مع‭ ‬الناس: حكاية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والبطاطا‭…‬

مع‭ ‬الناس: حكاية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والبطاطا‭…‬

مع‭ ‬الناس: حكاية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والبطاطا‭…‬ 

بقلم // د. عادل بن حمزة

‎قبل‭ ‬سنوات‭ ‬بالعاصمة‭ ‬التشيكية‭ ‬براغ،‭ ‬جمعني‭ ‬عشاء‭ ‬مع‭ ‬أحد‭ ‬معارضي‭ ‬الرئيس‭ ‬العراقي‭ ‬الراحل‭ ‬صدام‭ ‬حسين‭ ‬ممن‭ ‬عاصروا‭ ‬تجربة‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم،‭ ‬كانت‭ ‬الليلة‭ ‬الباردة‭ ‬مليئة‭ ‬بالحكايات‭ ‬حول‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬وبنيات‭ ‬المجتمع،‭ ‬لكنها‭ ‬حكاية‭ ‬ظلت‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وهي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أبسط‭ ‬ما‭ ‬حكى‭ ‬لي‭ ‬المعارض‭ ‬السابق،‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬المختصر‭ ‬المفيد‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬عاشه‭ ‬العراق‭ ‬من‭ ‬مآسي‭ ‬منذ‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الملكي‭ ‬في‭ ‬ثورة‭ ‬1958‭ ‬إلى‭ ‬محاولات‭ ‬تحرير‭ ‬الموصل‭ ‬من‭ ‬سيطرة‭ ‬داعش‭ ‬اليوم‭.‬

‎حكاية‭ ‬المعارض‭ ‬العراقي‭ ‬كانت‭ ‬حول‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والبطاطا‭ ‬وهي‭ ‬حكاية‭ ‬قرأتها‭ ‬بداية‭ ‬التسعينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أعداد‭ ‬مجلة‭ ‬االناقدب‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصدر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬لندن‭..‬تروي‭ ‬الحكاية‭ ‬أنه‭ ‬على‭ ‬عهد‭ ‬أيام‭ ‬الجنرال‭ ‬عبد‭ ‬الكريم‭ ‬قاسم‭ ‬توجه‭ ‬وفد‭ ‬وزاري‭ ‬رفيع‭ ‬المستوى‭ ‬إلى‭ ‬إحدى‭ ‬القرى‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬بغداد‭ ‬للإطلاع‭ ‬على‭ ‬أشغال‭ ‬الفلاحين‭ ‬وتعبئتهم‭ ‬للمعارك‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬حيث‭ ‬خطب‭ ‬فيهم‭ ‬أحد‭ ‬الوزراء‭ ‬قائلا‭: ‬اإن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬هي‭ ‬الخلاص‭ ‬الوحيد‭ ‬للبلاد،‭ ‬ولابد‭ ‬من‭ ‬زرعها‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬جميع‭ ‬المواطنينب،‭ ‬تناوب‭ ‬على‭ ‬الكلمة‭ ‬جل‭ ‬الوزراء‭ ‬أعضاء‭ ‬الوفد،‭ ‬وجميعهم‭ ‬ركزوا‭ ‬على‭ ‬مسألة‭ ‬زرع‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬فاضطر‭ ‬أحد‭ ‬المزارعين‭ ‬البسطاء‭ -‬الفلاح‭ ‬أينما‭ ‬وجد‭ ‬يختصر‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬الحكمة‭- ‬إلى‭ ‬مقاطعة‭ ‬أحد‭ ‬الوزراء‭ ‬قائلا‭ ‬ببساطة‭ ‬السهل‭ ‬الممتنع‭: ‬أعطيتمونا‭ ‬بذور‭ ‬البطاطا،‭ ‬زرعناها‭ ‬فنجحت،‭ ‬أعطونا‭ ‬بذور‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬نزرعها‭ ‬فتنجح‭…‬

‎بالطبع‭ ‬كان‭ ‬الفلاح‭ ‬البسيط‭ ‬يعتقد‭ ‬أن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الخضراوات‭ ‬يمكن‭ ‬زرعها‭ ‬كباقي‭ ‬الخضراوات‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬كلمات‭ ‬طويلة‭ ‬ومنمقة،‭ ‬لكن‭ ‬بساطة‭ ‬ذلك‭ ‬الفلاح‭ ‬العراقي‭ ‬في‭ ‬ضواحي‭ ‬بغداد،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬التعقيدات‭ ‬المرتبطة‭ ‬ببناء‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والتحديات‭ ‬التي‭ ‬ترافقها‭ ‬فكريا‭ ‬وفلسفيا،‭ ‬فإن‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬هي‭ ‬مسألة‭ ‬إرادة‭ ‬وهي‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الفلاح‭ ‬العراقي‭ ‬بذور‭ ‬نزرعها‭ ‬فتنجح‭…‬

‎البذور‭ ‬الفاسدة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعطينا‭ ‬خضراوات‭ ‬صالحة،‭ ‬وكذلك‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬وجزء‭ ‬كبير‭ ‬مما‭ ‬نعيشه‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬بصفة‭ ‬خاصة،‭ ‬ينطبق‭ ‬عليه‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬فمجمل‭ ‬التوافقات‭ ‬التي‭ ‬تمت،‭ ‬لم‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬جوهر‭ ‬الأزمة‭ ‬البنيوية‭ ‬للديمقراطية،‭ ‬وركزت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬اللحظات‭ ‬المفصلية‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬بلادنا،‭ ‬على‭ ‬مخارج‭ ‬واتخريجاتب‭ ‬لا‭ ‬تصلح‭ ‬سوى‭ ‬لإستعمال‭ ‬وحيد،‭ ‬وعاجزة‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬حلول‭ ‬مستدامة‭ ‬لغياب‭ ‬الإرادة‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬مسألة‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬بناء‭ ‬ديمقراطي‭.‬

‎بعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السنوات‭ ‬يبدو‭ ‬أننا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬صفاء‭ ‬فكري‭ ‬وذهني‭ ‬لنعيد‭ ‬اكتشاف‭ ‬الأخطاء‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬سوى‭ ‬بإهدار‭ ‬الزمن‭ ‬الديمقراطي‭ ‬في‭ ‬بلادنا،‭ ‬وبثت‭ ‬ولاتزال،‭ ‬أمواجا‭ ‬من‭ ‬الشكوك‭ ‬في‭ ‬جدوى‭ ‬السياسة‭ ‬وجدوى‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭…‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يفسح‭ ‬المجال‭ ‬واسعا‭ ‬للخطابات‭ ‬الراديكالية،‭ ‬ويدفع‭ ‬أجيالا‭ ‬إلى‭ ‬تبني‭ ‬تلك‭ ‬الخطابات،‭ ‬لأن‭ ‬الواقع‭ -‬للأسف‭- ‬لا‭ ‬يعزز‭ ‬سوى‭ ‬هذا‭ ‬الاتجاه‭ ‬ويضعف‭ ‬باقي‭ ‬الخطابات‭ ‬التي‭ ‬راهنت‭ ‬على‭ ‬الاصلاح‭ ‬التراكمي،‭ ‬الذي‭ ‬يتبين‭ ‬اليوم‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬مجرد‭ ‬سحابة‭ ‬صيف‭…‬

للتواصل مع الكاتب:

benhamza75@gmail.com


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا