مع الناس: انتهى الكلام والفعل…

مع الناس: انتهى الكلام والفعل…

مع الناس: انتهى الكلام والفعل…

  • بقلم // د. عادل بنحمزة

‎هذه‭ ‬المرة‭ ‬انتهى‭ ‬الكلام‭ ‬و‭‬الفعل‭ ‬و‭‬أثبتت‭ ‬الوقائع‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬بلادنا،‭ ‬أن‭ ‬العطب‭ ‬البنيوي‭ ‬للقوى‭ ‬الوطنية‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬هي‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تراكم‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬النضال‭ ‬المبدئي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬و‭‬أن‭ ‬الأطراف‭ ‬الأخرى‭ ‬التي‭ ‬تولت‭ ‬دائما‭ ‬مقاومة‭ ‬الاصلاحات‭ ‬الحقيقية،‭ ‬هي‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬مراكمة‭ ‬تجاربها‭ ‬و‭‬ممارساتها،‭ ‬و‭‬أن‭ ‬أجيالا‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬التيارات‭ ‬السياسية‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬امتدادات‭ ‬فعلية‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع،‭ ‬أصبح‭ ‬قدرها‭ ‬كقدر‭ ‬سيزيف‭…‬هكذا‭ ‬تتدحرج‭ ‬اليوم‭ ‬صخرة‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬من‭ ‬ينهض‭ ‬بحملها‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭.‬

‎السياسة‭ ‬هي‭ ‬دائما‭ ‬فن‭ ‬الممكن،‭ ‬لكن‭ ‬الممكن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تحديده‭ ‬وفقا‭ ‬لكلمات‭ ‬فضفاضة‭ ‬لعل‭ ‬أبرزها‭ ‬مقولة‬ “المصلحة‭ ‬الوطنية”‭”‬،‭‬ و‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المصلحة‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬فعليا‭ ‬بأنصاف‭ ‬الحلول،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المشاركة‭ ‬و‭‬الموالاة‭ ‬لكل‭ ‬الاختيارات‭ ‬المطروحة،‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬ليست‭ ‬هناك‭ ‬بدائل‭ ‬أخرى،‭ ‬ولا‭ ‬تعني‭ ‬البدائل‭ ‬الأخرى‭ ‬المواجهة‭ ‬أو‭ ‬الفوضى‭ ‬أو‭ ‬المس‭ ‬بالاستقرار،‭ ‬كما‭ ‬يحاول‭ ‬تصوير‭ ‬ذلك‭ ‬البعض،‭ ‬بل‭ ‬بمنطق‭ ‬القناعة‭ ‬أن‭ ‬بلادنا‭ ‬لازالت‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬نضالي‭ ‬وطني‭ ‬حقيقي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ترسيخ‭ ‬الاختيار‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬الذي‭ ‬أضحى‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬ثوابت‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬الوثيقة‭ ‬الدستورية،‭ ‬في إنتظار‭ ‬أن‭ ‬يتحقق‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬

‎السياسة‭ ‬هي‭ ‬أيضا‭ ‬و‭‬بالأساس‭ ‬مواقف،‭ ‬و‭‬تطابق‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬مع‭ ‬المبادئ‭ ‬و‭‬مع‭ ‬الرؤية‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬الناس‭ ‬و‭‬المجتمع،‭ ‬ومع‭ ‬التعاقدات‭ ‬و‭‬الإلتزامات‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬الاتفاق‭ ‬عليها‭ ‬مع‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬و‭‬أسوأ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬فيه‭ ‬تيار‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬قيادة‭ ‬سياسية،‭ ‬هو‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬تبرير‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يبرر،‭ ‬وعلى‭ ‬تكييف‭ ‬أية‭ ‬وضعية‭ ‬لتخدم‭ ‬نفس‭ ‬الشعار‭ ‬رغم‭ ‬تغير‭ ‬الظروف‭ ‬والأشخاص‭ ‬والمواقف،‭ ‬وعندما‭ ‬ينتج‭ ‬تيار‭ ‬سياسي‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬التبريرات،‭ ‬فمعنى‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬أنهى‭ ‬مع‭ ‬الفعل‭ ‬الميداني‭ ‬الحقيقي،‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التبرير‭ ‬يصعب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عادة‭ ‬مقبولا‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭.‬

‎في‭ ‬بداية‭ ‬السبعينات‭ ‬وفي‭ ‬قمة‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الوطنية‭ ‬و‭ ‬النظام،‭ ‬التي‭ ‬ام‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬ثمرة‭ ‬حالة‭ ‬الاستثناء‭ ‬المعلنة‭ ‬سنة‭ ‬1965 ،‭‬قادت‭ ‬المعارضة‭ (‬حزب‭ ‬الاستقلال‭ ‬و‭‬الاتحاد‭ ‬الوطني‭ ‬للقوات‭ ‬الشعبية‭) ‬سلسلة‭ ‬مواقف‭ ‬وقرارات‭ ‬مناهضة‭ ‬و‭‬مختلفة‭ ‬تماما‭ ‬مع‭ ‬اختيارات‭ ‬الراحل‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني،‭ ‬و‭‬كان‭ ‬أبرز‭ ‬تلك‭ ‬المواقف‭ ‬رفض‭ ‬دستور‭ ‬1970‭ ‬و‭‬مقاطعة‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬لنفس‭ ‬السنة‭ ‬و‭‬مقاطعة‭ ‬الاستفتاء‭ ‬الدستوري‭ ‬لسنة‭ ‬1972 ‭‬وكما‭ ‬يعلم‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬سنتي ‭ ‬1971‭ ‬و‭ ‬1972‭‬عرفت‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬قمة‭ ‬تناقضاتها‭ ‬الداخلية‭ ‬و‭‬التي‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬محاولتين‭ ‬انقلابيتين‭ ‬متتاليتين،‭ ‬وقد‭ ‬ميزت‭ ‬القوى‭ ‬الوطنية‭ ‬بين‭ ‬الموقف‭ ‬الثابت‭ ‬من‭ ‬تأييد‭ ‬النظام‭ ‬الملكي‭ ‬كشكل‭ ‬للنظام‭ ‬السياسي‭ ‬لبلادنا،‭ ‬و‭‬رفض‭ ‬أي‭ ‬اختيارات‭ ‬أخرى‭ ‬تعكس‭ ‬موجة‭ ‬الجمهوريات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تستهدف‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬البلدان‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬حيث‭ ‬كانت‭ ‬الانقلابات‭ ‬العسكرية‭ ‬تنبت‭ ‬كالفطر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭.‬

‎ونحن‭ ‬نستعد‭ ‬لتخليد‭ ‬أربعينية‭ ‬الفقيد‭ ‬الكبير‭ ‬السي‭ ‬امحمد‭ ‬بوستة،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬التذكير‭ ‬كيف‭ ‬أنه‭ ‬اعتذر‭ ‬للراحل‭ ‬الحسن‭ ‬الثاني‭ ‬عن‭ ‬قيادة‭ ‬حكومة‭ ‬ضمن‭ ‬وزرائها‭ ‬الراحل‭ ‬إدريس‭ ‬البصري‭ ‬وزير‭ ‬الداخلية‭ ‬الأشهر،‭ ‬و‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يدعي‭ ‬أن‭ ‬السي‭ ‬امحمد‭ ‬عندما‭ ‬اتخذ‭ ‬ذلك‭ ‬القرار،‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬سوء‭ ‬تقدير‭ ‬لثقة‭ ‬الملك‭ ‬الراحل،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭ ‬يجسد‭ ‬تطابق‭ ‬الكلام‭ ‬مع‭ ‬الفعل‭…‬أما‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬اليوم‭ ‬فلا‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬سوى‭ ‬إغلاق‭ ‬قوس‭ ‬وفتح‭ ‬آخر‭ ‬انتهى‭ ‬فيه‭ ‬الكلام‭ ‬مع‭ ‬الفعل‭…‬

د. عادل بنحمزة

للتواصل مع الكاتب:

benhamza75@gmail.com


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا