مواجهة تعدل الكثير من موازين القوى إقليميا وعالميا

مواجهة تعدل الكثير من موازين القوى إقليميا وعالميا..

بقلم // عمر نجيب

  يوم 9 أغسطس 2016 صرحت مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سمانثا باور إن حسم المعركة في مدينة حلب، ثاني أكبر المدن السورية، لن يكون سريعا، وذكرت أمام مجلس الأمن الذي التقى بطلب من دول غربية لمناقشة الوضع في حلب “كلما طال أمد القتال، كلما علق عدد أكبر من المدنيين في الوسط، وكلما دفعوا ثمنا اكبر”. وأضافت باور إن “القتال خلال الأيام القليلة الماضية يؤكد ما عرفناه منذ فترة طويلة جدا وهو أنه رغم القوة الكبيرة لنظام الرئيس السوري بشار وروسيا وحزب الله، فإن أيا من الطرفين لن يتمكن من تحقيق نصر سريع وحاسم في المعركة على حلب”.

 تصريحات باورز جاءت كما قيل في البيت الأبيض كأسلوب دبلوماسي هادئ لتوصيل رسالة إلى قادة موسكو بأن عليهم أن يدركوا أن تدخلهم لدعم الجيش السوري لن يكون مجزيا بل على العكس وأن هناك فرصة لحفظ ماء وجه الرئيس الروسي بوتين وإعطائه مخرجا، فالغرب لن يسمح له وبالتعاون مع دمشق بهزيمة الفصائل المسلحة وأن ما إنجز من تقدم لقوات الجيش السري منذ 30 سبتمبر 2015 سيمحى خلال فترة قصيرة وستغرق موسكو في المستنقع السوري. 

 في ذلك التوقيت كانت التقارير العسكرية الأمريكية تفيد أن الفصائل المسلحة المعادية لدمشق وبعد أن كسرت حصار الجيش السوري على شرق المدينة وإستعادت السيطرة على بعض الأحياء التي فقدتها وبعد أن عززت صفوفها بمسلحين جدد وأسلحة مررت عبر تركيا تسعى للسيطرة على كامل حلب، وأنه من المرجح أن تنجح في ذلك لأن جيش دمشق استنزف بشكل كبير.

 بموازاة مع صدور هذا التصريح أكد مسؤولون في باريس ولندن وواشنطن بشكل خاص أن موسكو ستواجه نكسة عسكرية في بلاد الشام مشابهة لتلك التي تكبدتها القوات السوفيتية خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي بعد تدخل دام عشر سنوات تقريبا في  مساندة حكومة كابل ضد معارضيها من الأفغان والتنظيمات الجهادية الأخرى التي ضمت عشرات الآلاف من العرب وغيرهم. وأن العد العكسي قد بدأ مرة أخرى بالنسبة لحكومة دمشق.

نهاية جلبة

 بعد أربعة أشهر من هذه الجلبة إنقلبت الأوضاع وأخذت غالبية التقارير العسكرية سواء الغربية أو الشرقية تتحدث عن قرب الحسم في كل المعركة المتعددة الأطراف التي تكاد تكمل سنتها السادسة، ولكن لصالح دمشق. وأفادت التقارير أن فقدان المجموعات المسلحة لشرق حلب سيقود إلى إنهيارها في كل الأراضي السورية.

   يوم الأحد 4 ديسمبر 2016 خلص المبعوث الأممي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا رغم إتهام كثير من المحللين له بالتحيز لإطروحات وزارة الخارجية الأمريكية، إلى أن شرق حلب قد يسقط في يد النظام بنهاية العام، وعبر عن أمنيته بتجنب ” معركة مروعة”، حسب وصفه.

 تصريحات دي ميستورا تزامنت مع ما كشفه وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن محادثات روسية أمريكية لضمان انسحاب كل المسلحين دون استثناء من شرق حلب، وهو ما اعتبرته الأطراف المعادية لحكومة سوريا تراجعا عما تم التوصل إليه في محادثاتها مع الروس برعاية تركية.

وكانت المفاوضات غير المباشرة التي جمعت المعارضة وروسيا في أنقرة قد تركزت حول نقاط أربع حسب ما يسمى بالمعارضة، التي قالت أن تصريحات لافروف ألغت كل شيء وأوصلت محادثات أنقرة إلى طريق مسدود.

بيد أن سقوط ما بين 60  و 70 في المئة من أحياء شرق حلب بيد قوات الجيش السوري وتمكن حوالي 90 ألف مدني من الفرار من مناطق سيطرة الفصائل المسلحة ولجوئها إلى غرب حلب حيث يسيطر الجيش، عوامل قد تدفع مقاتلي الفصائل للموافقة على الخروج من حلب وفق محللين، رغم تأكيدات قادة الوحدات المسلحة في شرق حلب أنهم لن يغادروا المدينة.

نقطة تحول

  نهاية شهر نوفمبر 2016 قال الاستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الجيوسياسية في الشرق الاوسط ماثيو غيدار، لوكالة فرانس برس، إن سيطرة النظام على حلب تشكل “احد اكبر انتصاراته، باعتبار انها من بين اولى المدن التي تمكنت القوى المسلحة من السيطرة عليها”.

ويضيف الاستاذ في جامعة باريس أن مدينة حلب “لها منزلة استثنائية تاريخية وسياسية وجيوسياسية”. ومنذ العام 2012، تشهد حلب التي كانت تعد العاصمة الاقتصادية للبلاد، معارك مستمرة بين قوات النظام التي تسيطر على الاحياء الغربية حيث يعيش مليون ونصف المليون شخص، والفصائل التي تسيطر على الاحياء الشرقية، حيث كان يعيش حتى الايام الاخيرة اكثر من 250 الف شخص، نزح عشرات الآلاف منهم.

ويرى الخبير في الشؤون السورية في معهد واشنطن للابحاث فابريس بالانش أن استعادة حلب “ستشكل نقطة تحول” في مسار الحرب في سوريا، اذ ستسمح للنظام “بترسيخ السيطرة على دمشق وحمص وحماة واللاذقية وحلب، أي المدن الخمس الكبرى”.

وقد تفتح السيطرة على مدينة حلب الطريق امام قوات الجيش لاستعادة محافظة ادلب التي يسيطر عليها وبشكل شبه كامل، ائتلاف فصائل اسلامية في مقدمها جبهة فتح الشام جبهة النصرة سابقا قبل فك ارتباطها المعلن مع تنظيم القاعدة.

ويقول مدير مركز دمشق للدراسات الاستراتيجية بسام ابو عبدالله إن “سيطرة الجيش بشكل كامل على شرق حلب ستقلب ميزان الصراع في سوريا”، موضحاً أن “الهدف ايصال الجماعات المسلحة إلى نموذج مشابه لحمص”، في إشارة إلى إجلاء مقاتلي الفصائل من حمص القديمة. ويرى أن “الخيارات المتبقية امام الجماعات المسلحة هي التسوية والترحيل إلى مناطق أخرى”.

وستضع السيطرة على حلب النظام في موقع قوة ليشق طريقه نحو الانتصار في الحرب التي تشهدها سوريا منذ 2011، والتي اوقعت اكثر من 300 الف قتيل وتسببت بنزوح ملايين الاشخاص.

وسيقتصر وجود فصائل المعارضة إلى جانب ادلب والرقة، على بعض المناطق في درعا جنوب التي كانت مهد بداية الأزمة ضد النظام السوري، وفي ريف دمشق حيث تراجعت الفصائل ايضا مع خسارة معقليها داريا ومعضمية الشام.

ويضيف غيدار “لن يشكل ذلك نهاية تلك المجموعات، لكن هزيمة في حلب ستعني انها لم تعد قادرة على ابقاء السكان في مناطق سيطرتها”.

اما بالانش فيقول إن خسارة حلب ستعني ان “المعارضة غير قادرة على تحقيق نجاح كبير على الصعيد العسكري” وان تطرح نفسها “كبديل” عن دمشق. ويضيف “حلب كانت تشكل الأمل الأخير للتمكن من إقامة منطقة قابلة للاستمرار” بالنسبة لفصائل المعارضة، لكن في حال أصبحت بيد النظام، “فإن هذا الحلم سيتبدد”.

وفي حال استعاد النظام حلب، سيكون النظام السوري امسك بمفاتيح مفاوضات السلام المحتملة بعد فشل ثلاث جولات حوار هذه السنة باشراف الامم المتحدة. ويقول غيدار “النظام سيكون في موقع قوة، ولن يكون لديه ميل كبير للرغبة في التفاوض”.

 ويشكل وصول دونالد ترامب الى البيت الابيض في يناير المقبل تغييرا محتملاً في الدبلوماسية الامريكية، يمكن ايضا ان يبدل المعطيات.

ويقول بالانش “نعلم ان لا رغبة كبرى لدى ترامب في التدخل في سوريا. واذا سقطت حلب، فلن يكون هناك داع بعد ذلك لدعم المعارضة السورية”.

أحدث الأسلحة

 مع بداية شهر ديسمبر 2016 أشار مراقبون أن أوساطا سياسية في واشنطن لا تريد الإعتراف بخسارة رهانها في بلاد الشام وتناضل لفرض رأيها، وهكذا أكدت صحيفة “المونيتور” أن “مجلس النواب الأمريكي أعطى الضوء الأخضر لترامب من أجل السماح بتزويد الفصائل المسلحة في بصواريخ مضادة للطيران”، موضحة أنه “سيتم السماح بتزويد الفصائل بصواريخ محمولة على الكتف والمعروفة باسم “مانباد” من دون تحديد طرازها”.

ولفتت الصحيفة إلى أن “نقل الأسلحة المضادة للطائرات إلى سوريا كان متاحاً بشكل ضمني، نظرا لعدم وجود قانون واضح يقضي بحظره، وأن السجال في مجلس النواب تركز، عمليا، حول التصريح بمرور مثل هذا النوع من الأسلحة أو حظره تماما، وانتصار الرأي الأول، بمثابة توصية سياسية مهمة لإدارة ترامب المقبلة”.

وأشارت إلى أن “مشروع القانون الجديد أثار امتعاض بعض ممثلي مجلس النواب الأمريكي، ممن حاولوا الدفع بقوة نحو فرض حظر معلن للأسلحة المضادة للطائرات، ولكن تمرير المشروع الجديد أصابهم بخيبة أمل”.

  مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين أكدت أن هناك حالة صدمة في الأوساط السياسية في البيت الأبيض وأن مسؤولين أمريكيين يكررون القول أن سقوط شرق حلب لا يعني نهاية الساعين لإحلال نظام جديد في بلاد الشام، وأن الرئيس الأمريكي الجديد سيعدل تطور الأحداث. مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني، قالت أن خروج المعارضة من حلب وإن أدى لسقوط المدينة بيد قوات النظام لن يؤدي إلى نهاية للحرب في سوريا.

نهاية اللعبة 

 كتب البروفيسور تيم أندرسون في موقع “انفورميشين كليرينغ هاوس” الأمريكي الذي يقدم نظرة غير تلك التي تفرضها وسائل الأعلام الأمريكية المسخرة من طرف المركب الصناعي العسكري المتحكم الفعلي في سياسة البيت الأبيض:

“أجبرت معركة حلب مجموعات تنظيم القاعدة على العودة إلى مواقعها السابقة، فالحرب بالوكالة المدفوعة من واشنطن على سوريا تنتقل إلى مراحلها النهائية، تحرير حلب سيكون بداية النهاية.

الخرائط الموجودة على الإنترنت مضللة، حتى قبل أن تدخل القوة الجوية الروسية في سبتمبر 2015 كانت الحكومة السورية تسيطر على 85 في المئة من المناطق المأهولة بالسكان في البلاد، ولكن استعادة حلب أمر بالغ الأهمية من أجل السيطرة السورية على خطوط الإمداد وتقليص وجود داعش في الشرق.

كانت المشكلة الرئيسية في سوريا دعم تركيا شبه المفتوح للجيوش الجهادية لعبور الحدود الشمالية التي تمتد على طول 800 كيلومتر والدعم الذي تمنحه تركيا ودول خليجية لتنظيم داعش والنصرة من الشرق. في الأشهر الـعشرة الماضية تقدم التحالف السوري بنجاح مرة أخرى على الجبهتين، ومنذ أسابيع، تبدو تركيا في حالة من الفوضى غارقة في مشاكلها الداخلية.

الجميع اتبع منطق القوى المهيمنة، ولكن لفهم المرحلة النهائية في هذه الحرب، منطق المقاومة لا يقل أهمية، سوريا اثبتت أن الشعوب المستقلة هي التي توحد والمقاومة يمكن في نهاية المطاف أن تلعب الدور الحاسم في تحديد النتيجة.

بدأت حرب واشنطن على سوريا بجيوش طائفية أرسلت لإسقاط الحكومة في دمشق. ودعم هذا التحرك الإعلام الغربي من خلال الحديث عن “المتمردين المعتدلين”، ولكن الأدلة واضحة على أن الولايات المتحدة وحلفاءها أيدوا كل المجموعات المسلحة في سوريا، بما في ذلك المجموعات التي تعرف باسم”جبهة النصرة” والآن باسم “جبهة فتح الشام”، في محاولة غير مجدية لتجنب القصف السوري الروسي، وكل المجموعات المشاركة لديها أيديولوجية طائفية مماثلة.

على الرغم من سفك الدماء والبلاغة، فشلت الخطة “أ” في العدوان.”الخطة ب” تهدف إلى تقسيم البلاد باستخدام “الورقة الكردية” كما فكرت الولايات المتحدة.

ناهيك عن أن مثل هذا التقسيم هو ضد أحكام قرار مجلس الأمن الدولي 2254، الذي يؤكد على التزام الأمم المتحدة القوي بسيادة واستقلال ووحدة وسلامة أراضي الجمهورية العربية السورية، ولكن الولايات المتحدة تتجاهل مثل هذه المبادئ.

ومع ذلك، “خطةب” فشلت بسبب تماسك المجتمع في سوريا، والدعم الذي قدمه الشعب للجيش السوري، والتضامن الإقليمي القوي، وخاصة من روسيا وحزب الله والميليشيات الفلسطينية الوطنية.

حتى الميليشيات الكردية في سوريا تم التنسيق معها وبدورها اعتمدت على الجيش العربي السوري. فكل ما يريده أغلب أكراد سوريا، هو إذا طرح التصويت، فالسوريون لن يؤيدوا “الحكم الفدرالي” لأنه سيضعف البلاد ضد أعدائها.

احتاجت واشنطن لسبع سنوات للانسحاب من فيتنام، بعد أن عرفت أنها خاسرة، لكن سوريا لديها رئاسة ودبلوماسية، وحليف قوي على شكل الرئيس الروسي، ومستعدة وقادرة على تعليم أمريكا الشمالية “الكرامة”.

أعطى الرئيس بوتين الرئيس أوباما وسيلة للخروج، مرة واحدة من قبل، في سبتمبر 2013، تحت مظلة الأسلحة الكيماوية، التي تستخدمها جبهة النصرة وشركاؤها. وتفكيك مخزون الأسلحة الكيميائية السورية الذي وجد ليكون رادعا ضد إسرائيل، منع هجوما صاروخيا “محدودا” للولايات المتحدة وفرنسا على سوريا.

قد نرى اتفاقا مماثلا. تغيير النظام في تركيا يساعد بالتأكيد على مثل هذه الخطة. ولكن وبالرغم من نجاة أردوغان من تمرد القوات المسلحة، الا ان الوضع الاستراتيجي والاقتصادي ينقلب ضد الدور التركي في سوريا. وبينما تخسر الجماعات المسلحة تحاول أنقرة إصلاح علاقاتها السيئة مع روسيا في حين تتفاقم أزمتها مع واشنطن. أردوغان عن حق أو باطل، يلوم الولايات المتحدة على دعمها المحاولة الانقلابية الأخيرة.

“خطة ج “، في الأسابيع الأخيرة المتبقية لإدارة أوباما ربما تترك بعض المسائل من دون حل منها الحملات الإيديولوجية الأمريكية والعقوبات الاقتصادية ضد سوريا وحزب الله، المعارضين الرئيسيين لإسرائيل.

تجربة حروب واشنطن السابقة في أفغانستان والعراق وأمريكا اللاتينية وفيتنام تخبرنا أن الولايات المتحدة ستحاول الحفاظ على الأساطير، و”التاريخ الرسمي”، لأطول فترة ممكنة، حلب هي نقطة تحول نهائية في هذا الصراع، لأنه بعد تحرير حمص، والقصير وتدمر، واجه الجهاديون وكفلاؤهم الكثير من النكسات.

في عام 2015 ضربت الجماعات المتطرفة ريف دمشق. العاصمة، التي يبلغ عدد سكانها ما بين 7 و 8 ملايين نسمة، ولكن اليوم تراجع عدد الصواريخ، ومدافع الهاون والسيارات المفخخة بشكل كبير. والحياة في الشوارع اصبحت أكثر أمنا، فوقف إطلاق النار قد “عمل” جيدا لأن الجماعات المسلحة المتبقية ضعفت كثيرا.

وفي حين استعادت دمشق بعض الشعور بالأمن، اندلعت الحرب في مدينة حلب. وكما جرت العادة، تكذب وسائل الإعلام الغربية دون توقف، مركزة بشكل خاص على هذا الجزء الذي تسيطر عليه مجموعات داعش والقاعدة الذين يجمعون اليوم أقل من عشرة آلاف مسلح من أكثر من 80 دولة، بما في ذلك عملاء الاستخبارات الأمريكية والبريطانية والفرنسية والتركية والإسرائيلية، والعديد من المنظمات غير الحكومية.

في الأيام الأخيرة استسلمت مجموعات من الجهاديين، للاستفادة من العفو الرئاسي، بينما فر الآلاف من المدنيين من خلال ممرات إنسانية سورية روسية.

والبارز انه في وسائل الإعلام الغربية لم تتحدث التقارير عن وجود 1.5 مليون شخص في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة بحلب يقتلون والمستشفيات الكبرى تقصف من قبل “المتمردين” المدعومين من حلف شمال الأطلسي.

في ابريل ومايو 2016 قال اصحاب الخوذ البيض ان الضربات الجوية الروسية أو السورية دمرت “مستشفى القدس”، مما أسفر عن مقتل طبيب أطفال في حلب. في الواقع، أشار الدكتور نبيل أنطاكي والجمعية الطبية إلى ان هذا المرفق ليس مستشفى مسجل، الأمر يتعلق بعيادة مؤقتة في مبنى سكني قائم في منطقة تابعة للنصرة. في الواقع، هناك العشرات من أطباء الأطفال في المستشفيات العامة الرئيسية في حلب.

أطلقت عصابات المرتزقة مئات الصواريخ على الجزء الغربي من حلب، والقنابل المحملة بالغاز في المناطق الكردية للمدينة وقامت علنا بقطع رأس فتى فلسطيني، وزعمت أنه جاسوس لأحد الميليشيات الفلسطينية التي تقاتل إلى جانب القوى المؤيدة للجيش السوري. وأعطت “بي بي سي” الأولوية لادعاءات الجهاديين بقولها أن الفتى ذات الـ 12 عاما كان “مقاتل”… وسائل الإعلام الغربية، لا زالت تنشر القصص الكاذبة حيث تقول ان “كل حلب تحت الحصار، أو أن العيادات الميدانية لتنظيم القاعدة هي “المستشفيات الوحيدة “في حلب. وعلى سبيل المثال، ذكرت وسائل الاعلام الاسترالية: “ان الطعام نفد من مدينة حلب السورية”. في الواقع، فان 15 في المئة فقط من سكان حلب كانوا تحت حصار الجيش السوري. في الوقت عينه نجد ان البلد بأكمله تحت حصار العقوبات الاقتصادية الاسترالية والأمريكية وعقوبات الاتحاد الأوروبي.

غموض حول مواقف ترامب

 بالنسبة لبعض السياسيين الذين يأملون في تجنب هزيمة كاملة للمخطط الأمريكي في بلاد الشام، يظهر لهم أن معركة حلب، ستشكل تحديا للشاغل الجديد للبيت الأبيض، فإذا قرر أنه لا خيار أمامه سوى البحث عن حل دبلوماسي في سوريا وفقا للشروط الروسية، فإنه سيلحق ضررا كبيرا، في وقت مبكر جدا، بمصداقية إدارته على الصعيد الغربي. أيضا، إذا اختار الرد بكل قوة فقد تكون النتائج مزيدا من الموت في سوريا، وخلافا عميقا مع موسكو قد يثقل على الدبلوماسية الأمريكية لسنوات مقبلة.

بعض المعلقين يخشون من أن النزاع الدبلوماسي الحالي مع روسيا يخرج عن السيطرة. خلال شهر نوفمبر 2016 صرح الجنرال البريطاني المتقاعد ديفيد ريتشاردز: “إن السبيل الوحيد لتخفيف الأزمة في حلب هو السماح للأسد بأن يكسب ويكسب بسرعة، ثم العمل مع روسيا للقضاء على ما يسمى الدولة الإسلامية في أماكن أخرى من سوريا”.

دونالد ترامب اعتبر، شهر أكتوبر، أن حلب سقطت، وهذا يعني أنه لن يلتفت إلى المعارضة، وربما قد يساعد على تجنب كارثة هناك بإقناع روسيا بالدفع إلى حل سلمي. على كل حال، فإن الإدارة الجديدة ستتجنب مواجهة مفتوحة مع روسيا في سوريا كي لا تقع في مستنقع شبيه بالمستنقع العراقي، وقد تعتمد توجه إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون بالنسبة إلى فيتنام، بأن تهدد علنيا بعمل عسكري في سوريا ضد روسيا، في حين ترسل سرا إلى موسكو ودمشق بأنها على استعداد للتوصل إلى صفقة، إنما بعد أن تستعرض أمام العالم قوتها العسكرية.

قلق إسرائيلي

  جاء في تقرير صدر من مراكز بحث فلسطينية في مدينة الناصرة المحتلة:

 على الرغم من أن إسرائيل الرسمية، تعلن زورا وبهتانا، أنها لا تتدّخل في الحرب الدائرة منذ خمس سنوات ونيف في سوريا، إلا أن وسائل الإعلام العبرية تتابع عن كثب معركة حلب. وتعكس التحليلات والأبحاث الإسرائيلية حجم القلق الذي ينتاب الإسرائيليين، جراء نجاحات الجيش العربي السوري، بدعمٍ من الطيران الروسي، في ضرب الجماعات الإرهابية، واستعادة الدولة السورية، المبادرة لفرض الأمن في البلاد.

كما أن أكثر ما يقلق الإسرائيليين من التقدم العسكري السوري ـ الروسي، هو أنه دليل ملموس على تراجع الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط، مما يطرح أسئلة تتعلق بمستقبل الأمن الإسرائيلي. وبحسب قول المستشرق الإسرائيلي، إيهود يعاري، الذي يعمل محللا للشؤون العربية في القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي، فإن السيطرة على حلب من قبل الجيش العربي السوري يعني أن الرئيس د. بشار الأسد، انتصر في المعركة على كل سوريا، على حد تعبيره، وهو نفس الرأي الذي يحمله محلل شؤون الشرق الأوسط في القناة العاشرة، تسفي يحزقيئيلي، الذي أكد على أن معركة حلب، ستكون لها تداعيات إيجابية جدا على الرئيس السوري، وستمنحه الفرصة الذهبية لكي يثبت للعالم، بأنه انتصر في الحرب الدامية، على حد قوله.

في السياق عينه، رأى محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة “هآرتس″ العبرية، د. تسفي بارئيل، رأى أن المعركة على حلب سيكون لها أبعاد وتداعيات عسكرية على أجزاء أخرى من سوريا، وعلى المفاوضات السياسية. وأكد د. بارئيل، وهو من أشهر المستشرقين الإسرائيليين، أكد في سياق مقاله التحليلي على أن السيطرة على المدينة ستمكن الرئيس الأسد وروسيا من إعلان الحسم الاستراتيجي الذي يسمح لهما بالوصول إلى المفاوضات من موقع قوي، على حد وصفه.

وعلى هذه الخلفية، أضاف المستشرق الإسرائيلي، تحولت حلب، بحسب الصحيفة العبرية، إلى ملعب سياسي دام تجلس فيه الدول الغربية على المدرجات ولا تتدخل بانتظار نتيجة المباراة والمجموعة التالية التي ستتمكن من الارتقاء إلى الدرجة السياسية، على حد وصفه.

والجانب الأكثر أهمية، الذي تناوله محلل الشؤون العربيّة في “هآرتس″ أنه إذا حسمت المعركة في حلب، فإن خزانة الولايات المتحدة الأمريكية تكون قد نفدت من المخططات. وتابع أيضا قائلا إنه في ضوء موافقة الولايات المتحدة الأمريكية على تأجيل النقاش حول مستقبل الرئيس الأسد، وعدم استعدادها لإرسال قوات برية لمساعدة المتمردين، باستثناء بعض القوات الصغيرة”، فهذا يعني أنها لن تستطيع تسوية الخلافات بين الجماعات الموالية للغرب نفسها، ولا تملك أيضا رافعة لإجبار روسيا على تغيير موقفها من الأسد.

ونتيجة ذلك، شدد د. بارئيل، ستضطر واشنطن إلى مواصلة قبول املاءات موسكو التي يمكنها أن تملي خطوط الحرب ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي لا تعد من أولوياتها، كما أكد بارئيل أن انتصار الجيش العربي السوري والسيطرة على مدينة حلب لن ينزلا ضربة معنوية فقط بالجماعات المسلحة، بل سيوفران أيضا له السيطرة الحيوية على سلسلة من المسارات والمفارق التي ستسمح له بالتقدم السريع باتجاه مناطق أخرى في شمال وشرق البلاد. في المقابل، قال المحلل، يمكن لصمود الجماعات المسلحة لفترة طويلة أنْ يكلف أثمانا دمويةً باهظةً على المستويين العسكري والمدني، وأن يقود إلى توسيع التدخل العسكري الروسي في محاولة لكسر هذه الجماعات، كما نقل عن مسؤول كبير في المؤسسة الأمنية في تل أبيب.

على صلة بما سلف، وصف المحلل د. بارئيل المحادثات الطويلة التي أجراها وزير الخارجية الأمريكي، جون كيري مع نظيره الروسي سيرغي لافروف قبل أسابيع، بأنها تشبه مخاضا لم يلد إلا فأرا. ومضى د. بارئيل قائلا إن الاتفاق الذي تبلور بينهما أثار قلق الجماعات المسلحة الذين يدركون جيدا عجز واشنطن، وخاصةً أن الإدارة الأمريكية الحالية، بقيادة الرئيس باراك أوباما، لم تنجح حتى الآن في تطبيق التفاهمات السابقة حول وقف إطلاق النار، في فبراير 2016.

علاوة على ذلك، لفت د. بارئيل إلى أن المُعارضة السوريّة تتخوّف وتتوجّس أيضًا من إمكانية اعتبار الولايات المتحدة الأمريكية للاتفاق مع روسيا بمثابة فرصة أخيرة، لمواصلة تدخلها في الأزمة، وبالتالي، جزم المستشرق الإسرائيلي قائلا إنه في حال تحطّم هذا الاتفاق أيضا، سيترك البيت الأبيض للكرملين الروسي كامل المسؤولية عن معالجة الأزمة السورية، وهو ما يعني ازدياد الحرب على مختلف الجبهات والتجميد المطلق للعملية السياسية التي لا تتقدم في كل الأحوال، على حد تعبير د. بارئيل.

وبرأي المحلل للشؤون العسكريّة في “هآرتس”، عاموس هارئيل، فإن الانتهاء الظاهر من تطويق حلب يشير ليس فقط إلى الإنجاز الأكبر الذي حققه نظام الرئيس الأسد في الحرب منذ عدة سنوات. ويبدو أنه يشير أيضا إلى شيء آخر، إلى إسدال الستار على طموحات الإدارة الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط، كما أكد. وخلص إلى القول: تتنافس مقالات الرأي في الصحافة الأمريكية بينها لاستخدام الأوصاف الدرامية حول فشل الإدارة على ضوء الوضع في حلب، بدءً بـ “إفلاس أخلاقي” مرورا بـ “كارثة لا يمكن السيطرة عليها” و “وصمة أخلاقية” ووصولا إلى “سياسة مخجلة”.

الصورة تبدلت

كتب الكاتب والمحلل عبد الباري عطوان يوم 4 ديسمبر 2016:

 قبل عام كانت المفاوضات بين الحكومة السورية وفصائل المعارضة “المعتدلة”، بدعم من القوى الإقليمية والدولية العظمى، تتركز حول حل سياسي يتضمن مرحلة انتقالية بصلاحيات سياسية وأمنية كاملة لمدة 18 شهرا، الآن تغيرت الصورة كليا بعد تقدم التحالف الروسي السوري في حلب، وخسارة المعارضة المسلحة اكثر من 60 بالمئة من المناطق التي تسيطر عليها شرق المدينة، وباتت المفاوضات تتركز حول كيفية تأمين انسحاب المسلحين والمدنيين إلى ملاذات آمنة.

المعارضة السورية التي تتخذ من إسطنبول قاعدة لها، دفع بها اليأس بسبب خذلان حلفائها في تركيا والخليج وأمريكا، إلى الذهاب إلى موسكو للاستنجاد بها للتوصل إلى صيغة سياسية تنقذ ماء الوجه، وتسمح بهدنة تمكن المحاصرين في حلب الشرقية، او ما تبقى منها، للمغادرة، وهذا ما يفسر ذهاب سامح شكري وزير الخارجية المصري إلى نيويورك، ربما بإيعاز روسي، للتقدم بمشروع قرار يناقشه مجلس الأمن الدولي يطالب بهدنة لمدة أسبوع قابلة للتمديد، تسمح بإدخال المساعدات الإنسانية اللازمة لأكثر من مئة ألف مدني ما زالوا محاصرين فيها.

الاستراتيجية الروسية السورية تتبع سياسة “التقسيط المريح” في استعادة الأحياء الشرقية، أي القبول بهدن قصيرة، يتبعها هجمات كاسحة للجيش السوري على الأرض، فور انتهاء مدتها او قبلها، بغطاء جوي روسي كثيف، ويبدو ان هذه الاستراتيجية التي جرى تطبيقها في الشهرين الماضيين حققت نجاحا كبيرا، بدليل استعادة الجيش السوري لأكثر من 60 بالمئة من الأحياء الشرقية، ونزوح آلاف من السكان هربا بحياتهم، إلى المناطق التي تسيطر عليها القوات الحكومية أو تلك الواقعة تحت نفوذ الميليشيات الكردية.

وما يساعد على تسريع نجاح هذه الاستراتيجية حتى الآن الاشتباكات الدموية التي اندلعت في الأيام الأخيرة بين فصائل المعارضة المسلحة في شرق حلب، خاصة بين حركة “استقم” من الجيش الحر، وجماعة نور الدين زنكي المدعومة تركيا، والأقرب إلى جبهة “فتح الشام” “النصرة” سابقا، وزاد الطين بلة إصابة عبد الرحمن نور قائد “جيش حلب”، الذي تشكل من عدة فصائل قبل أسبوع للدفاع عن مناطق المعارضة، إصابات بالغة.

هذه الاشتباكات على مناطق النفوذ أصابت أهالي حلب الشرقية بحالة من الصدمة، ودفعتهم، ليس الى النزوح فقط إلى الأحياء التي يسيطر عليها الجيش السوري، وانما التظاهر غضبا ضد هذه الفصائل، والمطالبة بخروجها مثلما ذكرت وكالة انباء “رويترز″ العالمية.

واللافت ان هذا التقدم المتسارع للجيش السوري، وسقوط احياء حلب الشرقية بالجملة في أيدي قواته، احدث تطورا لافتا في اللهجة الدبلوماسية الروسية، فسيرغي لافروف الذي كان يطالب بمغادرة الجماعات “الجهادية” المتشددة فقط، بات الآن يتحدث عن مفاوضات مع الجانب الأمريكي على رحيل “جميع المسلحين” دون استثناء او عليهم مواجهة الموت.

ما بعد حلب

  جاء في تقرير من حلب نشرته عدد من وكالات الأنباء الدولية يوم الأحد 4 ديسمبر 2016:

“أكدت مصادر مقربة من الحكومة السورية أن احتفالية كبيرة يتم التنسيق لاقامتها في قلعة حلب التارخية قبل نهاية عام 2016، وان جهدا إعلاميا كبيرا يكرس لتغطية الحدث الذي سوف يكون بمثابة الإعلان عن نهاية الحرب.

وتقول المعلومات أن القادة العسكريين المشرفين على سير المعارك في شرق حلب وضعوا تقديرات عسكرية تفيد أن شرق المدينة سيتحرر بالكامل قبل نهاية شهر ديسمبر. وإن السيطرة الكاملة على الأحياء الشرقية ليست سوى مسألة وقت، وقد نظموا عودة ألاف من سكان شرق حلب إلى مساكنهم في المناطق التي طردت منها الفصائل المسلحة.

وتفيد التقديرات أيضا أن الجيش السوري والحلفاء بدؤا  فعليا بالتفكير بالبدء بمعركة مدينة الباب التي يسطر عليها تنظيم داعش مباشرة بعد إنهاء الوجود المسلح في الاحياء الشرقية، وتقول المعلومات أن الجيش السوري حسم أمره لدخول الباب في ريف حلب ولن يسمح لقوات درع الفرات المدعومة من تركيا دخولها مهما كلف الثمن، ويخشى الجيش السوري من دخول قوات مدعومة من تركيا الباب لما لذلك من تأثير مباشر على وجوده داخل مدينة حلب ووقوعه في حصار داخل المدينة اذا ما تقدمت قوات درع الفرات من الباب إلى منبج وصولا على طريق خناصر.

يذكر أنه في شهر مايو 2016 نظمت الحكومة السورية مهرجانا احتفاليا بالتعاون مع الاوركسترا الروسية على مدرج مدينة تدمر بعد تحريرها من تنظيم”داعش” وهي على ما يظهر تريد تكرار الأمر في حلب.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا