مع هنري لاووست في كتابه: “نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع (7)

مع هنري لاووست في كتابه: “نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع (7)

*ابن تيمية من العقيدة إلى المساهمة السياسية..؟

بقلم // ذ. محمد السوسي

كان التعليم وإنقاذ المغاربة من الجهل والأمية هدفا أساسا ومركزيا لدى الحركة الوطنية المغربية منذ تأسيسها وانطلاق عملها ولم يكن هذا التوجه في الواقع إلا استمرارا لما عرفه المغرب من عمل دءوب منذ مجيء الإسلام في نشر العلم وتأسيس الجوامع والمدارس والكتاتيب القرآنية التي كانت البداية وكانت منتشرة في كل حي ومدشر وقرية وتعدد بتعدد المساجد وتوافر السكان وقل أن تجد قرية أو دوار دون أن يكون لديهم فقيه مشارط يؤم الصلاة بالناس ويعلم الصبيان، ولم تكن القبائل شحيحة أو مقبوضة اليد في الاتفاق بل كانت تتعاون وتوقف الأوقاف وترصد الأموال لذلك، والذي أضافته الحركة الوطنية لهذا هو تسابق ذووي الفصل واليسار إلى تأسيس المدارس الحرة وتمويلها لتوسيع قاعدة الأطفال الذين يرتادون الكتائب وهذه المدارس وكانت بعض هذه المدارس كتاتيب قرآنية وكان في قمة هذا العمل الاحساني ما قامت به امرأة فاضلة محسنة حيث أسست مسجد القرويين منذ 1157 عاما 850م -2016 وتحل هذه الذكرى اليوم ولاشك أن فضل جامعة القرويين لا يمكن الإحاطة به في هذه العجالة.
وهكذا تنافس الناس وتنافست القرى والمدن بل حتى الأحياء في المدن لإيجاد هذه المدارس التي تطوع للتدريس فيها شباب من طلبة بجانب العلماء الذين كانوا جميعا يسعون لرفع الجهل والأمية إذ كانوا ينظرون إلى الأمر كما قال شاعر سوس المختار «فالهلاك ولا الجهل»، وكم تخرج من المدارس الحرة من شباب قامت على أكتافهم النهضة العلمية والأدبية في مغرب ما بعد الاستقلال والذي تولى تعليمهم والإنفاق عليهم هو الحركة الوطنية المغربية بتبرعات واكتساب أبناء الشعب.
وانتقل المغرب ولم يبخل المغاربة على التعليم وأوقفوا الأراضي وأسسوا مدارس لتعليم أبنائهم وعجز بإمكانيات الحكومة على إيجاد المعلمين، ففتح الباب للتكوين والتحق بالتعليم أفواج من الشباب والكهول الذين تم تكوينهم على عجل، وهكذا أخذت الدولة المغربية على عاتقها مسؤولية انتشار التعليم وتعميمه، وكانت المبادئ الأربعة المعروفة –التعميم- التعريب –التوحيد – المغربة.
ولكن حدث نكوص في هذا المجال كما حدث في غيره لأن إبعاد الشعب مع انعدام المؤسسات الديمقراطية الحقيقية أتاح الفرصة لكثير من الناس الذين لا يلتزمون بهذه المبادئ الأربعة والتي كان الدفاع عنها معركة أساسية من المعارك الكبرى التي خاضها المناضلون والرأي العام الوطني بصفة عامة ضد التقليص من انتشار التعليم وضد استمرار الفرنسة ولكن اللوبيات الأجنبية ومن تخالف معها وقف ضد التيار وكان مشكل التعليم من بين المشاكل التي تعقد الندوات من أجل إيجاد الحلول ولكن الحلول التي يقدمها الخبراء والمختصون لا تسير وفق النظرة الرسمية وخبراء السياسة الاستعمارية التي تريد فرض هيمنتها اقتصاديا ولغويا وسياسيا، فتنفض هذه الندوات من غير طائل وجاءت سياسة التقويم الهيكلي في منتصف الثمانيات في القرن الماضي لتحد من الإنفاق في المجال الاجتماعي واستتبع ذلك تأثيرا سلبيا على مسار التعليم ببلادنا وهنا برز نوع جديد من مجال الإثراء والاتجار في مجال التعليم فانتقل ما كان يسمى التعليم الحر الشعبي المبني على التضامن إلى تعليم خصوصي المبني على الاتجار والربح أكثر مما بنى على غيره. 
واستتبع ذلك القيام بحملة ضد التعليم العمومي ونتج من خلال كل ذلك مقولة تدهور مستوى هذا التعليم وكانت الندوة الكبرى التي ساهم فيها أعضاء البرلمان لولاية 93-97 مع الكثير من الخبراء الذين استعانت بهم الدولة وكان الهدف التراجع عن التعريب والتعميم والمجانية، ولكن هذا الهدف لم يتحقق لأن الناس على اختلاف مواقفهم حتى الذين ظن من اختارهم أنهم سيخدمون هذا التوجه لم يصمدوا أمام حجج غيرهم التي ترى ضرورة قيام الدولة بواجبها في ميدان التعليم، لتلغى هذه الندوة أو اللجنة ونتائجها لتؤسس اللجنة الوطنية للتربية والتكوين وكانت تروم تحت مسمى لغات التدريس بالجمع التراجع عن التعريب وعن طريق تضخيم ميزانية التعليم التراجع عن المجانية ولكنها بدورها اصطدمت بالرأي العام الذي يريد من الدولة أن تتحمل مسؤوليتها.
واليوم تعاد الكرة من جديد في محاولة للعودة للفرنسة مع أن اللغة الفرنسية اليوم لا تصنف لغة العلم ولا لغة الانتشار على المستوى العالمي، وأهلها في بلدهم يرون أنهم دون ما هو مطلوب علميا وانتشارا، ولكن اللوبيات اللغوية لا تزال تحاول المحاولة تلو الأخرى لفرض أمر واقع، وهو ما يتم الترويج له مع الدعوة لإلغاء المجانية وفرص تكاليف التعليم على الأولياء مع نقص ذات اليد ومع كل الظروف الاجتماعية القاسية وغلاء الأسعار وتدني الأجور ومعاناة ذووي المهن الحرة والمقاولات الصغرى والمتسوطة بل وكثير من المقاولات الكبرى.
إنها ظروف تفرض على من يسعون لفرض الاستعمار اللغوي وتكاليف التعليم على الفقراء والضعفاء أن يراجعوا حساباتهم ويستحضروا الواقع الذي يرفض ذلك وأن لا يدفعوا بالبلاد إلى الهاوية إنها أفكار عنت لي في مدخل حديث الجمعة اليوم ونعود إلى مناقشة (لاووس) وأفكاره وأبحاثه حول ابن تيمية .

 ابن تيمية من العقيدة إلى المساهمة السياسية

البيئة السياسية
نواصل الكلام عن الشيخ (ابن تيمية) من وجهة نظر “لاووس” وإذا كنا تحدثنا في الحديث الأخير عن البيئة السياسة والاجتماعية والجهادية “إن شئت” التي نشأ فيها (ابن تيمية) فإن المؤلف خصص الفصل الثالث من المجلد الأول في الترجمة العربية من كتابه لنشاط ابن تيمية السياسي، وإذا كان المؤلف قد أراد من كتابه أن يعبر عن آراء ونظريات (ابن تيمية) السياسية والاجتماعية فإن السؤال هو ما إذا كان ابن تيمية قد مارس السياسة بالفعل؟ من المؤكد كما أسلفنا أن (ابن تيمية) لم يكن سلبيا تجاه الهجمة الصليبية على الشرق الإسلامي، كما لم يكن كذلك بعيدا عن مقاومة التتار حتى بعد إعلانهم الانتماء للإسلام، ومن هنا كان من الطبعي ان يرتبط كل ذلك بموقف (ابن تيمية) من السياسة الجارية في الشام ومصر، وغيرهما من البلاد الإسلامية إذ كان (ابن تيمية) ينظر للإسلام وللفقه السياسي الإسلامي كما ينظر للجانب العقدي والكلامي من خلال انتصاره لما اعتبره عقيدة السلف.
التمييز والفصل
والمؤلف الباحث “لاووس” حاول من خلال الرجوع إلى كتب التاريخ التي اعتنت بالشيخ ابن تيمية وآرائه ومواقفه كانت سياسية أو عقدية أو اجتماعية ليستخلص من ذلك ما كان للرجل من مواقف وما نشأ عن هذه المواقف من متاعب ومصاعب للرجل، لقد اختلط السياسي بالعقدي والاجتماعي والجهادي في حياة الشيخ (ابن تيمية) ولكن لابد من فرز الأمور وتمييز بعضها عن بعض ليتبين الأمر وينكشف الموقف الذي يرتضيه (ابن تيمية) ويقف عنده ليس باعتباره رأيه الشخصي واجتهاده الخاص ولكن باعتباره موقف الشرع مع دعم ذلك بالنصوص التي يقف عند ظاهرها وليس على ما يمكن أن تحتمله من مفاهيم تأويلية معينة يلجأ إليها غيره من العلماء والفقهاء.
الالتزام الشامل
ومن خلال ما ورد في هذا الفصل الثالث يمكن أن يكشف الإنسان ما ورد أثناء وبعد ذلك من مواقف وفتاوى الشيخ رحمه الله والتي كانت وراء متاعبه الكثيرة.
لقد ارتأى الباحث أن يورد في هذا الفصل الثالث ما عاشه ابن تيمية من مواقف صعبة بل مواجهات مصيرية بالنسبة له إذا أفضت به في بعض الأحيان إلى غياهب السجون والمعتقلات، ولكن الرجل لم يستسلم مع ذلك لما كان يروجه خصومه ويدعونه كان ذلك في مجال التزامه السياسي واحترام أولي الأمر في تلك المرحلة أو ما يتعلق بتنوير الرأي العام من خلال الفتوى والموقف في التزام شامل.
البيعة والغلبة
وهذا في الواقع لم يكن سياسيا صرفا، وإنما كان يمتزج فيه السياسي بالعقدي، وينبغي هنا أن نستحضر ان الحاكم في البلاد الإسلامية يتوجس دائما من الفتوى ومن الموقف الذي ينتج عن الفتوى من لدن العامة، ولاسيما إذا كان المفتي ذا نفوذ ومكانة عند الناس، وكانت الفتوى مما له مساس بالعقيدة وما يتبع ذلك من فرض أحكام واجتهادات من لدن الفقهاء والعلماء المسايرين لأولي الأمر مهما كان الموقف الذي يتخذونه أو يفرضونه على الناس، ولم يكن الحكام دائما في مستوى ما يتطلبه الأمر من إدراك للأحكام وقدرة على الإفهام والاستنباط إذ كان مما يعتبرونه في تولي الأمر هو أسلوب الغلبة وهو أسلوب من الأساليب التي يقر الفقهاء أنها تتم بها البيعة.
المشاركة السياسية
وعلى أي حال فإن البداية السياسية لابن تيمية يوردها الباحث في افتتاح الفصل الثالث من المجلد الأول من الترجمة العربية كما أسلفنا ص:276 وما بعدها وفي بداية الفصل يلاحظ الباحث أن ابن تيمية لم يتسرع في اتخاذ مواقف سياسية في شبابه الأول ويذكر المؤلف لذلك بعض الأسباب التي يراها تبرر ذلك السبب الأول التفرع من أجل استكمال التكوين العلمي وفي هذا الصدد يقول المؤلف الباحث:
التفرغ للتحصيل
«جاءت مشاركة أحمد بن تيمية في أحداث عصره السياسية في مرحلة متأخرة جدا من حياته، وكان قد عرف في عصره وعبر التاريخ كمجادل مناضل، كما كان عالما وفقيها حنبليا مشهورا بدمشق. ولقد اتسمت حياته حتى عام 698ه، الذي تجاوز فيه الثلاثين من عمره بالهدوء النسبي، ولم يذكر لنا مؤرخوه شيئا عن ملابسات التغير الذي طرأ عليها بعد هذا التاريخ، ولا نستطيع نحن أن نتوصل إلى تفسير له إلا إذا اعتمدنا على قدر من النخمين. وكان ابن تيمية بعقل رزين متصف بالحذر، وبإيمان راسخ، ولاشك أنه أحس بحاجته إلى سنين طويلة لكي يتم فيها نضجه العقلي وتكوينه العام بالإضافة إلى تكوين علمي إسلامه متكامل قبل أن يتخذ لنفسه موقفا معينا في المعركة.
تداخل السببين
وأما السبب الثاني فإن المؤلف يرجعه إلى رغبة ابن تيمية في تعقيد الأمور بتدخله في شأن ما يجري نظرا لما يمكن أن يترتب عن هذا التدخل من نتائج لا يرغب فيها الشيخ، وهذا التعليل للسبب يمكن أن يكون مع السبب الأول سببا واحدا فالتكوين العلمي شرط لإبداء الرأي لدى العالم، والعالم لا يمكنه أن يدفع بالمجتمع إلى المخاطر يقول الباحث المؤلف:
تجميد النشاط
«وقد يكون هناك سبب ثان هو أن الفترة السابقة لعام 698ه –أي تاريخ بدء خصوماته مع السلطات الإدارية-كانت فترة سادت فيها الاضطرابات السياسية وزاد فيها تهديد الخطر من الداخل والخارج. ولاشك أن هذا القلق المزدوج وولاء ابن تيمية السياسي قد فرضا عليه تجميدا كاملا لنشاطه النضالي، فمن الجدير بالملاحظة أن نشاطه الجدلي كان يقل بوجه عام في فترات الاضطراب، وبالعكس في الفترات التي كانت تقوى فيها سلطة الدولة ويبتعد فيها شبح تهديد السلام».

hassan-II

درس للعبرة
إن الباحث يتعامل في هذا الفصل بموضوعية واضحة ويسجل مدى إخلاص الشيخ ابن تيمية لصالح الإسلام والمسلمين، وهذا في الواقع يسجل أمرا مهما بالنسبة للذين يريدون أن يتخذوا ابن تيمية نموذجا ومثالا لهم، فهو يحرجهم من حيث تعاونه وارتباطهم مع أعداء الأمة، بل تحريض أعداء الأمة ضد شعوب ومجتمعات مسلمة، كما بين كذلك للذين يرون في ابن تيمية شخصيا فوضويا يشجع على الثورة، فإن منا يرونه ويصرح به الباحث هو درس للعبرة لهؤلاء وأولئك، يقول الباحث:
الإخلاص والتفاني
«وبدافع من شعور الإخلاص والتفاني، كان ابن تيمية يتخذ مواقفه النضالية من أجل خير الإسلام والمسلمين وباعتبار أنه لا انفصام بينهما، ونلاحظ في نشاطه هذا أنه كان يتحرك بوصفه مواطنا عاديا لا موظفا حكوميا، فلم نره قط –مبالغة منه في استقلاله وفي إنكاره لذاته- يشغل منصبا من المناصب الكبرى التي كان الفقهاء يرحبون بها وكانت الدولة تكافئ بسخاء كل من كان يظهر في شغلها قدرا من المرونة مع الكفاءة، وكان سلوك ابن تيمية يتفق مع ما تمليه النصيحة المخلصة والمشاركة الوقورة الفعالة في حياة الجماعة.
الإيقاع والابتلاء
يتحدث المؤلف في الفقرة الموالية عن البعض الذين كانت لهم خلفيات معينة ويسعون للإيقاع بين ابن تيمية وغيره من العلماء والسلطات الوقتية لأنه ما كان يمتاز به من إخلاص ووفاء للإسلام والمسلمين والتزامه النصيحة الخالصة لم يكن ذلك ليسمح له بالمداهنة وفي هذا يقول:
وفي أحيان كثيرة كان يستثار بالفتاوى التي كانت تطلب منه لكي يتجه هذا الاتجاه، وهو اتجاه غاية في الخطورة لأنه كان يؤدي إلى الإثارة أكثر من الفائدة، كما أن الإخلاص الذي حركه منذ البداية أمكن تفسيره من جانب البعض بأنه اختيال في غير موضعه أو أنه يخفي غرضا خفيا، ولهذا تعرض ابن تيمية بدوره إلى البلاء الذي سبق أن تعرض له كثير من علماء الإسلام الأجلاء الذين اعتبروا فيما بعد خير ممثلين للفكرة الإسلامية الصحيحة، ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري فضلا عن ابن حزم والغزالي».
نجاح أو فشل؟
هل صحيح أن ابن تيمية فشل في حياته السياسية؟ إن الجواب لا يمكن أن يكون إلا باعتبار نتائج تأثير ابن تيمية في محيطه ومدى استجابة الرأي العام لمواقفه، ويظهر أن الفشل إذا كان يعني به عدم تسنم ابن تيمية لمناصب سياسية فهذا يتعارض مع ما قدمه من أن ابن تيمية كان هدفه الإخلاص للإسلام والمسلمين وهذا في الواقع حقق فيه ابن تيمية نجاحا كبيرا والى حد اليوم ومهما يكن فإن الباحث المؤلف يقسم حياة ابن تيمية إلى مراحل ثلاثة وهي:
مراحل المساهمة
ولهذا فإن تاريخ مشاركة ابن تيمية في الحياة السياسية هو إخفاق له أكثر منه نجاح، ونستطيع أن نقسم ذلك إلى ثلاث فترات، الفترة الأولى التي خاض فيها المعركة بدمشق من عام 698ه إلى 705ه وتميزت بحادثة «العقيدة» الحموية الكبرى ثم الحرب ضد التنار والنصيرية، والفترة الثانية: إقامته بمصر من 705 إلى 712ه ودخوله السجن مرتين بالقاهرة والإسكندرية، والفترة الثالثة: عودته إلى دمشق وتتميز بمجادلاته ضد تقديس الأولياة وفي الطلاق ثم وفاته بسجن القلعة.
المتشابه والسياسة
لاشك أن هذه الفقرة من حياة ابن تيمية تعتبر مفتاحا أساسا في جهاد ابن تيمية العقدي وليس السياسي، لأنها تتناول في الواقع أسس ما يعرف في تاريخ الجدل الكلامي الأساسي بعقيدة السلف أو ما يسميه ابن تيمية عقدة أهل السنة والجماعة، ولعل العودة إلى الموضوع بشيء من التفصيل تتم في المستقبل.
والعقيدة الحموية هي رسالة من بين رسائل كثيرة عالج فيها ابن تيمية الكلام عن معاني الآيات والأحاديث التي تدخل في المتشابه الذي أثار ولا يزال يثير إشكالات لدى الناس يقول الكاتب الباحث:
الذات والصفات
«كان دخول ابن تيمية المدوي في الحياة السياسية بمناسبة قضية ذات صبغة عقدية بحثة. فقد طلب إليه أهل حماه فتوى شرعية يبين لهم فيها صفات الله وطبيعتها، وأوفق طريقة لفهم العلاقة بين الذات والصفات. أما أسباب طلب هذه الفتوى والظروف التي لابستها فلا نعلم عنها شيئا، ولم يشر كتاب سيرته بشيء عن شخصية من طلبها، كانت القضية على جانب كبير من الأهمية في مجال العقيدة الإسلامية ثم إنها أثيرت في جو من الجدل العنيف مع الأشاعرة، والمتكلمين، وكانت الإجابة ملحة».
الرسالة الحموية
«وجاءت الإجابة سريعة قاسية، ففي ربيع الأول من عام 698ه عكف ابن تيمية في عصر يوم واحد –كما يقول كتاب سيرته- على كتابه إجابة مطولة في ست ورقات ذات الحجم المتوسط خلدت بعد ذلك عبر تاريخ العقيدة الإسلامية باسم «العقيدة الحموية الكبرى». وكانت كتابة مثل هذه المؤلفات التعليمية بواسطة الأفراد عادة قديمة في الإسلام، استلزم ظهورها غياب سلطة مختصة بتحديد العقيدة الرسمية في الدولة مما حدى بكل عالم أن يحدد جوهر عقيدته، بعد عمل دائب وطويل في مجال التفسير، من أجل نشرها أو الدفاع عنها، ولقد ألف ابن تيمية في نفس الفترة، عقيدة أخرى أكثر اكتمالا واقل طولا هي «العقيدة الواسطية» بناء على طلب جمع من علماء الواسط وهو مركز حنبلي كبير انتبه القلق بسبب جهل جمهور الناس بمبادئ الذين الإسلامي الأولية، وكتب ابن تيمية فيما بعد ملخصات أخرى مشابهو لم تحظ إحداها بما حظيت به والعقيدة الحموية الكبرى من دوي هائل».
لا كهنوت ولا واسطة
يشير المؤلف هنا إلى أمر مهم جدا وهو غياب سلطة لتحديد العقائد وهذا ميزة من مميزات الإسلام إذ ليس فيه سلطة كهنونية من شأنها أن تفرض على الناس ما تزيد، وليس ببعيد ما مر بنا هنا من الحديث عن محنة ابن حنبل وما جرى له مع الخليفة المامون العباسي.
القراءة والتصحيح
ولم يكن نادرا أن تتدخل السلطات الإدارية لفض منازعات العلماء أو الفقهاء ولمنع بلبلة الرأي العام، فاتخذ سيف الدين جاعان إجراءات عاجلة، فأرسل من يضرب المنادي الذي كان يعلن في كل مكان عن فسوق ابن تيمية، ووقع عقوبات أخرى بالضرب الشديد، غير أنه لم يكن يستطيع الوصل إلى رؤوس الفتنة الذين لجأوا إلى السرعة في الاختفاء بقدر ما اعتمدوا على الخبث والحقد في إثارة الفتنة.
كان الموقف يحتاج إلى تصحيح، ويتطلب من السلطة الفصل في أصل النزاع ويصف لنا المرعى كيف انتهت الأحداث فيقول (ثم اجتمع الشيخ ابن تيمية بالقاضي إمام الدين الشافعي وواعده لقراءة (العقيدة الحموية) فاجتمعوا يوم السبت رابع عشر الشهر من بكرة النهار إلى نحو الثلث من ليلة الأحد، ميعادا ……..
الحوار والمناظرة
إن هذه الفقرة كغيرها من بعض الفقرات المشابهة تبين بوضوح كيف كان ولاة الأمر يلجأون إلى الحوار رغم ما يتخذونه من إجراءات سلطوية ولكن النهاية هي اللجوء إلى الحوار ومجالس للعلماء للمناظرة والمناقشة لإقامة الحجة كما يقولن وهو أسلوب كان متبعا في العالم الإسلامي وفي تاريخ المغرب هنا حالات كثيرة نشير منها إلى المناظرة بين ابن تومرت وعلماء عصره في القصر المرابطي، وفي تاريخ المغرب المعاصر مناظرة العلماء للشيخ محمد عبد الكبير الكتاني في مدينة مراكش وقد لجأ المرحوم الحسن الثاني رحمه الله فيما بلغني إلى العلماء لتحرير موجب في شأن اتخاذ الإجراءات التأديبي أو العقابي في حق أحد العلماء الذين كانت مواقفه مثيرة للجدل طيلة وجوده نظرا للعلو الذي كان بيديه هو وإتباعه وعن هذا الأسلوب في المعالجة يقول المؤلف:
محاربة التتار
وسوف نرى ابن تيمية في ظروف جد مختلفة وفي صورة جديدة، كل الجدة يشارك بنفسه في الحرب ضد التتار، يروي الشيخ أبو حفص (ولما ظهر السلطان بن غازان على دمشق المحروسة جاءه ملك الكرج ودل له أمولا كثير جزيلة على أن يمكنه من الفتك بالمسلمين من أهل دمشق فوصل الخبر إلى الشيخ فقام من فوره وشجه المسلمين ورغبهم في الشجاعة ووعدهم على قيامهم بالنصر والظفر والأمن، وزوال الخوف، فانتدب منهم رجال من وجوههم وكبرائهم وذوي أحلامهم فخرجوا معه إلى حضرة السلطان غازان، فلما رأى الشيخ أوقع الله له في قلبه هيبة عظيمة حتى أدناه منه وأجلسه، وأخذ الشيخ في الكلام معه في عكس رأيه من تسليط المخذول ملك الكرج على المسلمين وأخبره بجرمة دماء المسلمين وذكره ووعظه، فأجابه إلى ذلك طائعا وحقنت بسببه دماء المسلمين وحميت ذراريهم وصين حريمهم).
ابن تيمية والقسام
إن ابن تيمية رحمه الله لم يكن من أولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ولكنه كان يتقدم الصفوف، ويناضل في سبيل الله ونصرة الإسلام والمسلمين، وها هو ذا يتحدث المؤلف الباحث عن ابن تيمية وهو يخرج للجهاد دفاعا عن الإسلام وصدا لهجمات التيار الذين عاشوا في الأرض فسادا والذين جاءوا ليواصلوا الدور الذي قام به سلفهم (هلاكوا) في بغداد والسلام والذي ورد أنه قتل في بغداد عند هجومه أربع وعشرون ألف عالم من علماء الإسلام، وهو رقم يدل على مدى سعة أستار العلم، وكان العلماء يدرسون باب الاجتهاد في الفقه ومما يحكي عن عز الدين القسام وهو مجاهد فلسطيني أنه كان يقرأ باب الجهاد مع طلبته فقرر أن يكون فعالا لأقوال فقاد ثورة في فلسطين أنتجت بعد ذلك كتائب القسام التي لا تزال منتشرة حتى اليوم.

ابن تيمية من العقيدة إلى المساهمة السياسية

                                  *ابن تيمية من العقيدة إلى المساهمة السياسية

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا