مع الناس: خلفيات الصراع التركي الهولاندي

مع الناس: خلفيات الصراع التركي الهولاندي

مع الناس: خلفيات الصراع التركي الهولاندي

  • بقلم // د. عادل بنحمزة

المواجهة المفتوحة التي تعرفها العلاقات التركية الهولاندية، هي فقط تعبير على التوترات القادمة بين بقايا الدولة العثمانية و من ينظرون إلى الاتحاد الأوربي كنادي مسيحي مغلق، حيث أن اوربا اعترضت على انضمام تركيا إليها، و فرضت شروطا كبيرة، في المقابل قبلت دول المعسكر الشرقي سابقا و كل من كان يدور في فلك الاتحاد السوفياتي، علما ان تركيا كانت مؤهلة أكثر من غيرها للإنضمام إلى الاتحادد ويبدو أن مسألة الهوية الدينية وتبعاتها الثقافية كانا عاملين حاسمين في الحسم في موضوع الانضمام.

هذا الرفض الأوربي ساهم في تعزيز الهوية التركية ببعدها العثماني، وأعاد الأتراك إكتشاف جزء أساسي من هويتهم، جعلهم موضوع إعتراض عدد كبير و مؤثر من الدول الأوربية، هذا البعد هو البعد الإسلامي الذي جعله كمال أتاتورك بعد إعلان نهاية نظام الخلافة الإسلامية، مجرد بعد من بين أبعاد أخرى محددة للهوية التركية، و ساهم كل ذلك في تصاعد لافت للظاهرة أردوغان و معه حزب العدالة والتنمية، الذي نجح في ما فشلت فيه الحركة الاسلامية في تركيا منذ منتصف السبعينات، ألا وهو عدم الاصطدام مع المؤسسة العسكرية، و عدم المس بالهوية العلمانية للمجتمع و الدولة، و عدم خلق بنية حزبية منغلقة إيدولوجيا و الرهان الكلي على تحقيق النجاح الاقتصادي و إستقطاب حلفاء جدد بخلفيات برغماتية و ليست إيديولوجية محضة، فتحقق لأردوغان بهذه الوصفة السحرية، ما لم يتحقق لمن سبقوه من قادة الاسلام السياسي في تركيا، أما على المستوى الإقتصادي، فإنه حقق معجزة غير مسبوقة مما ضاعف مناصريه ممن لا يتقاسمون معه بالضرورة خلفيته الايديولوجية.

قبل سنوات بدا أن أردوغان يعيش تضخما كبيرا في “الأنا” ، و بدأ يتحرر كثيرا من المحاذير التي طوق بها نفسه بخصوص خلفيته الإيدولوجية وظهر ذلك جليا في كثير من القوانين التي تؤطر المجال العام، كما أن تراكم النجاحات الانتخابية الباهرة، أنسى أردوغان بأن  الديمقراطية ليست فقط حكم الأكثرية، بل هي أساسا الضمانات التي تتوفر للأقلية، و يمكن القول على هذا المستوى و على مستوى حرية التعبير فإن تركيا بدأت تنحدر في إتجاه السلطوية و الاستبداد بشكل يعيد إنتاج تجربة بوتين في روسيا، وشكل “قرار” أردوغان تغيير طبيعة النظام السياسي في البلاد، من برلماني إلى رئاسي وذلك بعد إستنفاد عدد الولايات المسموحة له في رئاسة الحكومة، وتمكينه في المقابل من ولايتين جديدتين مرئيس للدولة بإختصاصات كاملة، وكل ذلك تحقق بعد بسط نفوذه الكلي والمطلق على حزب العدالة والتنمية.

المواجهة المفتوحة التي يخوضها اليوم أردوغان مع هولاندا ومعها الغرب بصفة عامة، هي عملية محسوبة بعائدها الانتخابي، حيث يراهن أردوغان على الفوز في الاستفتاء المصيري لتغيير طبيعة النظام السياسي، و هي مواجهة مشحونة بالعواطف و مجييشة للمشاعر، وهو كل ما يطلبه أردوغان للفوز، لكن ليس الرئيس التركي هو فقط من يسعى للفوز بعائد هذه المواجهة، بل حتى الإئتلاف الحاكم في هولاندا، يسعى إلى تحقيق مكاسب إنتخابية في مواحهة اليمين المتطرف، حيث أن الحزم الذي أظهرته الحكومة الهولاندية، لا يتم فقط لأن الامر يدخل في إطار سيادتها، و لكن أيضا لقطع الطريق على اليمين المتطرف في الانتخابات التي ستجري قريبا.

د. عادل بنحمزة

للتواصل مع الكاتب:

benhamza75@gmail.com


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا