ملامح إستكمال بناء نظام عالمي جديد

ملامح إستكمال بناء نظام عالمي جديد

على الساحة الشرق أوسطية تتحدد معالم سياسة الرئيس الأمريكي ترامب

  • بقلم // عمر نجيب

  أفادت مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي سيتولى رسميا منصبه على رأس البيت الأبيض يوم الجمعة 20 يناير 2017 طلب بشكل مسبق وعلى أساس إستعجالي تقارير توصيات وتوجيهات من أجهزة المخابرات والبنتاغون ووزارة الخارجية بشأن الأوضاع في سوريا ولبنان، والإجراءات التي يمكن لواشنطن القيام بها لمنع تطور الأوضاع في منطقة الصراع في إتجاه يخدم مصالح ونفوذ روسيا في المنطقة، وكذلك مواجهة التهديدات التي تخيم على إسرائيل نتيجة التطورات الميدانية على ساحة الشام نتيجة للتدخل العسكري الروسي المباشر منذ 30 سبتمبر 2015 والدعم الذي تقدمه فصائل عسكرية من حزب الله اللبناني لقوات الجيش العربي السوري.

  الإدارة الأمريكية الجديدة تريد كذلك العودة إلى التحكم بشكل أفضل في تحركات تركيا، خاصة وأن أنقرة تقلب مساراتها بشكل لا يسر البيت الأبيض ويجعله يخشى من تحول أساسي وطويل المدى في السياسة التركية، وليس مجرد عملية ضغط. وترى أوساط في مراكز تحديد ورسم سياسات بواشنطن أن أنقرة تعمل جاهدة لتقديم ورقة رابحة من خلال فرض الأمر الواقع في سوريا. وحتى الآن، نجح الانخراط الدبلوماسي الكبير من وكالات الحكومة الأمريكية المتعددة في منع اندلاع وضع خطير من التصعيد التركي الكردي في سوريا. ولهذا يجب على الرئيس المقبل أن يأخذ هذه المشكلة على محمل الجد، وذلك لضمان أن التحدي السوري لا يتطور ليصبح أكثر تعقيدا. ومع ذلك، يجب على الولايات المتحدة أيضا الاستعداد للأسوأ واستعراض خيارات الإدارة، والتحديات مثل هذا التصعيد، والتي من شأنها أن تشكل خطرا على المصالح والأهداف الأمريكية في سوريا ثم في باقي منطقة الشرق الأوسط الكبير.

ويؤكد ملاحظون في العاصمة الأمريكية أن تشجيع حزب العدالة والتنمية للرئيس الأمريكي الجديد، لا ينبغي أن يفسر على أنه إشارة لتغيير تركي. على العكس من ذلك، أنقرة تصلب مواقفها وتعمل بشكل مستقل لتعزيز مكانتها وجها لوجه مع واشنطن. تدل إجراءات تركيا في سوريا بشكل واضح أن قيادتها تخطط لتقاسم ممكن للنفوذ مع الولايات المتحدة ونيل حصة أكبر من التي تخصصها لها واشنطن من الغنيمة. لابد أن تعمل الإدارة القادمة على إدارة هذه المشكلة، وينبغي أن تكون مدركة لحقيقة أن الفاعلين المعنيين من غير المحتمل أن يقبلوا صفقة يرونها غير ملائمة لمصالحهم في سوريا.

يذكر أنه خلال الحملة، تعددت مواقف ترامب ومعاونيه من تركيا، بدءا من انتقاد سياسة تركيا تجاه « الدولة الإسلامية »، وصولا إلى تكرار حديث الحكومة التركية عن محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016 ودعم أنصار المعارض التركي غولن بالمال لحملة هيلاري كلينتون الإنتخابية، ومدح التزام أنقرة في الحرب ضد « الدولة الإسلامية » مؤخرا.

لغز الإتصالات مع طهران

  مصادر رصد روسية ذكرت من جانبها أن أعضاء من طاقم رينس بريبوس الذي اختاره الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب لمنصب كبير العاملين بالبيت الأبيض، يجرون إتصالات في دولة عربية خليجية نفطية، وفي جنيف بسويسرا، مع مبعوثين إيرانيين لبحث العلاقات الثنائية والأوضاع في منطقة الخليج العربي وسوريا، وأنه من المرجح أن الحديث يدور حول صفقات جديدة وإلتزام بدور طهران كشرطي الخليج العربي.

  عدد من متتبعي هذه التحركات على الصعيد الأمريكي يقدرون أن ترامب لن يبدل الكثير في سياسة بلاده لا تجاه الحرب شبه الدولية في بلاد الشام ولا تجاه المواجهات مع روسيا، ومواصلة تنفيذ مشروع المحافظين الجدد بشأن إعادة رسم حدود دول الشرق الأوسط الكبير والذي ينص على إقامة ما بين 54 و56 دولة على أسس عرقية ودينية وطائفية مكان الدول القائمة حاليا.

 وفي سياق تقديم دليل على أن ترامب سيتبع توجهات مخالفة لما كان يتحدث عنه خلال حملته الإنتخابية ذكرت وكالة رويترز يوم 8 يناير 2017، صرح رينس بريبوس كبير العاملين بالبيت الأبيض إن ترامب قبل ما خلصت إليه المخابرات الأمريكية عن تورط روسيا في هجمات الكترونية تستهدف التأثير على الانتخابات الأمريكية وأضاف أن « إجراءات قد تتخذ » ردا على ذلك.

وأضاف أن ترامب يعتقد أن روسيا وراء عمليات تسلل لحسابات مؤسسات تابعة للحزب الديمقراطي رغم أنه لم يوضح إن كان الرئيس المنتخب يتفق مع أن عمليات التسلل تلك تمت بتوجيهات من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وأضاف بريبوس لقناة تلفزيون « فوكس نيوز » إن ترامب « قبل حقيقة أنه في هذه الحالة بالتحديد كانت كيانات من روسيا » وراء التسلل إلى مؤسسات الحزب الديمقراطي والعاملين به.

وتعد تصريحات بريبوس تحولا مهما عن النفي المتكرر من جانب ترامب لتدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية. ورفض ترامب بشدة من قبل أن تكون روسيا وراء عمليات التسلل الإلكتروني أو كانت تحاول مساعدته للفوز وقال إن الصين قد تكون هي المسؤولة.

وهذا هو أول اعتراف من جانب مسؤول كبير في فريق ترامب بأن الرئيس المنتخب يقبل فكرة أن روسيا قامت بعمليات القرصنة الإلكترونية وما تبعها من كشف عن رسائل بالبريد الالكتروني للحزب الديمقراطي خلال انتخابات الرئاسة الأخيرة.

وتابع بريبوس أن ترامب يعتزم أن يوجه أجهزة المخابرات بإصدار توصيات بشأن ما الذي يتعين عمله. واستنادا إلى هذه التوصيات « قد تتخذ إجراءات ». لكنه أضاف أنه ليس هناك ما يعيب في محاولة السعي لعلاقات جيدة مع روسيا ودول أخرى.

وحث عضوان جمهوريان بارزان في مجلس الشيوخ يوم الأحد ترامب على معاقبة روسيا بسبب ما خلصت إليه تقارير وكالات المخابرات الأمريكية بأن بوتين شخصيا وجهة هذه الجهود بغية التأثير على الانتخابات.

وقال السناتور لينزي غراهام والسناتور جون مكين في تصريحات تلفزيونية إن الأدلة دامغة على سعي بوتين للتأثير على الانتخابات وهي نقطة يرفضها ترامب.

وقال غراهام « في غضون أسبوعين سيكون دونالد ترامب المدافع عن العالم الحر والديمقراطية. يجب أن تجعل الكل في أمريكا -الجمهوريون والديمقراطيون- يعلمون أنك ستجعل روسيا تدفع ثمن محاولتها للتدخل ».

  قبل 48 ساعة من إنقلاب موقف ترامب بشأن التدخل الروسي في الإنتخابات سجل تحول آخر، فيوم الخميس 5 يناير 2017 رفض متحدث بإسم الرئيس الأمريكي تقارير قالت إن ترامب يخطط لإعادة هيكلة وكالات المخابرات في البلاد ووصف تلك التقارير بأنها « خاطئة 100 بالمئة ».

وذكر شون سبايسر المتحدث بإسم ترامب للصحفيين في مؤتمر عبر الهاتف « لا صحة لفكرة إعادة هيكلة البنية التحتية لوكالات المخابرات… كل الأنشطة الانتقالية هي لأغراض جمع المعلومات وكل النقاشات مبدئية ».

وكانت صحيفة « وول تسريت جورنال » قد أفادت أن ترامب يتطلع لإحداث تغييرات في وكالة المخابرات. ونقلت عن شخص ذكرت أنه مطلع على الخطط إن ترامب لا يعتزم تقويض أي وكالة مخابرات، ولكنه يبحث عن سبل لتنظيم العمليات وتحسين الكفاءة. وأضافت أن الشخص غير مصرح له بمناقشة الموضوع علنا وتحدث للصحيفة شريطة عدم الكشف عن هويته.

المؤسسة التي تحكم من خلف ستار

  قبل أسابيع من تولي ترامب منصبه رسميا كان هناك إهتمام شديد بموقفه من الصراع على أرض الشام، حيث أن جزء كبيرا من المحللين قدروا أن هذا الموقف سينعكس على كل منطقة الشرق الأوسط وخاصة القضية الفلسطينية، وعلى مستقبل العلاقات الروسية الأمريكية والصراع الدولى على النفوذ وبالتالي على النظام العالمي.

  كتب الصحفي والمحلل عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة رأي اليوم التي تصدر في لندن:

 يكثر الرئيس السوري بشار الأسد من مقابلاته ولقاءاته مع وسائل الاعلام الغربية التي يقف مندوبوها في طوابير امام قصره، ويجدون في معظمهم ردودا إيجابية، وربما يعود هذا “الكرم الصحافي” الى استراتيجية إعلامية ذكية مفادها الرغبة في الاعتماد على الاعلام الأجنبي لإيصال صوته، أي الرئيس الأسد، إلى العالم وشرح سياساته، وكسر الحصار الذي تفرضه عليه دول عربية وغربية، وحظرها لوسائل اعلامه، وتسليمه في الوقت نفسه بمحدودية هذه الوسائل انتشارا وتأثيرا حتى قبل بدء الازمة لأسباب معروفة ليس هنا مجال تكرارها.

في أحد مقابلاته مع التلفزيون الرسمي البرتغالي ركز الرئيس السوري على فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الامريكية، وحاول توجيه رسالة مبكرة له تقول “انه سيكون حليفا طبيعيا لسوريا اذا حاربت دولته الارهاب”.

ولكنه ترك خطا للرجعة، وهو محق في ذلك، بسبب تقلبات مواقف الرئيس المنتخب، عندما شكك في حفاظه على وعده الذي أطلقه اثناء حملته الانتخابية بمحاربة الإرهاب، والتعاون مع “صديقه” الرئيس فلاديمير بوتين في هذا الميدان.

الرئيس الأمريكي الجديد معروف بتقلباته، وصعوبة التنبؤ بمواقفه، وقدراته على التراجع، ومن المؤكد ان هذه الصفات ربما تتحول الى سياسات معتمدة بعد دخوله البيت الأبيض واستلام مقاليد السلطة، حيث جيش المستشارين، وممثلي الدولة “العميقة”، او المؤسسة التي تحكم من خلف ستار.

الفكرة السائدة في أوساط مستشاري الرئيس ترامب حاليا يمكن تلخيصها في عدة كلمات ابرزها “ان الرئيس أوباما ووزير خارجيته هيلاري كلينتون ارتكبا خطأ كبيرا باعتقادهما ان سقوط الرئيس الأسد ونظامه حتمي ووشيك، وبادرا الى تشكيل منظومة أصدقاء سوريا، على غرار نظيرتها أصدقاء ليبيا، على اعتبار ان النتيجة ستكون واحدة”، مضافا الى ذلك ان هؤلاء يعتقدون، أي المستشارين، ان إدارة أوباما “اطالت امد الصراع في سوريا لزعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط عندما ادركت ان النظام السوري لن يسقط قريبا”.

مخاوف الرئيس الأسد النابعة من احتمال تخلي ترامب عن وعوده بمحاربة الإرهاب، ربما تبدو في مكانها، لان المؤشرات الأولوية حول فريق عمله في البيت الأبيض فور تسلمه السلطة سيكون في معظمه من “المحافظين الجدد” الذين خططوا للحرب في العراق، وقبلها في أفغانستان.

رؤيا إسرائيلية

 رجحت « إسرائيل » أن يقلص الرئيس دونالد ترامب، من تدخل بلاده في شئون الشرق الأوسط عامة، والصراع العربي الإسرائيلي بوجه خاص.

ورد ذلك في وثيقة سرية أعدها باحثون في وزارة الخارجية الإسرائيلية في محاولة منهم للوقوف على السياسة الخارجية لـترامب تجاه مختلف القضايا.

وقالت الوثيقة المنشورة على الموقع الإلكتروني لجريدة « هآرتس » ألإسرائيلية أجزاء كبيرة منها، مساء يوم الخميس 10 نوفمبر 2016، إن « تصريحات ترامب خلال حملته الانتخابية لا تشير إلى وجود سياسة متماسكة بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني ».

إلا ان الأمر لم يمنع أن تتوقع الوثيقة محاولة ترامب في بداية فترة ولايته تمييز سياسته الخارجية عن سياسات سابقه «باراك أوباما »، على أن يتراجع فيما بعد متبنيا عقيدة الأخير، ومفادها يجب أن تتخلى الولايات المتحدة عن كونها شرطي العالم.

ورأت « هآرتس » نقلاً عن وثيقة الخارجية الإسرائيلية أن: « ترامب سيكون تحديا للمجتمع الدولي، لأنه من الصعب أن يعرف ما هي مواقفه، ولأن لديه مصلحة محدودة في الشؤون الخارجية، فإن من الصعب تمييز موقفه، أخذا بعين الاعتبار تصريحاته المتناقضة، ولكن من المرجح أن تميل إدارته إلى الإنعزالية والحد من التدخل الدولي ».

وأكدت الوثيقة أنه « كرجل أعمال، يحلل ترامب القضايا من خلال منظور الربح والخسارة، ومن المتوقع أن تركز سياسته الخارجية على المصالح الأمريكية الضيقة والفورية بدلا من التركيز على العالم الأوسع والأشمل ».

ونوهت إلى أن قول مصدري الوثيقة: « نعتقد أن معرفة ترامب المحدودة بالساحة الدولية ستجعل من الفريق الذي سيجلبه معه إلى البيت الأبيض أكثر أهمية، لأنه سيكون له تأثير واسع النطاق في وضع السياسة الخارجية للإدارة ».

وأكدت على  أن « ترامب يرى في روسيا شريكا محتملا للحوار، ولا سيما فيما يتعلق بالحرب في سوريا وأنه يعتبر الصين تهديدا للولايات المتحدة ».

كما جاء في نص الوثيقة المُسربة: أن « ترامب لا يرى الشرق الأوسط كاستثمار جيد، ومن المعقول أن نفترض أنه سيسعى للحد من التدخل الأمريكي في المنطقة ».

وأوضحت أن « العملية الدبلوماسية بين إسرائيل والفلسطينيين لن تكون على رأس أولويات إدارة ترامب، ومن المعقول أن نفترض أيضا أن يتأثر هذا الموضوع من قبل الموظفين المحيطين به والتطورات في هذا الميدان ».

وخلصت الوثيقة المُسربة عن الخارجية الإسرائيلية إلى أن: « إعلانات ترامب في دعايته الانتخابية لا تشير بالضرورة إلى سياسة متماسكة بشأن هذه المسألة، فمن جهة أعرب عن تأييده للمستوطنات ولنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، ولكن في تصريحات أخرى قال أنه يريد أن يبقى على الحياد، وأن على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي التوصل إلى اتفاق بأنفسهما ».

أكثر صهيونية من نتنياهو

 في نطاق محاولة إستشراق سياسة ترامب في المنطقة العربية جاء في بحث وضعه باحث عربي خلال شهر يناير 2017: لا تتوقف التحليلات الأمريكية والإسرائيلية لمغزى اختيار دونالد ترامب سفيره لدى إسرائيل، حيث استقر الرئيس الأمريكي الجديد على أحد محاميه، وهو ديفيد فريدمان، محام يهودي متخصص في قضايا الإفلاس للمنصب، بشرط الحصول على موافقة مجلس الشيوخ. وهو اختيار لم يحظ بإجماع الأمريكيين أو الإسرائيليين، أو حتى يهود الولايات المتحدة أنفسهم، فقد رأت أغلبية التحليلات أن ذلك يشير إلى مرحلة جديدة في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وإلى صعود قوى يهودية جديدة داخل أروقة السياسة الأمريكية والبيت الأبيض في عهد ترامب.

أكثر ما يثير المخاوف لدى بعض الأوساط من فريدمان أنه يتشابه مع ترامب في عدد من أسوأ خصائصه، وفي مقدمتها شعبوية خطابه السياسي وتشدده، وانشغاله المفرط بالعداء مع المسلمين والخطاب المسيء للإسلام، وعدم المبالاة بالديمقراطية أو بميراث السياسة الأمركيية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي.

كما أن ترامب، متشدد في خطابه، وشعبوي يصف خصومه بأفظع الألفاظ، والتي قد لا يكون لها أساس من الصحة. وصم الرئيس بارك أوباما بالعداء للسامية، ووصف اليهود الأمريكيين الناقدين إسرائيل، مثل منظمة « جي ستريت » المعبرة عمن يمكن تسميتهم حمائم لوبي إسرائيل، بأنها كاليهود الذين تعاونوا مع حكم النازي في أثناء الحرب العالمية الثانية، ووصف تنازل إسرائيل للفلسطينيين عن أرض بأنه مثل سقوط بغداد أو باريس في يد « داعش ».

وخلال الانتخابات الرئاسية، وصف فريدمان وكان مستشارا في حملة ترامب، المنافسة هيلاري كلينتون بأنها صاحبه تاريخ طويل من العمل ضد إسرائيل، وشن هجوما واسعا على الصحافة الليبرالية، مثل صحيفة نيويورك تايمز، واعتبرها معادية لإسرائيل، كما وصف حل الدولتين بأنه مجرد « رواية » قائمة على « خيالات »، كما لو أن الفلسطينيين قادرون على رفض « الإرهاب ».

وأثارت الأفكار المتشددة السابقة مخاوف أصوات ليبرالية كثيرة داخل أمريكا وإسرائيل، معتبرين أن فريدمان، بخطابه الشعبوي، لا يمثل فقط خطرا على سياسة الولايات المتحدة التي تنبني حسب كثير من الإدعاءات على تحقيق توازن تجاه إسرائيل والعرب، بل يهدد بتقسيم يهود أمريكا أنفسهم بشكل غير مسبوق، وبتعميق الخلاف بينهم.

ويصر فريدمان على استخدام مصطلحات مسيئة للإسلام، مثل « الإسلام الراديكالي »، كما يطالب بالتدقيق في المهاجرين المسلمين إلى أمريكا، ويحذر يهود الولايات المتحدة من « مصير يهود فرنسا » في حالة تزايد هجرة المسلمين بأعداد كبيرة للعالم الغربي، حيث يعبّر فريدمان عن اعتقاده بأن العناصر المتشددة اختطفت الخطاب العام في العالم الإسلامي، من دون أن يسمي أي دولة مسلمة بالاعتدال.

ويحذر، بشكل عام، من خطر المسلمين، وهجرتهم إلى الغرب، ومن خطر منح الفلسطينيين أي أراض في أي اتفاق مع إسرائيل.

ويستخدم فريدمان مصطلحات دينية يهودية بشأن المستوطنات الإسرائيلية، حيث يراها « الوجود اليهودي »، ويسمي الضفة الغربية المحتلة « يهودا والسامرة ». والمعروف أن فريدمان ينتمي إلى اليهود الأرثوذكس، وهم أكثر الطوائف الدينية اليهودية تشددا وانغلاقا، كما ينحدر من أسرة يهودية متدينة، فأبوه حاخام يهودي أمريكي، ويقول إنه زار إسرائيل أكثر من ثلاثين مرة في السنوات العشر الماضية، وتورد الصحف أنه يقضي، مع أسرته وأحفاده، الأعياد اليهودية في القدس، حيث يمتلك مسكناً في أحد أفضل أحيائها.

وهكذا، يبدو فريدمان منطلقا من معتقدات دينية متشدّدة، ومصرّاً على الإساءة للإسلام والمسلمين، ما يتماشى مع مواقف لترامب نفسه، بخطابه المسيء، وبعض مواقف مستشاريه، كما مستشاره للأمن القومي، مايكل فيلن، الذي يرى الإسلام أيديولوجية وخصما رئيسيا لأمريكا، ما ينذر بتنامي خطاب العداء للإسلام والمسلمين مع مجيء الإدارة الأمريكية الجديدة، وتحوله إلى سياسات.

وفيما يتعلق بإسرائيل نفسها، يعبر فريدمان، بشكل متكرّر، عن رفضه ممارسة أي ضغط سياسي عليها، ويعارض بشدة موقف إدارة أوباما في 2009 حين ضغط أوباما، عبر وزيرة خارجيته، هيلاري كلينتون، على الحكومة الإسرائيلية لوقف الاستيطان، والواضح أن فريدمان لا يؤمن بعملية السلام نفسها، ويرى أنها مجرد « رواية » قائمة على « خيالات » أو أوهام، وهو الذي يترأس مؤسسة أمريكية معنية بتمويل مستوطناتٍ إسرائيلية.

وقد أثارت هذه المواقف إعجاب أكثر المنظمات اليهودية الأمريكية تشدّدا، وفي مقدمتها المنظمة الصهيونية الأمريكية، والتي يرى رئيسها أن لدى فريدمان « إمكانية أن يصبح أعظم سفير لأمريكا لدى إسرائيل »، كما طالب سياسيون يهود أمريكيون، مثل دينيس روس وجوزيف ألترمان، بمنح فريدمان الفرصة، ورأوا أن تصريحاته ستختلف عن مواقفه، وأنه سيعتذر عن بعضها المسيء في حق اليهود الأمريكيين الليبراليين، عندما يتولى منصبه.

وبعيدا عن تلك المرحبة أو الاعتذارية، تتخوف الصحف الأمريكية والإسرائيلية بسبب تصريحات فريدمان وترامب، فكل منهما منفلت اللسان والخطاب، وينتمي إلى المعسكر اليميني الشعبوي المتشدد نفسه، والواضح أيضا أن ترامب يريد أن يستخدم ورقة إسرائيل والصراع مع الجماعات الدينية المسلمة ورقة سياسية داخلية.

فهو لم يستطع أن يتمالك نفسه، ويحتفظ بصمته، في أثناء خلاف رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، مع الرئيس أوباما بخصوص قرار مجلس الأمن رفض الاستيطان، وأصر على التدخل وانتقد مواقف إدارة أوباما، على الرغم من عدم توليه الرئاسة بعد، ومعاكسة تقاليد السياسة الأمريكية نفسها.

ويحلم ترامب وفريدمان بتحول مزيد من اليهود الأمريكيين نحو الحزب الجمهوري الذي يمتلك منبرا لليهود المتشددين المعادين لعملية السلام ولحقوق الفلسطينيين. وحتى الآن، يفضل 70 في المئة من يهود أمريكا الليبرالية والحزب الديمقراطي على الحزب الجمهوري واليمين الأمريكي. ويخشى بعضهم من أن مبالغة ترامب في استخدام ورقة إسرائيل في السياسة الأمريكية سيدفع يهود أمريكا نحو اليمين، وسيقوى التشدّد في أوساطهم، وسيعمّق الفجوة القائمة بينهم وبين الأجيال الجديدة من اليهود والليبراليين الأمريكيين.

وكغيره من الأحزاب الليبرالية الغربية، يمر الحزب الديمقراطي الأمريكي بأزمة تاريخية، ومرحلة غليان وتحول داخلي، ويشهد كذلك صعود قوى شابة ليبرالية مساندة لفلسطين. وفي بلد غربي، مثل بريطانيا، تولى فيها رئاسة حزب العمال جيرمي كوربين المعروف بمواقفه الناقدة لإسرائيل. وتفيد استطلاعات رأي أمريكية بأن التعاطف مع فلسطين في أوساط شباب الحزب الديمقراطي الأمريكي زاد إلى حوالي 27 في المئة، وهي نسبة تاريخية.

ورغم قلتها، فإنها تشير إلى زيادة النقد لإسرائيل في الأوساط الأمريكية الأكثر انفتاحا وتسامحا، فلم تكن تلك النسبة تتعدى 9 في المئة منذ عشر سنوات.

ولهذا، تشعر أوساط يهودية أمريكية بالقلق من شخصية ديفيد فريدمان، فمواقفه يصفها بعضهم بأنها أكثر تشددا من نتنياهو نفسه، وتعبر عن مواقف أقلية متشددة من المستوطنين الإسرائيليين.

ولعل صعود شخص مثله إلى منصب سفير أمريكا لدى إسرائيل تحوّل تاريخي، يشير إلى تراجع فرص الوصول إلى تسوية سلمية مع الفلسطينيين، وفق حل الدولتين، وانحياز أمريكي مطلق لمواقف إسرائيل في المستقبل المنظور، لكنه ينذر، على المستوى البعيد، بتقوية العناصر الأكثر تشدّدا في أوساط يهود أمريكا، وزيادة انقسامهم داخليا بخصوص إسرائيل وسياستها، وانحسار دعم إسرائيل في الأوساط الأمريكية الأكثر وعيا وتسامحاً.

ولادة بطيئة لنظام دولي جديد

  نشرت مصادر إعلامية عربية بحثا عن توقعات تطور الأوضاع العالمية على ضوء المستجدات التي تبلورت مع نهاية سنة 2016 جاء فيه: « لا خلاف بل هناك إجماع على وصف 2016 بأنها كان عاما سيئا، عربيا وعالميا. ولعل العناوين البارزة فيه تختصر بكلمات ثلاث: السقوط والتطرف والشعبوية.

كان عاما مفصليا في تغيير القيم السائدة، وأصبح مؤكدا أن ثمة نظاما عالميا قيد التخلق، ولن تتضح أسسه سريعا، إلا إن بعض مؤشراته الخطيرة قد ظهرت في الولايات المتحدة وروسيا والصين، فضلا عن أوروبا، سواء في الابتعاد عن العولمة وإعلان فشلها تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، أو في المراجعة التي تشهدها الزعامة العالمية للخروج من القطبية الوحيدة والعودة إلى تعدد الأقطاب.

فروسيا قطعت شوطا واسعا في استعادة قوتها الإمبراطورية وتسعى إلى المزيد، والصين لم تعد مكتفية بالتفوق الاقتصادي والتجاري بل تريد تأكيد نفوذها الإقليمي وتوسيع نطاقه. أما التراجع الأمريكي دوليا فيعزى إلى تبديل أولويات في استراتيجيتها، وليس إلى ضعف في وسائل الهيمنة.

لذلك تلوح السنة الجديدة كمرحلة انتقالية تجريبية سيصار فيها الى اختبار مجالات التوافق الأمريكي الروسي ومدى انعكاس هذا التوافق على التنافر المرشح لأن يصبح مواجهة أمريكية صينية.

نادرا ما نظر عالميا بسلبية إلى انتخاب رئيس جديد في الولايات المتحدة، كما حصل مع دونالد ترامب، فباستثناء روسيا وإسرائيل اللتين حظيتا بكل مواقفه الواضحة في إيجابيتها، والصين التي تلقت كل إشاراته الاستفزازية، لا تزال معظم الدول الأخرى فريسة الغموض المخيم على توجهاته.

بدءا من أوروبا الغربية، الحليف الأول التاريخي للولايات المتحدة، التي باتت أكثر يقينا بأن منظومتها الدفاعية تحت مظلة حلف الأطلسي « الناتو » قد تتعرض لهزة كيانية مع ترامب الذي يبدي استعدادا متزايدا لطمأنة فلاديمير بوتين باستجابة ما لمطالبه التي لم يرفض باراك أوباما البحث فيها فقط بل شجع المضي في كل خطط « الناتو » رغم ما فيها من تحديات لموسكو.

أما في الشرق الأوسط، فيبدو انحياز ترامب المبكر والمتهور لمصلحة إسرائيل، مع عدم اكتراثه بمأساة سوريا أو العراق، فينذران بتخل مروع عن المسؤولية في نزاعات كان لأمريكا دور مباشر وغير مباشر في تعقيدها وتأجيجها. وأما بالنسبة إلى الخليج العربي، فيخشى أن تكون مواقفه من إيران مجرد استعراض قوة فارغ من أي تصميم استراتيجي على ضمان أمن المنطقة واستقرارها.

 الحاصل الآن في الغرب، بعد موجات الهجرة وتدفق اللاجئين، وبعد استشراء الإرهاب وعملياته، وفي ظل أزمة اقتصادية متمادية، أن الشعبويين يحتلون الواجهة ويستعدون للحكم بشعارات غير مألوفة بعنصريتها وبميلها لإخضاع روح القوانين لمعايير الشارع. وتكمن المفارقة في أن هؤلاء يوجدون بمعظمهم في صفوف اليمين المتطرف الذي يجهر بإعجابه ببوتين ونمطه السوفييتي المتجدد.

وقد غدا الرئيس الأمريكي المنتخب نسخة نموذجية يحاول العديد من ساسة الغرب تقليدها معولين على استنهاض الغرائز في مجتمعاتهم. ربما يحاجج البعض بأن للتغيير الحاصل أسبابه الاقتصادية والاجتماعية، أولا وأخيرا، لكن فيه تكيفا مريبا مع ما تمنته أنظمة الاستبداد وجماعات الإرهاب.

أخطار أزمة إقتصادية مدمرة

  تناول بحث وضعه محمد العريان كبير الاقتصاديين بمجموعة « أليانز » بالولايات المتحدة، إمكانية تهديد سياسات ترامب الإقتصادية لإستقرار الأسواق خلال سنة 2017:

« كانت ردة فعل أسواق المال خلال الشهرين الأخيرين من عام 2016 حيال النتائج غير المتوقعة للانتخابات الأمريكية ، مثالية ليس فقط على صعيد فئات الأصول التي تمثلت في تحليق الأسهم ومعدلات العائد على سندات الخزانة، وإنما ضمن الفئة الواحدة مثل أسهم القطاع المالي والدولار.

وتعكس ردة الفعل تلك الآمال المعلقة على معدلات نمو اقتصادي أعلى وانتعاش التضخم وتدفق الاستثمارات على الأسواق في ظل ما هو معلن من سياسة الرئيس ترامب من تخفيضات ضريبية وتخفيف القيود التنظيمية والإنفاق على مشاريع البنى الأساسية.

لكن ما هو أكثر إثارة للدهشة هو أن ردة الفعل تلك تمت بطريقة منتظمة مع غياب مؤشرات الإحباط في أوساط المستثمرين الذين لم يكن الكثير منهم جاهزا لما يطرأ من إعادة تسعير مفاجئة للأصول المالية.

ويبدو أن « ترامب نوميكس » أو السياسة الاقتصادية لإدارة ترامب، ستكون واحدا من أبرز محركات الأسواق لعام 2017 مع تركيز المستثمرين اهتماماتهم على عنصرين، انتقال الوعود الانتخابية إلى مرحلة التخطيط والتنفيذ ثم نتائج ذلك خاصة عندما يتعلق الأمر بالجمع بين النمو الاقتصادي والتضخم.

لكن عندما يتعلق الأمر بالثلاثي الأكثر تأثيراً في شعور ورضا المستثمرين وهو العائدات وثبات السوق وتذبذبه، فلا بد هنا من متابعة تأثير أربعة عوامل.

أولها: سياسة نقدية لا تعتمد كلياً على البيانات. قد تدفع السياسة المالية الفعالة في ظل إدارة ترامب إلى جانب أداء اقتصادي نشط، مجلس الاحتياطي الفيدرالي انتهاج سياسة نقدية مستقلة عن البيانات الاقتصادية إلى حد ما، وقد يصبح تحركه استراتيجياً ويميل إلى تشديد السياسة النقدية إلى حدود تتجاوز توقعات الأسواق.

ثانياً: توازن ناقص في السياسة المالية العالمية. ويأتي تشدد الاحتياطي الفيدرالي كجزء من عملية إعادة توازن في السياسة المالية على مستوى العالم بعد إفراط في الاعتماد على البنوك المركزية. وهذا لا شك أمر إيجابي نظراً لأن مزايا السياسة غير المتوازنة كانت تتناقص بينما ترتفع المخاطر والتكاليف. إلا أنه لا أحد قادر على تحمل أعباء ذلك التحوّل سوى الولايات المتحدة الأمريكية ذات الاقتصاد القوي وما ترتب على انتخاب دونالد ترامب. أما في الصين وأوروبا واليابان فلا مفر من الاعتماد على البنوك المركزية باعتبارها الحل الوحيد المتاح.

ثالثا: التباين ومخاطر الدولار القوي جدا. المؤكد أن التباين بين سياسات البنوك المركزية الكبرى وما ينتج عنه من فروق في معدلات أسعار الفائدة سوف يزيد الضغوط على الدولار. ومع نزوح المزيد من الرساميل الآسيوية والأوروبية إلى أمريكا سعيا وراء العائدات الأعلى سوف يكتسب الدولار مزيدا من القوة إلى مستويات أعلى مما تفرضه العلاقات الاقتصادية، وهذا سوف يغذي مناهضة العولمة ويؤجج نار الحمائية.

رابعا: التعامل مع دعوات مناهضة المؤسسة. ربما تتشابك تأثيرات الحركات غير التقليدية لتتخطى ضفتي الأطلسي. ففي الولايات المتحدة التي تمتاز بصرامة رقابتها والتوازن الدقيق بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، سوف تطرأ الاضطرابات السياسية من تعدد معايير قياس أداء الاقتصاد.

والأمر مختلف في أوروبا التي تعتمد على مؤشرات أساسية أقل تنوعا، حيث تتمثل التحركات في إعادة بناء علاقات بريطانيا التجارية مع دول الاتحاد الأوروبي وفي ضغوط الحركات الشعبوية في فرنسا وهولندا وألمانيا التي تجري فيها انتخابات هذا العام، الأمر الذي يعرقل التنسيق على المستوى الإقليمي ويزيد هشاشة الوضع الاقتصادي.

وكل هذه العناصر تزيد من احتمالات « عدم الاستقرار » وسط ردات فعل كل من السياسة والاقتصاد حيال نمو اقتصادي ضعيف مزمن. ومثل هذه الحالة تطرح أسئلة محرجة على المستثمرين ليس فقط في أي اتجاه يتحركون وإنما كيف يكون شكل التحرك في الاتجاه المحدد. وسط هذه الصورة تصبح أدوات التحليل والتنبؤ التقليدية أمام تحديات جديدة خاصة عندما يتعلق الأمر بتوجيه المحافظ ذات الاستثمارات طويلة الأجل.

وخلال الأسابيع المقبلة يعتمد استمرار طفرة ترامب على الطريقة التي يترجم بها الرئيس المنتخب وإدارته وعوده إلى برنامج عمل.

أما خارج الولايات المتحدة فالمطلوب من الحكومات إزالة كل عراقيل تنسيق السياسات المالية العالمية وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التي تدعم النمو.

في الوقت نفسه ينصح المستثمرون باقتناص بعض الفرص وإعادة توازن عملية تعرضهم للمخاطر لصالح قطاعات لم يكن أداؤها نشطاً مثل قطاع التقنية التقليدية.

كما ينصحون بالاستثمار في الأسواق الناشئة ذات الموازين الختامية القوية والتي تمتاز بالحد الأدنى من الفوضى النقدية والحد الأعلى من الإدارة المنضبطة.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

Leave a Comment

Cancel reply