الرئيسية / slider / محاكمات مجتمع لاتنتهي «2»… بقلم // مونية علالي

محاكمات مجتمع لاتنتهي «2»… بقلم // مونية علالي

آخر تحديث :2019-10-17 14:40:44

محاكمات مجتمع لاتنتهي «2»… بقلم // مونية علالي

محاكمات مجتمع لاتنتهي «2»... بقلم // مونية علالي
الأستاذة مونية علالي

 

 

جلست على قارعة الذاكرة، تجر اذيال الماضي القريب والبعيد، ماضٍ تكدس ثقلا، ولم يختر من الألوان الا القتامة الداكنة، تعيش الحاضر حالمة بالغد الذي قد يحمل الواناً زاهيةً قد تُنسيها قساوة العَتَمة.

كانت تجر بشكل سيزيفي ذكرى غائمة ،تخالُ انها تتميز بها عن باقي الأخريات. جعلتها تظل غريبة بين جيل من القرينات، ترمقهن بعين الشفقة وهن يصارعن جيوشا من الطواحين الدونكيشوطية وكن قليلات. وأخريات من بنات عمرها على كثرتهن تبدين حامدات، شاكرات على كل الأحوال. تسعدهن بلقمة خبز وحفنة بُنٍّ، متفانيات في الإنجاب ونشر الفقر…

 

أي زمن حالم محمل بذنوب الاستسلام الوراثي جيلا عن جيل و الغد سطرته المقاديرالتي لا تتبدل في زمن حضور العلة و غياب القياس. في حضور الاستسلام والتسليم وغياب الامل بل حتى التفكير في تغيير وضعٍ مُزرٍ ولكن للاسف اصبح مالوفا الى حد التماهي.

 

جيل باستسلامه يتمدد كضواحي المدينة المتناثرة بعشوائيةٍ يمينا وشمالا إلى حد الفوضى واللامنطق، ظلت هي وحدها المغتربة عن ذاتها وقريناتها لم تيأس ولم تكل ان بل تلح على  جر أذيالها  المعاقة منذ تلك الخطيئة في زمن الجهل والصبا.

 

خطيئة لم تأخذ فيها قرار بل كانت هي كذلك.من إنجاز الأقدار، وكل مرة كانت تخوض في التفكير الصاخب هل الأقدار أخطاء ام مكاتيب من الله ؟؟؟ لم تختر وضعها ولا اخطاءها!!! تُرى هل ستواصل السير باحثة عن حفنة ماء في قيعة السراب ؟؟ هل ستظل تُرقِّم على ماء الأمل الذي لا يكاد يبدو حتى يخبو وسط إيقاعات الألم الذي يراقص احلامها المتلاشية؟هل ستظل تحمل جَرِيرَتها وتبحث عن بسمةٍ جفَّت على شفتيها المتعطشتين لأي شيء من أجل غد أفضل رغم انه أصبح مستحيلا؟؟ التغيير بالنسبة لها صفعة من زمن المحال صعقت شبابها، في غفلة في زمن اليقظة. عمى في ضوء البصيرة، قاده حسن نية ساذجة غير واضحة في ظِل تجربة فجة . لم تكن لتجد من يحميها من لحظة تهور .لم تكن لتسمع لأي صوت آنذاك سوى صوت رفض الواقع المرير والخبز المسقي برواء الفقر المدقع … لتتابع جر أذيال الندم وقد بللتها مياه مالحة جفت و لم تترك اثار ملوحتها في ثوبها المتراقص مع هزات جسدها والمتبرج إلى حدود طلوع الفجر. 

 

فتحت عيناها على أضواء مصابيح مشتعلة في كل جهات الطريق المؤدية الى الأمل من خلال اجواء الظلام. و انطلقت تبيع أحلامها في برصة العرق الذي لا يجف عن الجبين وعن كل أعضاء الجسد المتفجر. عجيب أحين نكون في العالم الراقد و الأحلام تعزف سمفونية الامتناع، يتصبب منا العرق بتلك الغزارة؟ ونشعر بالدفئ وتقشعر ابداننا ؟؟؟ ونعيش لحظات المد والجزر ،لحظات الإحباط والفرح لحظات الأمل في التغيير والوعي بالواقع المرير الذي يبتلع كل شيء جميل، حتى ولو كان حلما. باختصار مقرف نكون احياء في زمن الموت.

 متى كان زمن التناقضات يحتوينا.ونَحِنُّ الي تَقادُفاته المريعة .فقط لأننا حلمنا ذات يوم أن نكون متميزات.!!
قد كانت متميزة في كل شيئ حتى في سمرتها التي كانت غالبا ما تُحاصَر بالغيرة الى حدالحقد.

 

هذه السمرة الجميلة والتي ميزتها كانت هي عربون تعاستها،  وهي التي قادتها الى ذلك الملهى الليل لبائعي الهوى، علها تطعم أولادها الثلاثة بعد ان هجرها ابوهم واختفى دون اثر.

 

دون اعتراف بمشاعرهم ودون اكثرات بحياتهم ،وكأنه لم يلتق بها ولا بهم !!غريب أمر بعض الرجال أو أشباه الرجال. يأتون من النوافذ ويخرجون من المنافذ ولا يعيرون أي انتباه لأطفال لم يساهموا في أي قرار ويكتفي عالم قاس بوضعهم تحت عنوان مفعم بالعنف والقسوة :اطفال متخلى عنهم أو غير مرغوب فيهم .مرة من طرف الاب والام ومرات من طرف الاب فقط فتبقى الام تحمل الجرح وتصب فوقه الملح كل مساء لكي تتلذذ بعذاب ازلي وهي تظن انه سيندمل. والاطفال مهما عانوا فهم يحنون لابائهم ويتلمسون لهم الأعذار.

لم تكن تؤمن ان العالم صغير والدنيا تلاقي بعنف بعد أن تفرق بعنف.لم تكن تدرك ان ميلانو وجهة هاجر لها كل من هب ودب وأنها يوما ما ستجلس على نفس الطاولة معه، هي لتبيع الهوى والجسد وهو ليشتريه لصاحب العمامة الذي يترجم له… لم تكن تدرك أن قساوة الحياة قد تتجلى في احلك صورها. وتجمعها مرة أخرى بمغتصبها ومغتصب احلامها ولكن هذه المرة ليحضر مراسيم بيعها في المزاد العلني لتقضي مهمة محددة .ويتقاضى ثمن الترجمة والوساطة بعد أن كان مشروع مستقبل تم اجهاضه .لضرورة الحصول على أوراق الاقامة ببلاد المهجر .هذا المهجر الذي طالما سوّقوا له بالالوان الزاهية وبرنات الاوروحاضرة الدولار التي لا تقاوم. فكان حلم الحالمين والحالمات حتى ولو ركبوا عباب البحر بدون مطية. حتى ولو ماتوا في عرضه فالموت فيه صلاة من أجل حياة الرفاه.

 

ابيضَّ شعره واختلط ببعض السواد يبدو رجلا مكتمل الجسد، ذكراه الأخيرة تعود الى اكثر من عشرين سنة حين اختارت ان تتزوج بمن “يقدر يصاوب ليها لوراق”، وصفته والدتها آنذاك بانه “مقطع الأوراق” ونصحتها ان تعقل وتترك لهو المراهقة جانبا وتمضي مع من اشتراها “بالغالي”.

تدور رحى الايام وتكتشف عنفا وانعدام أخلاق وتخلفا واشياء اخرى تخجل…

نظرت اليه وهي تصرُّ الاَّ تغلبها دمعة دافئة قد تفسد مكياجها قبل ان تفسده أيادي وقبَل صاحب العمامة… انصرفت تكمل مهمتها الليلية… قلبها لم يتحرك ساكنه فقد كان قد حنط في ظل أحداثها الزوجية الساخنة، وفكرها كان منشغلا بكيف وكم ستستنزف من ضحية هذه الليلة التي تنتظرها…

الأستاذة مونية علالي/ إيطاليا

(Visited 13 times, 1 visits today)

عن العلم

العلم

شاهد أيضاً

" تيلدا سوينتون "

98‭ ‬شريطا‭ ‬من‭ ‬34‭ ‬بلدا تشارك في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش في الدورة 18

98 شريطا من 34 بلدا تشارك في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش في الدورة 18 السيد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *