مع الناس: الإعلام «المخدوم»..خطر على الديمقراطية

مع الناس: الإعلام «المخدوم»..خطر على الديمقراطية

مع الناس: الإعلام «المخدوم»..خطر على الديمقراطية

  • بقلم // د. عادل بنحمزة

يشكل الإعلام الحر، الدعامة الأساسية للديمقراطية، وفي كل البلدان التي تحارب فيها الديمقراطية أو يتم السعي إلى حصرها فقط كواجهة للنظام السياسي، فإن أول ما يتم السيطرة عليه وتدجينه، يكون هو وسائل الإعلام بطرق مختلفة، سواء بتوظيف القضاء أو تجفيف منابع الإشهار أو في الأقصى المسح بالحرية الجسدية والسلامة الجسدية، وكل الأنظمة التي تؤسس “للنظامية” كبديل عن الديمقراطية، لها سمعة سيئة بخصوص التعامل مع وسائل الإعلام ومع الصحفيين، وهنا نستحضر التجربتين التركية والروسية.

في المراحل الانتقالية، غالبا ما تواجه وسائل الإعلام التي تتوفر على الحد الأدنى من المهنية، صعوبات في تقدير “الموقف” من مجمل التطورات والتحولات السياسية التي يعرفها أي مجال سياسي، ولأنها تتحمل مسؤولية إنجاح الانتقال نحو الديمقراطية، فإن وسائل الإعلام تسير وكأنها على حقل ألغام، وأسوأ ما يمكن  أن تقع فيه هو الإفراط في الرقابة الذاتية، وعدم التمييز بين الاستقلالية والحياد، لأن الخلط بين الأمرين يحرم الديمقراطية من أهم سند، وهو الإعلام.

عندما نجح لوبين في المرور إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية الفرنسية ليواجه جاك شيراك، تخلت كبريات المؤسسات الإعلامية الفرنسية باختلاف توجهاتها الأيديولوجية، عن حيادها، لأن الأمر لم يكن يتعلق بجاك شيراك أو اليمين الفرنسي، بل بمنظومة من القيم التي تشكل أساس الجمهورية الفرنسية، والتي أصبحت مهددة باحتمال وصول لوبين وحزبه إلى قصر الإليزيه، فكانت النتيجة فوزا كبيرا و استثنائيا لشيراك ساهم فيه جميع خصومه السياسيين وعلى رأسهم منافسه في الدور الأول زعيم الحزب الاشتراكي جوسبان.

في بلادنا لازالت الديمقراطية مشروعا، تعرض للكثير من المناورات والمؤامرات، لكن كانت وسائل الإعلام الحزبية وخاصة إعلام الأحزاب الوطنية رافعة للمطلب الديمقراطي ومدافعة عن المشروع الديمقراطي باعتباره يمثل خلاصا لبلادنا، وجعلها مستقرة ومركزة على تحديات التنمية والعدالة، وفي بداية التسعينات، برز إعلام خاص لعب بدوره أدوارا مهمة في تعزيز مطالب الاصلاح السياسي والدستوري، بل إن الإعلام الرسمي في لحظة من اللحظات، ساهم أيضا في فتح مجال للحوار وللنقاش العمومي في قضايا الحرية والمواطنة والديمقراطية.

اليوم تعيش بلادنا ردة على أكثر من واجهة، لكن أخطر هذه الواجهات هو التحكم في الإعلام، والإعتقاد بأن ذلك كفيل بأن يحجم المطلب الديمقراطي، أو أن ذلك قادر على جعل الأصوات الممانعة تخفت في زمن الإعلام الإجتماعي الذي تجاوز كل الحدود الممكنة، لكن يبقى أن هناك وسائل إعلام مشهود لها بالكفاءة وإلى حد ما بالمهنية، تقف في عدد من القضايا الجارية موقفا محايدا، علما أن المستهدف ليس أشخاصا أو أحزابا أو مواقف معينة، بل المستهدف هو الحق في الاختلاف و إستقلالية القرار، وهي ما لا يمكن الحديث عن ديمقراطية أو حرية بدونها، وبدونها لا يمكن الحديث عن حرية الإعلام.

جزء من المسؤولية اليوم هو على الصحفيين الحقيقيين، وعلى وسائل إعلام تؤمن فعلا بأنها وسائل إعلام وليس وسائل “للبروبغندا” تجاري الإعلام “المخدوم”، وهي عبارة نحتها الراحل الكبير امحمد بوستة، عندما كان هذا الإعلام محصورا في زنقة لبريهي، أما اليوم فإنه سائب في كثير من شوارع البلاد.

د. عادل بنحمزة

للتواصل مع الكاتب:

benhamza75@gmail.com


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا