من هنا يبدأ الانتقال الذي نريده

من هنا يبدأ الانتقال الذي نريده

محمد أديب السلاوي
* بقلم // محمد أديب السلاوي

إن أي محاولة لاستقراء المفهوم الجديد للسلطة، كما طرحه جلالة الملك محمد السادس في بداية عهده، تستدعي منا قبل كل شيء، وضع هذا المفهوم في سياقه التاريخي والسياسي، فهو يأتي في مرحلة العهد العالمي الجديد، وفي مرحلة انتقال ديمقراطي يتميز بالسعي ( المغربي ) إلى صياغة توافقات جديدة بين الفاعلين في الحقل السياسي حول أهم الخيارات والتوجهات التي يتأسس عليها النظام السياسي… كما تتميز من جانب آخر، بسعي العهد الملكي الجديد إلى تشجيع انبثاق مجتمع حداثي. وتكريس دولة المؤسسات.

إن المفهوم الجديد للسلطة، استقطب العديد من الباحثين و الفقهاء و الدارسين، فكان محل قراءات متعددة الأبعاد، متعددة الأهداف…ومتعددة المناهج، ذلك لأن المفهوم الجديد للسلطة في المنظور الملكي، يقوم على التجديد في إطار الاستمرارية، استمرارية التوابث الدستورية والخيارات الكبرى، التي يتأسس عليها النظام السياسي. لأجل ذلك يتجه نحو تصحيح وضع شاذ ترتب عن تضخم الجهاز البيروقراطي، فضلا عن مخلفات الإرث التاريخي الذي تمثله إدارة المخزن و الإدارة العصرية التي ارتبط تأسيسها بالإدارة الاستعمارية، مما عزز الطابع السلطوي للإدارة، في الوقت الذي كان ينبغي أن تكون الإدارة أداة لتنفيذ السياسة العامة للحكومة، و منتجة المرتفقين .

ذلك يعني أن تحقيق أهداف هذا المفهوم، كما رسخه جلالة الملك، لابد من إخضاع السلطة إلى شروط الإصلاح الأساسية :

• الانفتاح على المواطنين والاحتكاك المباشر بهمومهم ومشاكلهم.

• تعزيز المشاركة الإدارية، و دمقرطة المجال الإداري من خلال إشراك المواطنين في إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل القائمة.

• تفعيل إدارة متطورة قادرة على التفاعل مع محيطها، تساير وتتكيف مع التطورات التي يشهدها المجتمع. و تعكس انشغالاته من خلال التركيز على الميادين التي تحظى بالأولوية و الأهمية من قبل مكونات المجتمع المدني، كحماية البيئة وتفعيل العمل الاجتماعي، وإدماج الفئات المحرومة بشكل يجسد فعليا مفهوم الإدارة المواطنة، فضلا عن ضرورة تفعيل إدارة المبادرة و تجاوز واقع إدارة الجمود و التدبير البيروقراطي للشأن العام.
*****
في هذا الشأن يرى العديد من الباحثين والخبراء، أن أي مفهوم للسلطة لا يمكنه أن يتطور في جو من التخلف الاقتصادي و الاجتماعي، لذا ينبغي أن تتم ممارسة السلطة وفق منظور شمولي للتنمية، بناء على إستراتيجية محكمة واضحة المعالم والوسائل والآليات. و هو ما يعني إدخال مجموعة من الإصلاحات على نظام العمل الإداري، و توفير مجموعة من الشروط الضرورية لتجديد أسلوب تدبير الشأن العام، منها تدعيم و تطوير إطار اللامركزية الإدارية وإطار اللاتركيز الإداري، و عقلنة تنظيم و تدبير الموارد البشرية، و إخضاع هذه الموارد للتكوين المستمر و مراقبة أخلاقياتها، و العمل على تبسيط الإجراءات و المساطر الإدارية، و ضمان الشفافية في العمل الإداري، والحد من السلطة التقديرية للإدارة، و التواصل مع المواطنين والمقاولات والمجتمع المدني، و تدعيم دور القضاء في بلورة المفهوم الجديد للسلطة.

يعني ذلك، أن إعطاء مفهوم جديد للسلطة، في الوضع المغربي الراهن، أصبح يتجاوز من الناحية السياسية منطوق الكلمات. إن السلطة “الوطنية” الحديثة، وحدها القادرة على ردم هوة التخلف الاقتصادي/ الاجتماعي الذي ساهمت سلطة “الهاجس الأمني” في إذكائه لفترة طويلة من الزمن … فالسلطة المطلوبة في نظر هذه المكوناتـ يجب أن تقوم على مبدأ، مغرب المواطنة، لا مغرب النخبة الحاكمة، و على مبدأ محو ثقافة السلطة المخزنية، و هو ما يتطلب تغييرا شاملا للعقليات و للأشخاص و للقيم السلطوية القائمة.

في نظر الفقهاء/ العلماء، إن إعطاء مفهوم جديد للسلطة، يجب أن لا يتنافى مع طبيعة النظام الملكي المغربي الذي ظل لقرون عديدة يستلهم من الإسلام جزء رئيسيا من شرعيته: البيعة والإمامة. فالملك خارج مفاهيم الإصلاح و التحديث، يبقى هو رجل الدولة الأول الفاعل الأهم بمنطوق الفقه، و الممثل الرئيسي للأمة، رمز وحدتها و ضامن استمرارها، حامي الملة و الدين، الساهر على احترام الدستور، ولكن على أن يكون ذلك في ظل ثقافة الإسلام و مرجعية الشريعة الإسلامية.

وفي نظر العديد من رجال الدين، أنه بالنظر إلى جميع الاعتبارات التاريخية المتمثلة بالأساس في تمسك الدولة المغربية بالإسلام كمرتكز لبناء شرعيتها عبر تاريخها الطويل، فإن أضمن السبل للإصلاح و التغيير، ستكون تلك التي تنطلق من الشرعية الدينية نفسها، والمتمثلة في التصور الإسلامي لنظام الحكم. وهو، ما يعني أن الدعوة إلى تحديث المؤسسة الملكية، يجب أن يستلهم التراث السياسي الإسلامي، الذي يجعل من الأمة مصدر السلطة، ومن الحاكم ممارسها المسؤول عنها، بموجب البيعة، كعقد ملزم للحاكم في قيامه بحراسة الدين و الاهتمام بأمور المسلمين، كما تلتزم الأمة بالطاعة في المعروف، بما لا يتناقض مع كتاب الله و سنة رسوله.

ويرى أحد أفراد الأسرة الملكية البارزين، أن قيم العدالة و المساواة و الجماعة في الإسلام تشكل عناصر قوة لتطور مواطنة حقيقية، فلا شيء في الدين الإسلامي ( في نظره)، يتعارض مع تأسيس مجال سياسي ديمقراطي، فبناء هذا الأخير هو المهمة التي يتعين التركيز عليها دون تأخير لمواجهة تحديات القرن الجديد / الألفية الثالثة.

إن الإسلام يوحي بإعمال العقل لبلورة القواعد الجديدة التي ستسمح كلما كانت النصوص المكتوبة غير كافية لتحديد ما يجب القيام به بالتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية.

*****
أما الإعلام الوطني المغربي، الذي خاض إلى جانب مكونات المجتمع المدني معركة تحديث السلطة، طيلة عهد الاستقلال، فيرى إعطاء مفهوم جديد للسلطة وتجديدها، يتطلب قبل كل شيء جملة من الإجراءات المستعجلة :

ــ إعادة وزارة الداخلية إلى حجمها الطبيعي كوزارة تتمتع فقط بما تتمتع به باقي الوزارات في الحكومة، و مراجعة كل القوانين التي أعطتها في السابق، اختصاصات واسعة و متشعبة، جعلت من عمالها وولاتها و كبار موظفيها، حكاما فوق القانون.

ـــ متابعة آليات المراقبة و المتابعة و المحاسبة لكافة رجال السلطة على مختلف تصنيفاتهم، الذين قاموا بأعمال أو تصرفوا في أموال أو سلط خارج القانون، في المرحلتين السابقة و الحالية .

ــ مراجعة مواقع الولاة والعمال والباشوات والقياد والشيوخ والمقدمين وكافة رجال السلطة في النظام الإداري المغربي، وملائمة هذه المواقع مع مستلزمات الديمقراطية وحقوق الإنسان، لتصحيح صورة رجال السلطة في عيون المواطنين.

ــ العمل على تفعيل الاتفاقيات الدولية، لمناهضة كافة أشكال التعذيب والعقوبات القاسية، وعلى إغلاق جميع المعتقلات السرية، و إبعاد كافة رجال السلطة ورجال الشرطة الذين تورطوا في تعذيب واعتقال المواطنين، عن مراكز المسؤولية وتقديمهم إلى القضاء من أجل محاكمتهم .

وضع حد نهائي لتدخل السلطات في شؤون القضاء… ولتدخل الأمن في شؤون الجماعات والمدارس العليا.

ــ دعم حرية الرأي والتجمع والاقتراع.

هل نستطيع ذلك…تلك قضية / قضايا أخرى.

أفلا تنظرون…؟

شارك برأيك

إلغاء الرد