع الأردن وخطوط الجولان، وفي محيط مدينة تدمر، وفي ريف حلب الشمالي الشرقي.

وأوضح في كلمة له خلال اجتماع بوزارة الدفاع الروسية، أن الجيش السوري يتقدم بوتائر سريعة بمحاذاة الحدود السورية الأردنية، فيما يبقى نظام وقف إطلاق النار صامدا مع استمرار عملية المصالحة.

وأوضح الوزير الروسي حسب تقارير وكالات ابناء أن القوات الحكومية في سوريا نجحت في يونيو في بسط سيطرتها على أراض تتجاوز مساحتها 12 ألف كيلومتر مربع، بما في ذلك 69 بلدة، مشيرا في هذا الخصوص إلى أهمية الدعم الجوي الروسي للعمليات البرية السورية ضد الإرهابيين.

وأوضح أن عملية المصالحة في سوريا مستمرة، إذ انضمت إلى نظام وقف إطلاق النار حتى الآن 228 فصيلا من فصائل المعارضة المسلحة، فيما وقع ممثلو 329 بلدة سورية على اتفاقات حول الانضمام إلى الهدنة، ليبلغ العدد الإجمالي للبلدات التي يشملها نظام وقف إطلاق النار 1864.

فشل استراتيجية

 جاء في تقرير نشر في العاصمة اللبنانية بيروت فاتح شهر يوليو 2017:

تختصر التطورات الحالية على جبهات الجنوب السوري مسارات الحرب، السياسية والميدانية، والصراع المحتدم على مناطق النفوذ بين غالبية القوى المنخرطة في الصراع على الأرض السورية.

وليس خافيا أن الانخراط العسكري الأمريكي المباشر في الجنوب ووجود مستشارين أمريكيين وبريطانيين على الحدود السورية الأردنية، زاد المشهد تعقيدا، من دون أن يغير في موازين القوى، ولا سيما بعد النجاح الذي حققته قوات الجيش السوري وحلفائه، بالالتفاف حول الخطوط الأمريكية “الحمراء” التي رسمتها واشنطن في منطقة التنف في المثلث الأردني السوري العراقي، وتمكن القوات من الوصول إلى الحدود العراقية، تحت أعين أجهزة الرصد والتعقب الأمريكية. وبدا التسليم الأمريكي بوجود الجيش وحلفائه على الحدود العراقية، مؤشرا على خضوع واشنطن للأمر الواقع، والقبول بالجيش وحلفائه شركاء في “مكافحة الإرهاب”. إلّا أن هذا التسليم، بقدر ما يطمئن السوريين يقلقهم، من احتمالات “الجنون” الأمريكي باستهدافات جديدة لمواقع أو مطارات، بعد أن فقدت واشنطن دور اليد الطولى في تحديد مسارات الحرب، أمام الدور الروسي الكبير وعناد حزب الله واندفاعة الجيش للسيطرة على مساحات هائلة من جغرافيا البادية.

مرحلة تقليم الحصص

 ويدور على أرض الجنوب، من البادية الشرقية إلى السويداء ودرعا والقنيطرة، صراع ميداني سياسي كبير، يرسم معه مستقبل التسوية السياسية والحرب على تنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة”. فضلا عن احتمالات انتشار قوات روسية على نطاق واسع في الجنوب والجولان، لرعاية التسوية السورية في “مناطق تخفيف النزاع”، ومستقبلا لبحث مسألة الاحتلال الإسرائيلي للجولان.

ويصف مصدر أمني سوري رفيع المستوى المرحلة الحالية في الجنوب “بمرحلة تقليم الحصص وإسقاط مشروع التقسيم، مؤكدا أن “صمود الجيش وحاضنته الشعبية خصوصا في المناطق التي تخضع لسيطرة الجماعات المسلحة، منع توسع سيطرة المسلحين وأجبر الدول الداعمة للإرهاب على التراجع خطوات إلى الخلف، والبحث عن مخارج لإعادة التواصل مع الدولة السورية”.

على مدى السنوات الماضية، فشلت الدول المعادية لسوريا في توحيد فصائل الجنوب ضمن مشروع موحد. فتعدد مصادر التمويل بين أطراف خليجية وغرفة “الموك” ثم دخول “البنتاغون” والـمخابرات المركزية لاحقا على خط التمويل وصولا إلى الدور الاسرائيلي، ثم توسع نفوذ “جبهة النصرة”، قلص إمكانية قيام مشروع موحد تقاتل الفصائل المسلحة تحته. وبينما كانت غرف العمليات تجمع الفصائل على قتال الجيش السوري، كانت الفصائل تعود للتقاتل ما إن تخفت حدة المعارك مع الجيش، على النفوذ وتوزيع الغنائم وتقاذف تهم التخاذل وتحميل مسؤوليات الفشل. وهذا التخبط، الذي ساد طوال السنوات الماضية، بات اليوم أزمة مستفحلة بالنسبة إلى الدول الراعية للمسلحين في الجنوب، بحيث فشل أكثر من 50 فصيلا في تقديم نموذج يصلح لخلافة دور “النصرة” العسكري في الجنوب، كما لتنظيم “داعش” الذي يسيطر على منطقة حوض اليرموك، تحت مسمى “جيش خالد بن الوليد”، وتاليا في تكوين جهة سياسية وازنة يمكن أن تمثل شريكاً للدولة السورية لتحقيق تسوية سياسية.

وأخيرا، في ظل انكفاء هذه الميليشيات أمام تقدم الجيش في البادية، على الرغم من الغطاء الجوي الأمريكي، الذي استهدف الجيش وحلفاءه بغارات جوية ثلاث مرات دعما لهذه الميليشيات. ويمكن القول إن واشنطن وحلفاءها فشلوا أيضا في استمالة العشائر البدوية القاطنة في بادية السويداء الشرقية، وبينما كان يعول على دورها في قتال “داعش” وفرض أمر واقع على الجيش في السيطرة على البادية الشرقية، تبين لواشنطن عمق العلاقة التي تربط العشائر بالدولة السورية، وصعوبة تأليبها عليها، ما أفقد حلفاء واشنطن عنصرا ميدانيا وشعبيا مهما في لعبة النفوذ في البادية. كذلك يجري الحديث اليوم في الأوساط العسكرية السورية، عن خطة جديدة للجيش لتضييق الخناق أكثر على جماعات “جيش ثوار العشائر” و”أسود الشرقية”، عبر عملية عسكرية ثلاثية الأضلع من شرق السويداء ومنطقة بئر القصب باتجاه اللسان الذي تسيطر عليه هذه الجماعات.

تحريض إسرائيلي

 وفيما كانت بعض الأطراف تهدد قبل نحو شهرين بتدخل مباشر في الجنوب السوري وفي حوض اليرموك والحديث عن مد نفوذها صوب السويداء، بعد تحريض إسرائيلي حثيث بحجة منع وجود إيران وحزب الله في الجنوب، سقطت الذرائع الإسرائيلية أمام فشل المسلحين في تحقيق القوة المطلوبة للتدخل. وانتقل الأردن بوساطة روسية إلى التعبير عن رغبته في عودة سيطرة الجيش السوري على معبر نصيب الحدودي بين البلدين لإعادة وصل شريان اقتصادي بري شديد الأهمية بالنسبة إلى الأردن، ولا سيما خلال اللقاءات المستمرة بين المستشارين الروس والأردنيين وبين الروس وبعض فصائل المعارضة المسلحة في عمان منذ أسابيع. إلّا أن مسألة التدخل الأمريكي في حوض اليرموك، تبقى رهناً بالإرادة السياسية الأمريكية، في ظل التهديدات المستمرة لسوريا، والانقسام الكبير داخل الإدارة الأمريكية الحالية تجاه التعامل مع الجيش السوري، ومخاطر الانخراط المباشر في الجنوب لتحقيق منطقة نفوذ أمريكية مباشرة.

وقبل أيام، فتحت “النصرة” معركة ضد الجيش السوري في مدينة البعث في القنيطرة بهدف السيطرة على المدينة، وتاليا مدينة خان أرنبة، وهما المدينتان اللتان تضمان العدد الأكبر من القاطنين في القنيطرة قرب حدود الجولان المحتل. وعلى الرغم من مشاغلة الجيش في المعركتين، إلّا أن أكثر من مصدر أكد أن الخسائر التي منيت بها “النصرة” خلال شهري أبريل ومايو 2017 وفي معركة مدينة البعث، أثّرت إلى حد كبير في قدرتها على خوض معارك مستقبلية، خصوصا في ظل القتال على أكثر من جبهة ضد الجيش وضد “داعش”. وبدت المعارك بالنسبة إلى أكثر من مصدر عسكري، “مهلكة” للتنظيم “القاعدي”، على غرار المعارك التي تورط بها في ريف حماه الشمالي، فيما بقيت الفصائل الأخرى على الحياد.

ولو نجح هجوم “النصرة” في إسقاط مدينة البعث، لكانت إسرائيل هي المستفيد الأول، بحيث تتوسع “المنطقة العازلة” الإسرائيلية على حدود الجولان المحتل، الممتدة من بيت جن على سفوح جبل الشيخ، وصولا إلى مدينة الرفيد في جنوب القنيطرة. إلا أن دفاعات الجيش السوري، التي نجحت في امتصاص اندفاعة المسلحين في حي المنشية، نجحت أيضا في امتصاص هجومات “النصرة” في مدينة البعث، مكبدة الأخيرة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. وتقول مصادر دبلوماسية إن “الهدف من فتح معركة مدينة البعث قبل أيام من مؤتمر أستانا وتثبيت مناطق تخفيف التوتر، هو تقديم أوراق اعتماد للمفاوضات من دول مشاركة في المؤتمر، ولقطع الطريق على عمليات الجيش السوري الذي كان يعد لاستعادة بعض الجيوب على حدود الجولان”.

وبدا لافتاً في الأسابيع الأخيرة، الحرص الإسرائيلي على الكشف عن علاقة الكيان مع الجماعات المسلحة في القنيطرة، في خطوة تتناسب مع علنية التنسيق الإسرائيلي مع أطراف أخرى بحجة مواجهة حزب الله، وانطلاق عجلة التطبيع العلنية، بالتوازي مع ارتفاع منسوب التواصل السياسي العلني لبعض شخصيات المعارضة السورية مع إسرائيل، واندفاعة إسرائيل إلى تظهير هذا التنسيق والتواصل.

بعد 6 سنوات على اندلاع الحرب السورية من محافظة درعا، تبدو الدولة السورية وحلفاؤها الجهة الوحيدة التي تملك استراتيجية واضحة لاستعادة سيطرتها على كامل الجنوب، مدعومة بأوراق قوة ميدانية وشعبية، في ظل غياب الاستراتيجية لدى الأطراف الأخرى، ولا سيما الإدارة الأمريكية الجديدة. وإن كانت الدولة السورية تقبل بالتسويات، إلّا أن أكثر من مصدر معني يؤكد أن “أي تسوية في الجنوب، لا يمكن أن تمر، إلّا إذا كانت تضمن إدارة الدولة لمناطق الجنوب لاحقاً، بمعزل عن شكل هذه الإدارة”

تمارين كسر العظام

 حتى بداية صيف سنة 2017 نجحت موسكو وواشنطن في تجنب مواجهة عسكرية مباشرة على الساحة السورية غير أن ذلك لم يمنع من وقوع تمارين لكسر العظام من حين لآخر. خلال الثلث الأخير من شهر يونيو 2017 تناقلت وسائل إعلام روسية وأمريكية نبأ اطلاق صاروخ من منطقة مدينة طرطوس السورية نحو البحر المتوسط.

ويشار إلى أن مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي من سكان مدينة طرطوس أعلنوا يوم الخميس 22 يونيو أنهم رأوا كيف أن صاروخا اندفع نحو البحر المتوسط.

ولم يتم إطلاق صاروخ هكذا بالصدفة. فقد أفادت معلومات غير مؤكدة  أن صاروخا روسيا أصاب إحدى طائرات التجسس الأمريكية بدون طيار طراز “ار كي غلوبال هوك”.

وقالت صحيفة “مير نوفوستيه” إنه ليس مستبعدا أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية حاولت بمساعدة تلك الطائرة، وهي طائرة  باهظة الثمن، فحص منظومات الدفاع الجوي الروسية الموجودة في ميناء طرطوس وفي قاعدة حميميم العسكرية بسوريا.

وأضافت الصحيفة: هي مصادفة عجيبة أن يبث في صباح 22 يونيو نبأ فقدان طائرة مماثلة فوق كاليفورنيا.

عملية تكسير العظام مست إسرائيل كذلك حيث أفادت مصادر رصد المانية أن شبكة الصواريخ الروسية في سوريا أصبحت تضع الطائرات الإسرائيلية التي تقترب من الجنوب السوري حتى ولو كانت فوق الفضاء الجوي شمال فلسطين المحتلة في مدى الإستهداف وهو ما جعل تل أبيب بدلا من أن تقصف المواقع السورية تحت غطاء سقوط قذائف منطلقة منها، تكتفي بتوجيه تحذيرات.

في نفس الوقت تحدثت مصادر رصد عن توجيه اجهزة المخابرات الأمريكية وأخرى متحالفة معها أوامر لبعض فصائل داعش أو تلك المتقاربة معها لتنضم إلى صفوف جبهة النصرة رغم ما يشاع عن الخلاف والصراع بين التنظيمين، وقد جاءت هذه التوجيهات في وقت اتهم فيها وزير الخارجية الروسي رسميا واشنطن بالتواطؤ مع التنظيم.

فيوم 16 يونيو طالب وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الإدارة الأمريكية بتقديم إجابات واضحة بشأن تعمدها استثناء مسلحي “جبهة النصرة”، هيئة تحرير الشام حاليا، من الضربات الجوية للتحالف الدولي في سوريا.

قال الوزير الروسي إن “الإدارة الأمريكية الجديدة مازالت تتبع نهج إدارة رئيسها السابق باراك أوباما، التي تعمدت تجنب توجيه ضربات لمقاتلي جبهة النصرة”.

وأضاف: “الموقف مقلق للغاية، فهو بمثابة لغز بالنسبة لنا، لأننا لا نملك له أي إجابات واضحة”.

وأوضح لافروف، أن موسكو كثيرا ما تطالب الإدارة الأمريكية بتوفير إجابات حول موقفها من “جبهة النصرة” تحديدا.

تركيا الحائرة بين موسكو وواشنطن

  على الجبهة الشمالية في سوريا يشير المراقبون أنه رغم تقلبات الموقف التركي، تدير موسكو بذكاء التعامل مع انقرة لتبعدها عن المعسكر الأمريكي مستفيدة من القلق التركي من دعم واشنطن للتنظيمات الكردية التي تسعى لإقامة دولة كردية على أجزاء من تركيا وسوريا والعراق وإيران.

في الوقت الذي يتقدم فيه الجيش السوري وحلفاؤه على تخوم محافظة دير الزور الجنوبية، غير بعيد عن مدينة البوكمال الحدودية، أطبقت قوات الأكراد حصارها على مدينة الرقة، ليصبح العد التنازلي لسقوط المدينة بيد “قوات سوريا الديموقراطية” أقرب إلى نهايته. وفيما أعلنت دمشق عزمها على المضي نحو دير الزور وباقي مدن وبلدات وادي الفرات، تبدو قوات “التحالف” أقل يقينا حول الدور الذي سيلعبه حلفاؤها في تلك المنطقة، خاصة أن التحرك التركي في محيط منطقة عفرين بدأ يستحوذ على اهتمام “وحدات حماية الشعب” الكردية، المكون الرئيسي لـ”قسد”.

القلق من انشغال الأكراد بالتهديد التركي بدا واضحا في كلام المتحدث باسم قوات “التحالف” ريان ديلون، خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي من بغداد. وكرر خلال رده على أسئلة صحافية، بشأن موقف واشنطن من التحرك التركي، أن هذا التحرك “مثير للقلق” في مناطق شرق الفرات وفي عفرين على حد سواء، لأنه “يشتت التركيز على عملية الرقة” التي تعد أولوية لقوات “التحالف”.

ويوم الأحد 2 يوليو 2017 التقى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو في إسطنبول.

وجرى اللقاء مغلقًا بين الجانبين في قصر “تارابيا”، بإسطنبول، وحضر اللقاء من الجانب التركي رئيس هيئة الأركان خلوصي أكار، والمتحدث باسم الرئاسة إبراهيم قالن.

والتقى اردوغان وزير الدفاع الروسي في اسطنبول، فيما يتصاعد التوتر على الحدود السورية بين الجيش التركي والمقاتلين الاكراد.

وكانت تركيا وروسيا على طرفي نقيض، إذ سعت أنقرة للاطاحة بالرئيس السوري بشار الاسد فيما موسكو هي حليفه الدولي الأبرز.

لكن التعاون بين البلدين شهد تطورا ملحوظا، مع رعايتهما مباحثات سلام في العاصمة الكازخستانية استانة.

وخلال الأيام القليلة الماضية، تبادل الجيش التركي وقوات حماية الشعب الكردية اطلاق نار باستمرار، وسط تكهنات بأن تركيا ستشن هجوما على القوات الكردية في عفرين.

وتصنف تركيا وحدات حماية الشعب الكردية منظمة ارهابية، وكذلك حزب العمال الكردستاني الذي يشن تمردا في تركيا منذ العام 1984.

وتسلح واشنطن وحدات حماية الشعب الكردية المنخرطة بقوة في العمليات المدعومة امريكيا في سوريا.

وذكرت صحيفة “صباح” التركية أن المعارضين السوريين الموالين لانقرة على أهبة الاستعداد لعمليات ضد وحدات حماية الشعب الكردية، مشيرة إلى أن روسيا يمكن أن توفر غطاء جويا.

وردا على سؤال حول احتمال شن عملية قرب عفرين، قال الناطق باسم الرئاسة التركية ابراهيم كالين يوم السبت أول يوليو “نقوم باتخاذ كل الاجراءات لحماية حدودنا وأمننا القومي”.

وأضاف أن تركيا سترد بقوة “فورا” على أي تهديد مصدره سوريا، سواء كان من تنظيم الدولة الإسلامية أو حزب العمال الكردستاني أو وحدات حماية الشعب الكردية.

وبعيدا عن الميدان، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باتصالين هاتفيين مع كل من نظيريه الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين. الاتصالات التي تأتي في وقت حساس تدفع فيه تركيا بقواتها على حدود عفرين، ركزت بشكل رئيسي على التطورات المتعلقة في تلك المنطقة ووجود “الوحدات” الكردية هناك. وفي موازاة ذلك، وبعد زيارة ليومين متتاليين، للمبعوث الرئاسي الأمريكي إلى “التحالف” بريت ماكغورك، إلى الطبقة وريف الرقة، وصل الأخير إلى أنقرة، في زيارة تهدف إلى تخفيف التوتر التركي مع “الوحدات” الكردية بغية منع حصول اصطدام تركي كردي على طول الحدود المشتركة.

وبالتوازي، نقلت وسائل إعلام كردية عن عدد من المسؤولين العسكريين الأكراد لغة عالية تجاه أنقرة، وصلت إلى حد الحديث عن خطط كردية للسيطرة على المنطقة الممتدة من أعزاز حتى جرابلس. وفي السياق ذاته، قال القائد العام لـ”الوحدات” الكردية في عفرين، محمود برخدان، إن “المخطط التركي في الشهباء سيؤثر على معركة الرقة، وسيؤثر على روسيا أيضا”، لافتا إلى أن “الشهباء وعفرين ليستا كجرابلس والباب، وأمر كهذا ستكون له تأثيرات خطيرة من الناحية السياسية والعسكرية على الدولة التركية”.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

شارك برأيك

إلغاء الرد