مع الناس: مائة يوم من الوضوح…

مع الناس: مائة يوم من الوضوح…

مع الناس: مائة يوم من الوضوح…

  • بقلم // د. عادل بنحمزة

عمد البعض إلى تحوير عنوان الرواية الشهيرة للكاتب العالمي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز  “مائة عام من العزلة”، وذلك للتعليق على مرور مائة يوم من تكليف السيد عبد الإله بنكيران بتشكيل الحكومة، حيث وصف البعض ذلك ب “مائة يوم من العزلة” !، في تلميح لعزلة بنكيران.. وهي وجهة نظر صادرة عن جهات تبحث فعلا عن هذه العزلة وسعت إليها منذ 8 أكتوبر الماضي.

رواية ماركيز التي كتبت سنة 1967 كانت واحدة من الروايات التي على أساسها فاز ماركيز بجائزة نوبل للآداب سنة 1982، هذا النص الروائي ينتمي لمدرسة أدبية تميزت بها أمريكا اللاتينية في تلك الفترة و هي مدرسة الواقعية السحرية، وحسب النقاد فهذه المدرسة تمتزج فيها عناصر الأسطورة بالواقع..ورواية “مائة عام من العزلة” جسدت ذلك بشكل كبير، سواء من خلال الأحداث أو الأشخاص أو الأماكن، إنطلاقا من بلدة “ماكوندو” الوهمية، ومرورا بعائلة “بوينديا” غريبة الأطوار و الاي تتميز بانفصال أفرادها بعضهم عن بعض رغم انهم يقطنون بيتا واحدا، ووصولا إلى زنى المحارم الذي نتج عنه ميلاد طفل بذيل خنزير.

طبعا هناك وقائع أخرى غرائبية داخل الرواية، حيث أعتقد أن بعضا ممن سارعوا إلى تحوير عنوانها لتوصيف الحالة السياسية في البلاد، لم يطلعوا على الرواية من أساسه، لأن إسقاط وقائع الرواية على الواقع السياسي هنا و الآن، يعطي في النهاية مفعولا عكسيا للغرض من توظيف عنوان رواية ماركيز.

بعيدا عن عالم الأدب، فإن المائة يوم وزيادة التي مرت إلى حدود الساعة دون أن يتمكن الرئيس المكلف من تشكيل الحكومة، ورغم ما يعكسه ذلك من وضعية مقلقة للسياسة والديمقراطية، فإن هذه الفترة كانت أيضا فرصة للفرز والوضوح، وهذا الأمر مهم جدا في تطور الحياة السياسية بالبلاد، لأن مثل هذه الأحداث الكبرى هي من يساهم في عملية تصنيف القوى التي لازالت تؤمن بإمكانية الإصلاح وتنزيل التعاقدات الكبرى، وبين أطراف لم تستوعب إلى اليوم أهمية القوى والسندات الذي تمنحه الديمقراطية لأية دولة تواجهه تحديات داخلية وخارجية حاسمة.

قد تكون المائة يوم في أحد أوجهها أياما من العزلة، لكن السؤال يبقى هو عزلة من؟ عن من؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية و الجوهرية التي يتهرب البعض من مواجهتها، ويهربون من النقاشات الحقيقية إلى الأجوبة السهلة التي تخدم إنتظارات لأطراف معينة، لكنها في النهاية لا تحمل على الإطمئنان فيما يتعلق بالمستقبل، ولا تعمل سوى في إنضاج مزيد من الأسئلة، ويبقى الأهم من كل ذلك أن لا يعيش الوطن في عزلة…

 د. عادل بنحمزة

للتواصل مع الكاتب:

benhamza75@gmail.com


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا