من تحرير الحقول إلى استيطان العقول الثابت والمتغير من أهداف الاستعمار ولعبة الأمم..؟

من تحرير الحقول إلى استيطان العقول الثابت والمتغير من أهداف الاستعمار ولعبة الأمم..؟

 

محمد السوسي

بقلم // ذ. محمد السوسي

منذ خمس سنوات نشرت سلسلة مقالات حول ما سمي حينذاك “الربيع العربيوالواقع أن السلسلة بدأت في نونبر 2010 حول أزمة القيادة في المجتمعات الإسلامية وحاولت في تلك المقالات أن أواكب الأحداث حسب الإمكان إذ الأوضاع كانت معقدة، والأحداث متسارعة والفاعلون في الميدان كثر، والهرج والمرج طابع ما يجري في كل مكان في الرقعة العربية والإسلامية، واتخذ الناس مواقف من غير تدبر أو تروا ومع تدبر، وترو حسب الأهداف والغايات، وإذا كان الناس حينها وإلى الآن يطمحون مما يجري إلى تفعيل دور الشعوب في تقرير مصيرها، وتدبير شؤونها على الأسس الديمقراطية الصحيحة، واستعادة السيادة للشعوب، وانتزاعها من أيدي حكومات ظالمة، ورؤساء مستبدين متشبثين بالسلطة إلى حد الثمالة، وينظرون إلى الشعوب نظرة الفرعون الأول عندما قال «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد».

لقد كان الناس وهم يجوبون الشوارع وبحت حناجرهم بالهتاف للحرية والعدالة والكرامة يعبرون عن الوعود والأهداف التي كانت وراء انتظامهم في ثورات تحريرية ضد الاستعمار الأجنبي، ولما رحل أو كاد كان الظلم أشد، والاستبداد أقوى، ونهب الثروات والانحراف والفساد الطابع السائد، وبارك الاستعمار القديم والجديد كل ذلك ودعمه، وكان هذا الاستعمار يدرك أن نجاح الشارع العربي والإسلامي معناه ضياع السيطرة الاستعمارية وانهيار المشاريع المعدة سلفا، ولذلك سارع إلى الوجود في قلب الأحداث من جديد لتحريف بوصلة الحرية والتحرر، وتوجيهها الوجهة التي يريد الاستعمار وأعوانه، لأن حرية الشعوب وتحقيق الحكم الديمقراطي الرشيد في العالم العربي والإسلامي أمر يهدد المشاريع الاستعمارية في تحويل الاتجاه الحضاري نحو التكافؤ بين الحضارات، وهو ما يحول بين سيادة حضارة وحيدة وواحدة وهي الحضارة الغربية.

وهكذا بدأ الأمر يتضح شيئا فشيئا وهو قد انكشف اليوم أن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة تعد اليوم ابعد مما كانت عليه منذ قبل، فالثورات المضادة في كل مكان، والحكام الجد أوغل في التحكم والاستبداد ممن سبقهم، فالتزوير والتلاعب بالإرادة الشعبية في دولالربيعوتدخل أنظمة مستبدة وغارقة في مساوئ الحكم المطلق بالمال وغيره لإفساد العمليات الديمقراطية مما أصبح يشتكي منه الفاعلون السياسيون والأحوال الاقتصادية والاجتماعية باتت أسوأ من ذي قبل، ليقول الناس ليت الأنظمة والحكام السابقون يعودون.

ولم تكن سلسلة المقالات التي نشرتها حينها بعيدة عن التبوء بشيء من هذا الذي حصل والمقال أو الحديث التالي كان جزء من هذا التعبير والذي جاء في مقدمته بتاريخ 2011/9/15.

الأحداث تتسارع والعالم الإسلامي يغلي، وبعض الأنظمة يتغير، وآخر يهتز وغيره يترقب، والفاعلون الحقيقيون يلفهم سحاب كثيف، ويختلف الناس حولهم، وبالأخص عندما لا يسفرون عن وجوههم مثلما هو حاصل في ليبيا والعراق حيث الحلف (الصديق) للعرب والمسلمين ضرب ويضرب بعنف مثل ما يضرب في أفغانستان وباكستان، واليوم ينتقل البطلان (المحرران) للشعب الليبي وصديقا العرب والمسلمين الرئيس الفرنسي ساركوزي حينها ورئيس الحكومة الانجليزية دافيد كامرون ليذكرا العرب والمسلمين بالصداقة والمودة التي تربط بين الشعوب الإسلامية والمسؤولين في البلدين والعميقة الجذور من عهد عبد الرحمان الغافقي وصلاح الدين وقلب الأسد والجنرالان (اللمبي) و(كورو)، والذي أصبح معروفا اليوم 2016 هو ما عبر عنه الرئيس الأمريكي باراك أوباما في شان الدوافع التي حركت المسؤولين الفرنسي والانجليزي وما حدث بعد ذلك من صدور تقرير عن لجنة برلمانية انجليزية تدين تدخل كامرون أما الرئيس الفرنسي فعلاقته بالقذافي وما شابهها من ملابسات عبرت عنه الجهات الفرنسية المتعددة.

وعلى أي حال فهي اللعبة الدائمة والحيلة تنطلي علينا دائما ولا نتعظ، مع أن التاريخ الذي لا نقرأه وإذا قرأناه لا نستوعب أحداثه يقول الكثير (ومن باب الصيحة في واد والنفخة في رماد) أذكر في هذا الحديث بأمور وعلى رأسها لعبة الأمم التي تلعب الدور الحقيقي فيما يجري من أحداث سواء على المستوى المكشوف أو المستور، وقد أصبح كل شيء في الواقع من دون ستار لعلنا نستيقظ.

حديث الجمعة: من تحرير الحقول إلى استيطان العقول الثابت والمتغير من أهداف الاستعمار ولعبة الأمم..؟

بين التدبير والفعل

الأحداث التي نعيشها في عالمنا العربي والإسلامي أحداث خطيرة ومصيرية وكل لحظة تأتيك بجديد وقد يكون غربيا وعجيبا في نفس الآن، ولكنه في كثير من الأحيان لا يكون الحدث إلا تنفيذا لعمل ما أعد في الظل وفي الكواليس إعدادا دقيقا، وقد يساهم فيه الإنسان وهو يعتبر نفسه مبدعا وصانعا للحدث وهو في الواقع ليس إلا منفذا لأمر دبر بليل، لست أريد هنا ان استرسل مع فكرة المؤامرة التي ينتقدها الناس  ويعتبرونها في بعض الأحيان خرافة، ولكنه ما ان يجلي الأمر وتبدأ الروايات والأخبار عن حدث ما حتى يتضح ان استنكار فكرة المؤامرة هو في حد ذاته داخل في إطار المؤامرة ان لم يكن هو المؤامرة بعينها.

شجاعة الإفصاح

ان من حسن حظ المتابع ان الخصم  الذي يواجهه العالم الإسلامي خصما يملك قدرا مهما من الشجاعة للتعبير عن مكنون نفسه وعما يريده ويسعى للموصول إليه، فإذا أخذنا أهم قضية اشتغل عليها الغرب منذ مدة وهي التشكيك في الإسلام وقيمه ومحاربة الإسلام والمسلمين، وهو أمر إذا قال أحد المسؤولين أو الفاعلين السياسيين أو الثقافيين انه غير معنى به  فلا يمكن تصديقه من قومه، وقد يصدقه المغفلون منا.

إذكاء العصبية

 فالتاريخ الذي كتب ويكتب والمذكرات التي نشرت والتي لم تنشر والمعاهدات العلني منها والسري كلها تفصح عن سياسة محددة وخطط مدققة تختلف الأساليب والطرق للوصول إليها وتطبيقها منها ما هو على الفور ومنها ما هو على مهل والتراخي، ولكنها خطط مدركة ومعلنة لدى الفاعلين منهم، والمدارس والجامعات ودروس الوعظ والكنائس والأناشيد الوطني والحديث عن أحداث الماضي  والصراعات التي مرت منها ما هو قديم ومنها ما هو جديد كلها سلسلة متماسكة الحلقات تذكي العصبية وتبقيها متقدة ومشتعلة فهي لا تنسى ولا تزول وان كانت قد تتوارى لهذا السبب أو ذاك.

ولاشك إننا بمجرد يقظة محدودة وتتبع بسيط سنصل إلى هذه النتيجة وأكثر مهما يفعل القوم “المتسامحون” منا والمندمجون الحداثيون من أبناء جلدتنا الذين هم صنعوا على العين حسب التعبير القرآني، فالتخطيطات المنهجية لبرامج التعليم التي وضعت منذ أمد بعيد أعطت تمرتها ونتائجها وأكثر، فلم يكونوا يعتقدون أنهم سيصلون إلى ما وصلوا إليه في المدة التي وصلوا فيها.

الهدفان الرئيسيان

ويظهر هذا أكثر ما يظهر في أمرين أساسيين وهما أسس ولب الحضارة أي حضارة واعني بهما الدين و اللغة وبالرجوع إلى أدبيات الاستعمار والاستشراق والتبشير نجد أن هذين المقومين الأساسيين هما اللذان ركز عليهما هؤلاء الأشقاء الثلاثة عملهم منذ اليوم الأول حيث كان القلب هو الاستعمار والجناحان.

التبشير والاستشراق، فقبل الوصول إلى أرض الإسلام من لدن الاستعمار كان المخطط للقضاء على الإسلام واللغة العربية وعرف الاستعمار أنه قد لا يدوم و قد لا يستطيع انجاز المهمة قبل الرحيل ولذلك بادر إلى تنشئة جيل وأجيال على هذه الفلسفة الاستعمارية المتواصلة حتى عند الرحيل لأنه ينشئ من يتحمس أكثر لهذا العمل الذي يسعى لانجازه والاستعمار يبقى الهدف الاستراتيجي قائما ولكنه يغير الأساليب والطرق للوصول إلى هذا إلى الغاية المتوخاة.

الغارة الدائمة

 ولابد هنا من الإشارة إلى عملين مهمين في هذا الصدد لعل الأول هو ما تضمنه كتاب الغارة على العالم الإسلامي لشاتليه المتضمن لخطط التنصير والتعليم والذي صدر في بداية القرن العشرين 1911 أي منذ مائة سنة أما الأمر الثاني في نفس السياق هو ما صدر عن مؤتمر كلوراد في نهاية السبعينيات من القرن الماضي والذي تضمن كذلك خططا مجددة على نفس النهج والطريق لتنصير العالم الإسلامي مرورا بالمجامع المسكونية والمؤتمرات الإقليمية التي تعقدها الهيآت التنصيرية على اختلاف مذاهبها وانتماءاتها القومية.

دوكول واستمرارية الاحتلال

ولاشك أن الاستعمار القديم الجديد يواصل التنسيق وضبط الأساليب وهو أمر كان الأولون متيقنين منه ولا أريد أن أعطي الأمثلة فهي بادية للعيان فيما نشاهده في أوطاننا ولكنني أريد أن استشهد بفقرة للجنرال “دوكول” أوردها أحد المؤرخين الجزائريين في كتاب له بعنوان “حزب البعث الفرنسي” حيث يقول المؤلف في مقدمة الكتاب «ان من يرصد تاريخ الاحتلال الفرنسي لبلاد المغرب منذ وطئت أقدام جنرالاته أرض الجزائر عام 1830م حيث يجد أن الثابت الأوحد الذي لم يجده قيد أنملة عبر السنين وتعاقب الفاعلين هو مسمار اللغة الفرنسية المدقوق بإتقان في الجانب الغربي من جسم الأمة الإسلامية الناطقة بالعربية لاعتبارات إستراتيجية وليست سياسية فقط أو ثقافية تسعى لاستيطان العقول بعد الاضطرار للخروج من الحقول، ويستشهد المؤلف في هذا الصدد بمقولة “الجنرال ديكول” في كتابه: “الأمل” «وهل يعني ذلك أننا إذا تركناهم يحكمون أنفسهم يترتب علينا التخلي عنهم بعيدين عن أعيننا وقلوبنا؟ قطعا لا، فالواجب يقتضي منا مساعدتهم لأنهم يتكلمون لغتنا ويتقاسمون ثقافتنا» ويتقل عنه، «ستبقى الجزائر فرنسية من عدة أوجه وسنحافظ على الطابع الذي اكتسبته مثلا احتفظت فرنسا بالطابع الروماني تلك هي إستراتيجيتي مثلها التي انتهجتها في سياستي» (الأهرام يوم14 دجنبر 1996).

ما عاد مما بدا

هذا هو بيت القصيد فما عاد مما بدأ كما يقال فما نود قوله في هذا الصدد ونحن نتتبع الأحداث الجارية في البلاد العربية والإسلامية إن هؤلاء الذين أنفقوا الأموال ورصدوا الأحداث، وتدخلوا عندما اقتضى الأمر التدخل الباشر وأنفقوا الأموال عندما اقتضى الأمر الاتفاق بسخاء وحركوا طوابير الجواسيس والمخبرين ليلا تخرج الأمور عن السيطرة وعن الإستراتيجية الدائمة للاستعمار والذي أسميناه الشيطان وقبيله في حديث سابق، ويحضرني في هذا الأمر عملين اثنين أنجز في تاريخ متباعد نسبيا ولكنهما في نفس السياق كل بطريقته، اما احدهما فهو تعبير عن المرارة بعد أن فات الأوان من أحد الساسة الأتراك الاتحاديين احمد رضابك رئيس البرلمان التركي في عهد الاتحاديين والكتاب بعنوان: «الخيبة الأدبية للسياسية الغربية في الشرق» ولعلى أعود إلى الكلام حول مضامينه في فرصة قادمة ولكني فقط انقل الفقرة الأولى من تمهيد الكتاب حيث يقول المؤلف:

سياسة الغرب والأخلاق

وضعت لهذا الكتاب اسما لا ينطبق تماما على مسماه، ضرورة ان السياسة التي طالما سلكتها أوروبا مع تركيا لم تكن في وقت من الأوقات خاضعة للأصول الأخلاقية بل كان عندها ان الفوز بالغنيمة يبرر لها الوسائط مهما كانت صبغتها وفي عرفها ان القوة هي التي تكون الحق.

كانت في جميع العصور المصلحة الدينية والمادية هما الباعثان الأصليان لهذه السياسة فالمصلحتان كأننا في اتفاق دائم ترتكزان أحدهما على الأخرى ساعيني سعيا حثيثا وراء تحقيق غاية واحد» (ص:8) الترجمة العربية.

ان كاتب هذه الحقائق ليس شيخا من الشيوخ ولا داعية من الدعاة ولكنه زعيم مهم في الانقلاب على السلطان عبد الحميد وقاد المعارضة التركبة الاتحادية في فرنسا، ولكن بعد الحرب العالمية الأولى ومؤتمر باريس وغيره مما عقد من المنتديات لتقسيم الغنائم وتوزيع الأسلاب أدركه الصباح ونطق بالكلام الذي لم يكن مباحا وتخندق في خندق الشيخ مصطفى صبري، إن لم يكن بكيفية مباشرة فهو بالفعل يلتقي معه حيث لم يعد ينفع ولنا عودة للموضوع بحول الله.

لعبة الأمم

 أما العمل الثاني وهو ما أشرت إليه في حديث الجمعة الأخير وربطت بينه وبين صراع الحضارات وقلت ان بينهما وشائج قربى وعندما عدت إلى الكتاب الذي يحمل لعبة الأمم وجدت انه لا بأس بالتذكير ببعض ما ينصح به ويقترحه وان في شكل استعراض للواقع الحاصل أو لواقع ينبغي ان يحصل وقد حصل بالفعل وصدق من قال لا جديد تحت الشمس وان التاريخ قد يعيد نفسه بأشكال وطرق رغم المقولة المتداولة لا يعيد التاريخ نفسه بل الصحيح ان التاريخ يعيد نفسه.

والكتاب من تأليف ميلز كوبلاند تعريب مروان خير والكاتب ساهم في تأسيس المخابرات اللامركزية الأمريكية في عام 1948.

لماذا لعبة الأمم؟

إن المؤلف يرى أن السياسة العادية قد لا تفي بالغايات والأهداف المطلوبة لذلك، انه قد يقع أحيانا، تضارب بين نتائج استقصاء كلا الإدارتين، الخارجية والداخلية. فيعمد رئيس الجمهورية، مثلا، بقيادته الناجحة، وشخصيته القوية، إلى ترجيح كفة العلاقات الخارجية على حساب الاتجاهات الداخلية. وهكذا يمكن لرئيس الجمهورية ان يعدل بعض الاتجاهات الداخلية حتى لا تقف  حجر عثرة في طريق المضي قدما للمحافظة على نوع وحجم علاقاتنا الخارجية.وأوضح  مثال على هذا، عندما زج الرئيس روزفلت بالشعب الأمريكي في الحرب  العالمية الثانية، مع سبق تمنعه عن التورط فيها، وإصراره على الوقوف بعيدا عن جحيمها. ولكن ان كانت الأحداث الداخلية خاصة بنا، ومن حقنا تعديلها وتحويرها حسب أهوائنا، فليس الأمر كذلك في علاقاتنا الدولية. والأسلوب الآنف الذكر يصبح مشلولا في مثل هذه الأحوال، ولا يمكننا عندئذ بتلك السهولة المعتادة أن نتصدى لكثير من القضايا المصيرية التي يرتبط بها وجودنا من أساسه بصورة حيوية.

المصالح بين الوضوح والالتواء

 ففي مثل هذه الأحوال، يصبح أسلوبنا السابق عاجزا كل العجز عن التصرف حيالها أو تعديلها حسبما تهوى أنفسنا وتتحقق مصالحنا. ويصبح من الضروري جدا أن نبتكر وسائل جديدة تختلف كليا عن وسائلنا التقليدية لمعالجة مثل تلك القضايا المصيرية. ونتيجة لهذا سنقف حيارى حيال مبادئ النزاهة والاستقامة التي ألفناها منذ زمن بنيامين فرانكلن.

سياسة الغدر والخداع

ونبقى مضطرين إلى سلوك مسالك جديدة لا نتورع فيها عن استخدام كل وسائل الغدر و الخداع حتى يذهب مواطنونا إلى أسرتهم ليلا وهم على يقين تام  بأننا نقابل الغدر والخداع السوفيتي بمثله أو بأبشع منه. وعندها تصبح كل مقاييسنا النزيهة الثابتة، في بناء علاقاتنا الدولية، هباء منثورا عند أولئك الذين يمضون الساعات الطوال في قاعات البيت الأبيض متظاهرين بالدهشة حيال الغدر الروسي.

لقد كان الحديث عن الروس في ذلك الوقت ولكن ينبغي ألا ننسى أن الصراع تحول من الروح الا الإسلام والحضارة الإسلامية وهي مقولة صراع الحضارات التي تحدثنا عنها في الحديث السابق وربطنا بينها وبين لعبة الأمم.

ويصبح على حكومتنا سلوك طريق لا مفر منه: ففي الوقت الذي ترفض فيه علنا التدخل بشؤون الدول الأخرى، نجدها تبحث عن أساليب مبتكرة خارج جهازها التقليدي لتفعل ذلك.

النزاهة تعني الغدر

وليس على الحكومة عندئذ إلا أن تشرع بتحديد معالم وحدود القضية المعنية، ومن ثم تقوم بإطلاق العنان لعدة قوى خفية، تتكفل لتصفيتها كليا، أو إزالة إخطارها، دون أن تتورط الحكومة رسميا في أي جانب من جوانبها. وتبدأ اللحظة الحرجة عندما يبدأ الصراع المستتر بين هذه القوى ومثيلاتها في الدول الأخرى وكلها تعاني من نفس المشكلة المشتركة بينها إلا وهي: إظهار النزاهة  والاستقامة، وإضمار الغدر والخداع ونية التلاعب بالأمم والشعوب. وهكذا نصل إلى موضوع كتابي هذا وهو ما سميته «لعبة الأمم».

إذا كان ما يجري في العالم العربي حاليا يعتبر ثورة بمعنى من المعاني للثورة أو على الأقل ما يقوله الكُتاب والمحللون وبُحت به حناجر الشباب في الميادين والشوارع وتلقفته فئات وأشخاص إلى حدود ما قبل سقوط الأصنام السابقة بلحظات كانوا بجانبها، فهذا المخابراتي يوضح الأمر الذي تسلكه المخابرات الأمريكية، ولاشك يقلدها غيرها من المخابرات وذلك عندما يقول تحت عنوان:

عهد ما قبل الدستور

يجب على زعماء الثورة أن يتطلعوا منذ اليوم الأول لحركتهم إلى تطوير الثورة وتحويلها إلى نظام دستوري جديد. فالثورات الأصلية والمنبثقة من ضمائر الشعب لا تنوي إطلاقا إقامة أنظمة دكتاتورية مستبدة، بل تعمل جاهدة لإعادة الوضع الدستوري والحيوي لاستقرارها، في اقرب وقت ممكن ـ وعلى الأقل ـ عن طريق إعطاء العهود وبذل الوعود. ولكن تبقى هناك مشكلة التعاقب بين العهد الثوري والعهد الدستوري والطريقة التي يخلف العهد الثاني الأول بها، ويحل محله دون تقهقر أو هزيمة. فزعماء الثورة لن يخلدوا، وحماسة الشعب للثورة لن تبقى للأبد بل ستضعف وتذبل. ولهذا كانت أنجع الوسائل لإجراء عملية التعاقب بشكل منتظم ومستقر (ودون الحاجة للقيام بثورة أخرى)، هي تلك التي تستخدم أي نوع من أنواع «الانتخابات النيابية»، التي غالبا ما تقود إلى عهد ذي صبغة دستورية مهما كان مشوه الحقيقة ممسوخ الفاعلية.

التبوء بمصادر الخطر

إن المتتبع للنقاش وما يجري في بعض وسائل الإعلام بالنسبة لبعض الدول التي أطيح فيها بالرؤساء يلحظ شيئا من هذا القبيل.

وبما أن زعماء الثورة والمؤيدين لها، يرغبون في تخليد منجزاتها، فمن الضروري إذن، التنبؤ بمصادر الخطر الجديدة والتنبه لها. ويحدث ذلك، كنتيجة لمحاولة أعداء الثورة التسلط ثانية على السلطة السياسية في العهد الدستوري الذي يعقب العهد الثوري. وغالبا ما يتم هذا بسهولة تامة إذا ما أخفقت الثورة في تدعيم دور تلك الفئات والطبقات ـالتي حققت الثورة خدمات ومنافع لهاـ وتقوية فاعليتها. كما يقع نفس الشيء إذا ما عجزت الثورة عن تطوير نظام دستوري جديد، يضمن لتلك الفئات والطبقات أكثرية عظمى. وها هي بعض تلك الأخطار:

1/ إن الأحزاب السياسية القديمة سوف تنتعش ثانية، ولا يستبعد أن تملك القدرة اللازمة لإعادة أعداء الثورة إلى السلطة.

2/ ربما تظهر إلى الوجود أحزاب سياسية جديدة من وعن طريقها ستعود الشعارات القديمة والأهداف السابقة للتداول، وعندما تمتلك هذه الأحزاب القدرة اللازمة أعداء الثورة إلى السلطة، فإنها لن تتأخر في فعل هذا أبدا.

3/ ربما تتم السيطرة لبعض السياسيين (الذي يخالفون الثورة في أهدافها) على أي حزب ثوري يمتد وجوده إلى العهد الدستوري. وذلك نتيجة ما لديهم من قدرات وخبرات سياسية فائقة تختلف عندهم من العهد البائد قبل الثورة أو اكتسبوها حديثا وهكذا، فمع وجود حزب ثور على رأس السلطة فان أهداف أتباعه وأشياعه لن تكون موضع اهتمام حقيقي أو تنفيذ بناء.

4/  ويجب على النظام  الدستوري الجديد أن لا يتخذ شكلا يشجع ظهور عدة أحزاب متعادلة القوة تقريبا. ذلك أن وضعا كهذا، لن ينتج عنه سوى عدم الاستقرار السياسي لوجود أحزاب بشعارات قديمة ولكنها في موقف قوي لإجبار غيرها على إتباع سياسة المساومات والحلول الوسطى. وبهذا يتحقق لها الانقضاض على بعض منجزات الثورة أو كلها.

ومن الممكن تفادي كل هذه الأخطار إذا قامت حكومة الثورة بالاستفادة من الميزان الفريدة ـ التي يمنحها إياها احتكارها الكلي للنشاط السياسي القانوني في أوائل عهدها ـ في وضع أسس لنظام دستوري جديد، يسود فيه حزب واحد، هو وحده وريث الثورة الشرعي في العهد الدستوري الجديد، وله وحده الدور الحاسم في تسيير دفة الأمور.

وللوصول إلى وضع نموذجي كهذا، يتوجب على حكومة الثورة أن تخلق منظمة شعبية تتدرج بدقة وانتظام حتى تصبح نهائيا حزبا سياسيا، وهي بنفس الوقت، توفر للمنتمين لها من المقترعين والسياسيين الثوريين مجالا جيدا لإجراء التمرينات والتجارب على الحياة السياسية ومعضلاتها. وعندما يحين الوقت لمنح البلاد الدستور الجديد، فإن على حكومة الثورة أن لا تنسى أن تصوغه بصورة تعطي الحزب الثوري فرصا مطلقة لا مناقشة فيها.

بين المنظمات الشعبية والمجتمع المدني:

من بين ما يوصي به صاحب لعبة الأمم الثورة والثائرين إحداث ما اسماه المنظمات الشعبية، رغم أنها في نظره مجرد تمويه والحصول على السمعة والمكانة لدى الشعوب وفي هذا الشأن يقول:

مهما تعددت الأسماء واختلفت فان النوع الذي يعنينا في مجال المنظمات الشعبية هو ذاك النوع الذي يبقى خارج نشاط الحكومة الرسمي. ففي هذا النوع من المنظمات الشعبية يقوم زعماء الثورة، بالتعاون مع بقية موظفي الحكومة ومستخدميها، بإنشاء منظمة شعبية تشترك فيها جماهير غفيرة من المواطنين غير الرسميين وتدعي هذه المنظمة أهدافا وشعارات مثل تلك التي تنادي  بتدعيم الثورة والمحافظة على مكتسباتها وزيادة منجزاتها. وعلى هذه المنظمة أن لا تظهر بمظهر حزب سياسي أثناء الفترة التي تكون الانتخابات فيها معلقة، والأحزاب السياسية محلولة ومحرمة قانونيا، دون أن يؤدي هذا إلى إغفال تنظيمها على غرار حزب سياسي، لتكون مستعدة لانتخابات تجري في المستقبل عاجلا أو آجلا. وكنتيجة لهذا يجب أن يكون لها قيادات محلية، إقليمية وقطرية، ومسؤولين متفرعين لرسم مختلف احتمالات سيرها وتخطيط سياستها. كما يجب أن يتوفر لها جهاز إداري عامل وآخر للانضباط. وعلاوة على كل ذلك، فان قيام أمانة عامة لها، متفرعة لشؤونها، مع لجان متعددة لمختلف المهام، مثل الدعاية والنشر، أمر حيوي لبقائها في الطليعة متماسكة ومهيمنة.

إن مجرد مقارنة بسيطة بين ما اسماه صاحب اللعبة المنظمات الشعبية والاسم الجديد لهذه المنظمات الذي تغير إلى المجتمع المدني مع شيء من التمويه يدرك أن لا شيء تغير وأن الدرب لا يزال طويلا للوصول إلى الحرية والتحرر الحقيقي.

 

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا