منبر الجمعة: دراسة تعليق أحمد بن موسى على ختم «جوهرة التوحيد»: منهجه، أسلوبه، قيمته العلمية

منبر الجمعة: دراسة تعليق أحمد بن موسى على ختم «جوهرة التوحيد»: منهجه، أسلوبه، قيمته العلمية

منبر الجمعة: دراسة تعليق أحمد بن موسى على ختم «جوهرة التوحيد»: منهجه، أسلوبه، قيمته العلمية

  • بقلم // الصديق‭ ‬بوعلام‭ ‬

متى‭ ‬ألف‭ ‬سيدي‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬هذا‭ ‬التعليق‭ ‬على‭ ‬ختم‭ ‬جوهرة‭ ‬التوحيد‭ ‬للإمام‭ ‬اللقاني‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭‬؟

نجد‭ ‬الجواب‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬هامش‭ ‬المخطوط‭ ‬الذي‭ ‬بين‭ ‬أيدينا‭ ‬حيث‭ ‬نقرأ‭ ‬ما‭ ‬نصه‭ :‬

تم‭ ‬تأليفها‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬شوال‭ ‬عام‭ ‬1300‭ ‬والله‭ ‬أعلم‭.‬

ثم‭ ‬نقرأ‭ ‬في‭ ‬الهامش‭ ‬كذلك‭ :‬

اتم‭ ‬في‭ ‬الجمعة‭ ‬16‭ ‬خلت‭ ‬من‭ ‬شوال‭ ‬عام‭ ‬1304‭.‬

فنستنتج‭ ‬أن‭ ‬عمر‭ ‬الفقيه‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬كان‭ ‬عند‭ ‬تأليفه‭ ‬هذا‭ ‬التعليق‭ ‬النفيس‭ ‬أربعا‭ ‬وثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التقريب،‭ ‬وأن‭ ‬نسخه‭ ‬كان‭ ‬بعد‭ ‬التأليف‭ ‬بأربع‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬الراجح،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الناسخ‭ ‬لم‭ ‬يذكر‭ ‬اسمه‭ ‬ولا‭ ‬مكان‭ ‬النسخ‭ .‬

سعة‭ ‬الثقافة‭ :‬

من‭ ‬أبرز‭ ‬ملامحِ‭ ‬الشخصية‭ ‬العلمية‭ ‬لأحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬سعة‭ ‬وشمول‭ ‬ثقافته،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الروافد‭ ‬الثقافية‭ ‬العديدة‭ ‬التي‭ ‬أَثْرَتْ‭ ‬تكوينَه‭ ‬العلمي،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬إبداعيته‭ ‬المتألقة‭ ‬في‭ ‬ميادين‭ ‬التدريس‭ ‬والتّلقين‭ ‬والكتابة‭ ‬والتّصنيف‭.‬

وأول‭ ‬تلك‭ ‬الرّوافد‭ ‬التي‭ ‬أغْنت‭ ‬عالمه‭ ‬الفكري‭ ‬والتربوي‭ ‬والرّوحي‭ ‬تتلمذه‭ ‬على‭ ‬ثلة‭ ‬من‭ ‬الشيوخ‭ ‬الأعلام،‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬والعلماء‭ ‬والأدباء‭ ‬والأولياء‭ ‬المتضلعين‭ ‬من‭ ‬علوم‭ ‬الإسلام،‭ ‬المتقنين‭ ‬للحفظ‭ ‬والضبط‭ ‬والفهم‭ ‬والتبليغ‭ ‬والإفهام،‭ ‬الحاملين‭ ‬للأقلام‭ ‬الجامعين‭ ‬بين‭ ‬إلقاء‭ ‬الدروس‭ ‬وتسيطر‭ ‬الطروس‭.‬

وتتجلى‭ ‬سعة‭ ‬أفق‭ ‬مترجَمنا‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬تعدد‭ ‬وتنوّع‭ ‬المجالات‭ ‬العلمية‭ ‬التي‭ ‬برع‭ ‬فيها،‭ ‬واتّساع‭ ‬الميادين‭ ‬التي‭ ‬طرقها،‭ ‬فمن‭ ‬الحديث‭ ‬إلى‭ ‬القراءات‭ ‬إلى‭ ‬الفقه‭ ‬وأصوله‭ ‬إلى‭ ‬العروض‭ ‬إلى‭ ‬العقائد‭ ‬إلى‭ ‬التاريخ‭ ‬والمناقب،‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭.‬

يتّضح‭ ‬التنّوع‭ ‬والتعدّد‭ ‬والإتّساع‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬أساليب‭ ‬التّناول‭ ‬العلمي‭ ‬والأدبي‭ ‬لموضوعات‭ ‬مؤلفاته‭ ‬وتقاييده،‭ ‬ومناهج‭ ‬طرقها‭ ‬والتّعبير‭ ‬عن‭ ‬آرائه‭ ‬ومعارفه‭ ‬وأفكاره‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬الشّروح،‭ ‬والتعليقات،‭ ‬والتلخيص،‭ ‬والتدوين‭…‬

 ‬الكتابة‭ ‬عند‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ :‬

‭ ‬لقد‭ ‬فطر‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬التّعبير،‭ ‬وصقل‭ ‬كفايته‭ ‬التّعبيرية‭ ‬بما‭ ‬استفاده‭ ‬من‭ ‬دروس‭ ‬وتلقّاه‭ ‬من‭ ‬درر‭ ‬من‭ ‬أفواه‭ ‬شيوخه‭ ‬المبرزين‭ ‬في‭ ‬البلاغة‭ ‬والفصاحة‭ ‬والبيان‭. ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬فطر‭ ‬على‭ ‬قوّة‭ ‬الإستيعاب‭ ‬وسعة‭ ‬الحفظ‭ ‬وقوّة‭ ‬الضبط،‭ ‬وصقل‭ ‬ذاكرته‭ ‬بما‭ ‬حفظ‭ ‬من‭ ‬المتون‭ ‬حديثا‭ ‬وفقها‭ ‬ولغة‭ ‬وأدبا،‭ ‬وفطر‭ ‬على‭ ‬ثقوب‭ ‬الفهم‭ ‬وجودة‭ ‬الإدراك،‭ ‬وصقل‭ ‬فهمه‭ ‬وإدراكه‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬يسمعه‭ ‬من‭ ‬تفاسير‭ ‬وتحاليل‭ ‬واستنباطات‭ ‬دقيقة‭ ‬من‭ ‬أساتذة‭  ‬نبغاء‭.‬

فضلا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬وذاك،‭ ‬صقل‭ ‬العلامة‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬كل‭ ‬تلك‭ ‬الكفايات‭ ‬والقدرات‭ ‬بمداومة‭ ‬الدرس‭ ‬والمطالعة،‭ ‬والإكثار‭ ‬من‭ ‬القراءة‭ ‬والإطّلاع،‭ ‬حتى‭ ‬وصف‭ ‬ب‭ ‬االمطّلعب‭. ‬وهو‭ ‬وصف‭ ‬لا‭ ‬يحلّى‭ ‬به‭ ‬إلاّ‭ ‬من‭ ‬كانت‭ ‬مطالعة‭ ‬الكتب‭ ‬ديدنه،‭ ‬بحيث‭ ‬تتّسع‭ ‬دائرة‭ ‬معلوماته،‭ ‬وتتعمق‭ ‬أواني‭ ‬مدركاته،‭ ‬وتشرق‭ ‬بالبهاء‭ ‬دواوين‭ ‬مبدعاته‭.‬

إن‭ ‬إحكام‭ ‬التعبير‭ ‬سبيل‭ ‬إتقان‭ ‬وظيفة‭ ‬التبليغ‭ ‬والتّوصيل،‭ ‬وأقوى‭ ‬معين‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬التواصل‭ ‬والتفاهم‭ ‬بين‭ ‬الأستاذ‭ ‬والطالب‭ ‬على‭ ‬أحسن‭ ‬وجه‭ ‬وبأقرب‭ ‬طريق‭. ‬ما‭ ‬ينفي‭ ‬التشويش‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب‭ ‬والإدراك‭ ‬والفهم‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬البيان‭ ‬البليغ‭ ‬ينتج‭ ‬التّبيين‭ ‬المبلّغ‭ ‬وهذا‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬التبيّن‭ ‬الفهيم‭ ‬وييسره‭ ‬بأيسر‭ ‬سبيل‭.‬

وقد‭ ‬كان‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬حريصا‭ ‬على‭ ‬انتقاء‭ ‬العبارة‭ ‬المبينة‭ ‬الفصيحة‭ ‬البليغة‭ ‬الدقيقة،‭ ‬مجتنبا‭ ‬الركاكة‭ ‬والغموض‭ ‬والإيجاز‭ ‬المخل‭ ‬والتطويل‭ ‬المملّ‭ ‬تلافيا‭ ‬لسوء‭ ‬الفهم‭ ‬وإرباك‭ ‬التفاهم‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬طلبته‭. ‬وكان‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬متمهّرا‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬العلوم‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يدرّسها،‭ ‬ومن‭ ‬ضمنها‭ ‬علوم‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬نحوا‭ ‬وصرفا‭ ‬وبلاغة‭ ‬وبيانا‭ ‬وبديعا‭ ‬ونثرا‭ ‬واشتقاقا‭ ‬وعبارة‭ ‬وإشارة‭ ‬وحقيقة‭ ‬ومجازا‭ ‬ودلالة‭ ‬وكناية‭ ‬ومعجما‭ … ‬فأمكنه‭ ‬إجادة‭ ‬التّعبير‭ ‬ببلاغة‭ ‬راقية‭ ‬وفصاحة‭ ‬وافية‭ ‬عمّا‭ ‬تمهّر‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬عقلية‭ ‬وشرعية‭ ‬ولغوية‭. ‬والتخييل‭ ‬البلاغي‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬العلمي‭ ‬يساوق‭ ‬استدلاله‭ ‬واستنتاجه‭ ‬البرهانيين،‭ ‬ولذا‭ ‬نجده‭ ‬يوظّف‭ ‬معرفته‭ ‬اللغوية‭ ‬والبلاغية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أشكال‭ ‬خطابه‭ ‬العلمي‭ ‬خاصّة‭ ‬والدّيني‭ ‬عامة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوعظ‭ ‬والإرشاد‭ ‬وهذا‭ ‬مقتضى‭ ‬طبيعة‭ ‬البيان‭ ‬العربي‭ ‬الأصيل‭ ‬المتضمنة‭ ‬للاستدلال‭ ‬البرهاني‭ ‬مع‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالتخييل‭ ‬المؤازر‭ ‬للتدليل‭. ‬لأنّ‭ ‬الصّورة‭ ‬البلاغية‭ ‬من‭ ‬أبرزوجوه‭ ‬الإقناع‭ ‬والتبيين‭. ‬والتمثيل‭ ‬والاستعارة‭ ‬والمجاز‭ ‬طرائق‭ ‬في‭ ‬التدليل‭ ‬لا‭ ‬تقلّ‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬براهين‭ ‬المنطق‭ ‬واستدلالات‭ ‬العقل‭ ‬المجرّد‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬البرهان‭ ‬والبيان‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬العلمي‭ ‬للشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬جمالية‭ ‬خاصّة‭ ‬ينشط‭ ‬بها‭ ‬العقل‭ ‬كما‭ ‬يحيا‭ ‬بها‭ ‬الخيال‭ ‬المبدع،‭ ‬والوجد‭ ‬الذوقي‭ ‬اللطيف‭. ‬ومما‭ ‬تتميز‭ ‬به‭ ‬كتابته‭ ‬النّثرية‭ ‬ما‭ ‬ساد‭ ‬في‭ ‬عصره‭ ‬من‭ ‬ألوان‭ ‬الصنعة‭ ‬في‭ ‬الصياغة‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬السّجع‭ ‬والتأنّق‭ ‬في‭ ‬العبارة،‭ ‬وفنون‭ ‬القول،‭ ‬ما‭ ‬يعطي‭ ‬نصوصه‭ ‬جمالية‭ ‬خاصّة‭ ‬تنمّ‭ ‬عن‭ ‬ذوق‭ ‬فنيّ‭ ‬رفيع،‭ ‬وعناية‭ ‬بجمال‭ ‬اللفظ‭ ‬والتّركيب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تبليغ‭ ‬الدلالة‭ ‬بتشويق‭ ‬وترغيب‭ ‬مع‭ ‬الوضوح‭ ‬والسلاسة‭ ‬والرّصانة‭ ‬وإصابة‭ ‬المعنى‭.‬

‬الحواشي‭ ‬والتعاليق‭:‬

كان‭ ‬المنهج‭ ‬التعليمي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬مصنّف‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬علم‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬يدرّسه‭ ‬العلماء‭ ‬الشيوخ‭ ‬لطلبتهم،‭ ‬ويختارون‭ ‬لكل‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬المراحل‭ ‬التّعليمية‭ ‬مصنفا‭ ‬يناسبها‭ ‬ويراعى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التّدريج،‭ ‬حتى‭ ‬يحصل‭ ‬الطالب‭ ‬على‭ ‬إجازة‭ ‬ويتخرج‭. ‬فكان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬المصنّفات‭ ‬المعتمدة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬العلامة‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬التوحيد‭ ‬أو‭ ‬العقائد‭ ‬هذه‭ ‬الأرجوزة‭ ‬المسماة‭ ‬اجوهرة‭ ‬التوحيدب‭ ‬للقاني،‭ ‬مثلما‭ ‬كانت‭ ‬مصنّفات‭ ‬وأراجيز‭ ‬أخرى‭ ‬معتمدة‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬تعليمية‭ ‬وعصور‭ ‬أخرى‭ . ‬ولذلك‭ ‬فقد‭ ‬قام‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬بتدريس‭ ‬علم‭ ‬التوحيد‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شرحه‭ ‬لهذه‭ ‬الأرجوزة‭ ‬وتعليقه‭ ‬عليها‭. ‬فكان‭ ‬السارد‭ ‬يسرد‭ ‬أبياتها‭ ‬واحدا‭ ‬بعد‭ ‬الآخر‭ ‬ويقوم‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬بالتعليق‭ ‬والشّرح‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬عادة‭ ‬علمائنا‭ ‬المشائخ‭ ‬وطريقة‭ ‬تدريسهم‭ ‬للكتب‭ ‬المنقّحة‭ ‬المهذّبة‭ ‬لطلبتهم‭. ‬وقد‭ ‬تستغرق‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬التعليمية‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬أكثر،‭ ‬وتنتهي‭ ‬أو‭ ‬تختتم‭ ‬بالدرس‭ ‬الختامي‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬ب‭ ‬االختمةب‭ ‬وفيها‭ ‬يشرح‭ ‬الشيخ‭ ‬أو‭ ‬يعلّق‭ ‬على‭ ‬الأبيات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أو‭ ‬الفقرات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أو‭ ‬الحديث‭ ‬الأخير‭  ‬من‭ ‬المصنّف‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬بتدريسه‭.‬

وهذه‭ ‬المصنّفات‭ ‬ذ‭ ‬ومنها‭ ‬هذه‭ ‬الأرجوزة‭ ‬ذ‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬الشرح‭ ‬والبيان،‭ ‬والتعليق‭ ‬والإفهام،‭ ‬وهي‭ ‬الوظيفة‭ ‬النّبيلة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يضطلع‭ ‬بها‭ ‬الشيخ‭ ‬أمام‭ ‬طلبته،‭ ‬حيث‭ ‬يقرّب‭ ‬إليهم‭ ‬معانيها،‭ ‬ويذلّل‭ ‬لهم‭ ‬صعابها،‭ ‬ويعطيهم‭ ‬مفاتيح‭ ‬مغالقها‭.‬

ولكل‭ ‬عصر‭ ‬ما‭ ‬يناسبه‭ ‬من‭ ‬المؤلفات،‭ ‬ولذلك‭ ‬كانت‭ ‬التقريرات‭ ‬والتعليقات‭ ‬والشروح‭ ‬والحواشي‭ ‬سائدة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى،‭ ‬وهي‭ ‬غنية‭ ‬بالفوائد‭ ‬نافعة‭ ‬على‭ ‬الدوام‭ ‬بخلاف‭ ‬ما‭ ‬يزعمه‭ ‬خصوم‭ ‬التراث‭ ‬الإسلامي‭. ‬لقد‭ ‬تكاثرت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬الحواشي‭ ‬وحواشي‭ ‬الحواشي‭ ‬والتعاليق‭ ‬والتلاخيص‭ ‬والشّروح‭. ‬ولئن‭ ‬كان‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬ضعفا‭ ‬وانحطاطا‭ ‬وتراجعا‭ ‬عن‭ ‬الإبداع‭ ‬والاجتهاد‭ ‬لما‭ ‬تتّسم‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬وقوف‭ ‬عند‭ ‬المتون‭ ‬المعروفة‭ ‬المعتمدة‭ ‬دون‭ ‬إنتاج‭ ‬مثلها،‭ ‬فإنّ‭ ‬هذا‭ ‬الحكم‭ ‬غير‭ ‬صحيح‭.‬ ذلك‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬النّصوص‭ ‬المتنوّعة‭ ‬المتراكبة‭ ‬على‭ ‬النصّ‭ ‬الأصلي‭ ‬حافلة‭ ‬بوجوه‭ ‬العطاء‭ ‬العلمي‭ ‬واﻹبداع‭ ‬الفكري‭ ‬واﻷدبي‭ ‬وهي‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬إضافات‭ ‬غنية‭ ‬بالفوائد‭ ‬العلمية‭ ‬واﻹشارات‭ ‬اﻷدبية‭ ‬والاستشهادات‭ ‬الداعمة‭ ‬لملاحظات‭ ‬ووجهات‭ ‬نظر‭ ‬المحشين‭ ‬والمعلقين‭ ‬والمخلصين‭ ‬فلا‭ ‬ينبغي‭ ‬إهمال‭ ‬هذا‭ ‬اﻹنتاج‭ ‬العلمي‭ ‬بدعوى‭ ‬اقتصاره‭ ‬على‭ ‬الدوران‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬المتون‭ ‬اﻷصلية‭. ‬فإن‭ ‬كل‭ ‬عالم‭ ‬كان‭ ‬يرى‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬الواجب‭ ‬عليه‭ ‬وجوبا‭ ‬عينيا‭ ‬إضافة‭ ‬ما‭ ‬توصل‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬ملاحظات‭ ‬علمية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬البحث‭ ‬الرصين‭ ‬إلى‭ ‬النص‭ ‬المعتمد‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬أو‭ ‬التدريس‭ ‬كما‭ ‬فعل‭ ‬العلامة‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬في‭ ‬تعليقه‭ ‬على‭ ‬ختم‭ ‬اجوهرة‭ ‬التوحيدب‭ ‬وختمه‭ ‬لصحيح‭ ‬اﻹمام‭ ‬البخاري‭ ‬وغيرهما،‭ ‬وكماكان‭ ‬يفعل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر‭ ‬وقبله‭ ‬وبعده‭. ‬فخلفوا‭ ‬لنا‭ ‬ثروة‭ ‬علمية‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬ثروة‭ ‬الفوائد‭ ‬التي‭ ‬تتضمنها‭ ‬النصوص‭ ‬المشروحة‭ ‬والمدروسة‭.‬

نص‭ ‬التعليق:‭ ‬المنهج‭ ‬واﻷسلوب‭ ‬

درس‭ ‬العلامة‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬ختم‭ ‬اجوهرة‭ ‬التوحيدب‭ ‬ﻹبراهيم‭ ‬اللقاني‭ ‬دراسة‭ ‬لغوية‭ ‬نحوية‭ ‬وصرفية‭ ‬وبلاغية‭ ‬وفقهية‭ ‬ووضعية‭(‬من‭ ‬علم‭ ‬الوضع‭)‬وعروضية‭ ‬وكلامية‭ ‬وتفسيرية‭ ‬وصوفية‭. ‬بل‭ ‬درس‭ ‬متن‭ ‬الجوهرة‭  ‬كله‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المنوال‭ ‬الغني‭ ‬بالفوائد‭ ‬الواسع‭ ‬اﻷرجاء‭. ‬وإن‭ ‬كنا‭ ‬نأسف‭ ‬لعدم‭ ‬تدوين‭ ‬هذا‭ ‬الشرح‭ ‬الشامل‭ ‬للجوهرة‭. ‬ولعله‭ ‬دون‭ ‬لكنه‭ ‬ضاع‭.‬

من‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يبين‭ ‬عنه‭ ‬هذا‭ ‬التعليق‭ ‬للعلامة‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬على‭ ‬ختم‭ ‬اجوهرة‭ ‬التوحيدب‭ ‬المستوى‭ ‬العلمي‭ ‬الرفيع‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬الدرس‭ ‬اللغوي‭ ‬والدرس‭ ‬البلاغي،‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتحرير‭ ‬المسائل‭ ‬العلمية،‭ ‬ويتجلى‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوقفات‭ ‬الطويلة‭ ‬للمؤلف‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬عند‭ ‬قضايا‭ ‬نحوية‭ ‬وصرفية‭ ‬وبلاغية‭ ‬بيانية‭ ‬وبديعية‭ ‬عديدة‭ ‬بمنهجية‭ ‬تحليلية‭ ‬تأصيلية،‭ ‬بحيث‭ ‬يقوم‭ ‬بتحليل‭ ‬المسألة‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬أدلتها‭ ‬الأصلية‭ ‬واستعراض‭ ‬أقوال‭ ‬العلماء‭ ‬وترجيح‭ ‬مايراه‭ ‬مناسبا‭ ‬مع‭ ‬التحري‭ ‬في‭ ‬الضبط‭ ‬والتقرير‭ ‬وجلب‭ ‬اﻵراء‭ ‬واﻷقاويل‭ ‬ومناقشتها‭ ‬وتصحيح‭ ‬ما‭ ‬حقه‭ ‬التصحيح‭ ‬واستبعاد‭ ‬الواهي‭ ‬الضعيف‭. ‬

وتبرز‭ ‬قدرات‭ ‬المؤلف‭ ‬النقدية‭ ‬والبلاغية‭ ‬وهو‭ ‬يحلل‭ ‬هذه‭ ‬اﻷبيات‭ ‬الثلاثة‭ ‬اﻷخيرة‭ ‬من‭ ‬اﻷرجوزة‭ ‬تحليلا‭ ‬أدبيا‭ ‬راقيا‭ ‬استثمر‭ ‬فيه‭ ‬علوم‭ ‬البيان‭ ‬والبديع‭ ‬والمعاني،‭ ‬ووظف‭ ‬اﻹعراب‭ ‬والنحو‭ ‬والمعاجم‭ ‬اللغوية‭ ‬والشواهد‭ ‬الشعرية،‭ ‬وقبل‭ ‬ذلك‭ ‬وبعده‭ ‬اﻵيات‭ ‬القرآنية‭ ‬واﻷحاديث‭ ‬النبوية‭.  ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التوضيح‭ ‬والتمثيل‭ ‬وتقرير‭ ‬المسائل‭ ‬والتحرير،‭ ‬متوقفا‭ ‬عند‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المصطلحات‭ ‬والمفاهيم‭ ‬النحوية‭ ‬والصرفية‭ ‬والبلاغية‭ ‬واﻷصولية‭ ‬والوضعية‭ ‬في‭ ‬أثناء‭ ‬التعليق‭.‬

وهكذا‭ ‬فقد‭ ‬تميز‭ ‬منهجه‭ ‬باﻹبحار‭ ‬المتوازن‭ ‬عبر‭ ‬ثلاثة‭ ‬مستويات‭ ‬رئيسة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشرح‭ ‬وهي‭:‬

‭ – ‬المستوى‭ ‬اللغوي‭.‬

‭ – ‬المستوى‭ ‬الشرعي‭.‬

‭- ‬ المستوى‭ ‬الصوفي‭ ‬أو‭ ‬الإحساني‭.‬

إن‭ ‬فن‭ ‬الكتابة‭ ‬عند‭ ‬الشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬نابع‭-‬كما‭ ‬رأينا‭- ‬من‭ ‬موهبته‭ ‬الفطرية،‭ ‬وسليقته‭ ‬اﻷصيلة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬وعيه‭ ‬بشروط‭ ‬تجويد‭ ‬اﻷسلوب‭ ‬وامتلاكه‭ ‬لناصية‭ ‬البلاغة‭ ‬والفصاحة‭ ‬ومقومات‭ ‬القول‭ ‬البليغ‭ ‬الجميل‭ ‬المؤثر‭. ‬وذلك‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬عليه‭ ‬قوله‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التعليق‭ ‬مثلا‭ :‬ب‭ ‬وذاك‭ ‬أن‭ ‬المتكلم‭ ‬ينبغي‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يتأنق‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬مواضع‭ ‬من‭ ‬كلامه‭ ‬لتكون‭ ‬أحسن‭ ‬سبكا‭ ‬وأحلى‭ ‬موقعا‭..‬. ‬ثم‭ ‬يذكر‭ ‬هذه‭ ‬المواضع‭ ‬الثلاثة‭.‬

فهذا‭ ‬مثال‭ ‬من‭ ‬أمثلة‭ ‬وعيه‭ ‬البلاغي‭ ‬اﻷسلوبي،‭ ‬ودرايته‭ ‬الفنية،‭ ‬وإحكامه‭ ‬لقواعد‭ ‬التعبير‭.‬

ثم‭ ‬يبين‭ ‬هذا‭ ‬التعليق‭ ‬عن‭ ‬الروحانية‭ ‬الصوفية‭ ‬السامية‭ ‬للعلامة‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬إذ‭ ‬شرح‭ ‬عدة‭ ‬مقامات‭ ‬وأحوال‭ ‬صوفية،‭ ‬مستدلا‭ ‬بنصوص‭ ‬الكتاب‭ ‬والسنة،‭ ‬فتحدث‭ ‬عن‭ ‬الرجاء‭ ‬والخوف،‭ ‬والصبر‭ ‬والشكر‭ ‬والرضا‭ ‬مستمدا‭ ‬المادة‭ ‬العلمية‭ ‬لشروحه‭ ‬من‭ ‬كتب‭ ‬مرجعية‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬السلوك‭ ‬أو‭ ‬التصوف‭ ‬كـ‭ ‬اإحياء‭ ‬علوم‭ ‬الدينب‭ ‬لحجة‭ ‬اﻹسلام‭ ‬اﻹمام‭ ‬الغزالي‭ (‬‭ ‬505هـ‭) ‬وبالنصيحة‭ ‬الكافية‭ ‬للشيخ‭ ‬أحمد‭ ‬زروق‭ (‬ت‭ ‬899هـ‭) ‬وبقواعد‭ ‬التصوفب‭ ‬له،‭ ‬وبالحكم‭ ‬العطائية‭ ‬لابن‭ ‬عطاء‭ ‬الله‭ ‬الاسكندري‭ (‬ت‭ ‬709هـ‭).‬

وقد‭ ‬قسم‭ ‬المؤلف‭ ‬تعليقه‭ ‬تقسيما‭ ‬فنيا‭ ‬جميلا،‭ ‬فجعل‭ ‬كل‭ ‬قسم‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬عشر‭ ‬مبحثا،‭ ‬حافظ‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬اﻷقسام‭ ‬التي‭ ‬خصص‭ ‬كل‭ ‬قسم‭ ‬منها‭ ‬لدراسة‭ ‬عميقة‭ ‬لبيت‭ ‬من‭ ‬اﻷبيات‭ ‬الثلاثة‭ ‬خاتمة‭ ‬اﻷرجوزة‭.  ‬وهكذا‭ ‬تبحر‭ ‬في‭ ‬بحث‭ ‬مسائل‭ ‬اللغة‭ ‬ومعانيها‭ ‬وقواعد‭ ‬الصرف‭ ‬ومبانيها،‭ ‬وأسس‭ ‬الوضع‭ ‬وقوانينها،‭ ‬ومحسنات‭ ‬البديع‭ ‬وتجلياتها،‭ ‬ودلالات‭ ‬اﻷبيات‭ ‬وإشاراتها،‭ ‬وصناعة‭ ‬اﻹعراب‭ ‬وأسرارها،‭ ‬وأحكام‭ ‬الشريعة‭ ‬ومآخذها،‭ ‬وبراهين‭ ‬الاستدلال‭ ‬وطرقها،‭ ‬وإشراقات‭ ‬التصوف‭ ‬وعرفانها‭.‬

فجاء‭ ‬التعليق‭ ‬جامعا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬فن‭ ‬طرفا‭ ‬على‭ ‬عادة‭ ‬العلامة‭ ‬أحمد‭ ‬بن‭ ‬موسى‭ ‬في‭ ‬دروسه‭ ‬وتآليفه‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يدع‭ ‬علما‭ ‬إلا‭ ‬واستحضره،‭ ‬ولا‭ ‬فنا‭ ‬إلا‭ ‬واقتبس‭ ‬منه‭ ‬وأحضره. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬القيمة‭ ‬العلمية‭ ‬واﻷدبية‭ ‬والتاريخية‭ ‬العظيمة‭ ‬لهذا‭ ‬التعليق‭ ‬النفيس‭.‬

دراسة تعليق أحمد بن موسى على ختم جوهرة التوحيد

مقالات ذات صلة


Leave a Comment

Cancel reply

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا