مع الناس: السلطان أردوغان..

مع الناس: السلطان أردوغان..

مع الناس: السلطان أردوغان..

  • بقلم // د. عادل بنحمزة

تعيش‭ ‬تركيا‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬العمليات‭ ‬الإرهابية،‭ ‬و‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬عملية‭ ‬تحول‭ ‬سياسي‭ ‬كبير‭ ‬يقودها‭ ‬الرئيس‭ ‬أردوغان‭ ‬عبر‭ ‬تعديلات‭ ‬دستورية‭ ‬عميقة‭ ‬تحول‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬تركيا‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬برلماني‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬رئاسي،‭ ‬وهو‭ ‬تحول‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬مساندة‭ ‬من‭ ‬كافة‭ ‬التيارات‭ ‬السياسية‭ ‬داخل‭ ‬البلاد‭.‬

أردوغان‭ ‬شكل‭ ‬منذ‭ ‬وصوله‭ ‬للسلطة‭ ‬ظاهرة‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬تركيا‭ ‬الحديثة،‭ ‬ونموذجا‭ ‬للتيار‭ ‬السياسي‭ ‬الإسلامي‭ ‬الذي‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬عبور‭ ‬حقول‭ ‬ألغام‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬بثقله‭ ‬الأتاتوركي‭ ‬العلماني‭ ‬الصارم،‭ ‬حيث‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يتجنب‭ ‬المواجهات‭ ‬القاتلة‭ ‬التي‭ ‬أوقفت‭ ‬زحف‭ ‬الإسلاميين‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬السبعينات،‭ ‬وقد‭ ‬حقق‭ ‬ذلك‭ ‬عندما‭ ‬جعل‭ ‬الإيديولوجيا‭ ‬في‭ ‬الخلف‭ ‬وقدم‭ ‬حزبه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬حزب‭ ‬علماني،‭ ‬وصار‭ ‬يصنع‭ ‬معجزة‭ ‬إقتصادية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكارها،‭ ‬وحرم‭ ‬الجيش‭ ‬بذلك‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬مبرر‭ ‬للانقلاب‭ ‬عليه،‭ ‬وحتى‭ ‬عندما‭ ‬حاول‭ ‬جزء‭ ‬منه‭ ‬القيام‭ ‬بذلك،‭ ‬كان‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬فات،‭ ‬وكان‭ ‬أردوغان‭ ‬بسط‭ ‬سلطته‭ ‬الفعلية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬على‭ ‬الجميع‭.‬

هذا‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬الصورة‭ ‬في‭ ‬تركيا،‭ ‬فالبلاد‭ ‬وفق‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المراقبين،‭ ‬تسير‭ ‬بخطى‭ ‬ثابتة‭ ‬نحو‭ ‬نظام‭ ‬سلطوي‭ ‬مغلق،‭ ‬فالتعديلات‭ ‬الدستورية‭ ‬التي‭ ‬يحسمها‭ ‬اليوم‭ ‬حزب‭ ‬العدالة‭ ‬والتنمية‭ ‬اعتمادا‭ ‬على‭ ‬أغلبيته‭ ‬البرلمانية،‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬أي‭ ‬مبرر‭ ‬جدي‭ ‬ومنطقي‭ ‬لتحويل‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬من‭ ‬برلماني‭ ‬إلى‭ ‬رئاسي،‭ ‬غير‭ ‬تمكين‭ ‬السيد‭ ‬أردوغان‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬الفعلية،‭ ‬مادام‭ ‬وضعه‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬سوى‭ ‬بأدوار‭ ‬رمزية‭ ‬وأخرى‭ ‬برتوكولية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬دولة‭ ‬بحجم‭ ‬تركيا‭ ‬تحول‭ ‬نظامها‭ ‬السياسي‭ ‬بالكامل،‭ ‬إرضاء‭ ‬فقط‭ ‬لزعيمها‭ ‬الوحيد‭ ‬و‭ ‬الأوحد‭ ‬سلطان‭ ‬الزمان‭ ‬السيد‭ ‬أردوغان،‭ ‬وذلك‭ ‬بما‭ ‬يمكنه‭ ‬من‭ ‬الإستمرار‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬إلى‭ ‬حدود‭ ‬عام‭ ‬2029،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يضمن‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عليه‭ ‬الأمر‭ ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬خاصة‭ ‬أمام‭ ‬إغراء‭ ‬الظاهرة‭ ‬البوتينية‭ (‬نسبة‭ ‬للرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭)‬،‭ ‬و‭ ‬ماقام‭ ‬به‭ ‬الرئيس‭ ‬الروسي‭ ‬من‭ ‬تناوب‭ ‬مثير‭ ‬على‭ ‬منصب‭ ‬الرئاسة‭ ‬مع‭ ‬رفيقه‭ ‬ميدفيديف‭.‬

أردوغان‭ ‬حقق‭ ‬بكل‭ ‬تأكيد‭ ‬نهضة‭ ‬قوية‭ ‬لتركيا،‭ ‬واستطاع‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬استقرارا‭ ‬مثاليا‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬لكن‭ ‬أردوغان‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬يبقى‭ ‬بشرا‭ ‬قد‭ ‬يصيب‭ ‬و‭ ‬قد‭ ‬يخطئ،‭ ‬وخطأه‭ ‬الأكبر‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬سماع‭ ‬الرأي‭ ‬المخالف،‭ ‬وعندما‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الصفة‭ ‬في‭ ‬مسؤول‭ ‬من‭ ‬حجمه،‭ ‬وعندما‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬نظام‭ ‬الحكم‭ ‬لصالحه‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬الهامش‭ ‬أو‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬بيته،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬تعطش‭ ‬كبير‭ ‬للسلطة،‭ ‬أكيد‭ ‬أنها‭ ‬قابلة‭ ‬للإنحراف‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬في‭ ‬وجهها‭ ‬كلمة‭ “‬لا‭”.‬

شارل‭ ‬دوغول‭ ‬كان‭ ‬رجلا‭ ‬عظيما‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬فرنسا،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تذكر‭ ‬فرنسا،‭ ‬دون‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬دوغول،‭ ‬لقد‭ ‬إستطاع‭ ‬أن‭ ‬يتجاوز‭ ‬ربيع‭ ‬باريس‭ ‬سنة‭ ‬1968‭ ‬بخبرته‭ ‬وتجربتهت‭ ‬الكبيرتين،‭ ‬وفاز‭ ‬بالانتخابات‭ ‬النيابية‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬ذلك‭ ‬الربيع،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كان‭ ‬الجميع‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الفرنسي‭ ‬سيستثمر‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث‭ ‬لفائدته‭.‬

في‭ ‬سنة‭ ‬1969‭ ‬دعا‭ ‬دوغول‭ ‬الشعب‭ ‬الفرنسي‭ ‬لإستفتاء‭ ‬سعى‭ ‬من‭ ‬ورائه‭ ‬إلى‭ ‬إدخال‭ ‬تعديلات‭ ‬تهم‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬المجالات‭ ‬الحيوية،‭ ‬بل‭ ‬ربط‭ ‬إستمراره‭ ‬في‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬بنتيجة‭ ‬التصويت،‭ ‬الفرنسيون‭ ‬كانوا‭ ‬يقدرون‭ ‬دوغول‭ ‬بلا‭ ‬شك،‭ ‬لكن‭ ‬جزءا‭ ‬كبيرا‭ ‬منهم‭ ‬لم‭ ‬ترقه‭ ‬تلك‭ ‬الاصلاحات،‭ ‬فجاءت‭ ‬نتيجة‭ ‬التصويت‭ ‬ب‭ “‬لا‭” ‬بنسبة‭ ‬52%،‭ ‬فما‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الكبير‭ ‬دوغول‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬سارع‭ ‬لإعلان‭ ‬إستقالة‭ ‬من‭ ‬سطرين‭ ‬أمام‭ ‬ذهول‭ ‬الجميع‭ ” ‬أعلن‭ ‬توقفي‭ ‬عن‭ ‬ممارسة‭ ‬مهامي‭ ‬رئيسا‭ ‬للجمهورية‭.‬يصبح‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬نافذا‭ ‬ظهر‭ ‬اليوم‭ ‬29‭ ‬أبريل‭ ‬1969‭”‬،‭ ‬بعدها‭ ‬بسنة‭ ‬فقط‭ ‬غادر‭ ‬دوغول‭ ‬الحياة‭ ‬للأبد‭ ‬تاركا‭ ‬وصية‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬من‭ ‬سطرين،‭ ‬حيث‭ ‬طلب‭ ‬في‭ ‬الأول‭ ‬ألا‭ ‬يحضر‭ ‬جنازته‭ ‬رؤساء‭ ‬و‭ ‬لاوزراء،‭ ‬وطلب‭ ‬في‭ ‬الثاني‭ ‬ألا‭ ‬يكتب‭ ‬على‭ ‬قبره‭ ‬سوى‭ “‬شارل‭ ‬دوغول‭ ‬1890-1970‭”.‬

مات‭ ‬دوغول‭ ‬رجلا‭ ‬عظيما،‭ ‬بينما‭ ‬آخرون‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬سبيلا‭ ‬للنهايات‭ ‬الجميلة‭.‬

بقلم // د. عادل بنحمزة

للتواصل مع الكاتب:

benhamza75@gmail.com


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا