مجريات أحداث وحوادث فترة تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال للمغرب في كل من فاس وشرق المغرب بوجدة وبركان

مجريات أحداث وحوادث فترة تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال للمغرب في كل من فاس وشرق المغرب بوجدة وبركان

مجريات أحداث وحوادث فترة تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال للمغرب في كل من فاس وشرق المغرب بوجدة وبركان

فترة تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال بتاريخ 11 يناير 1944 عشتها وعايشتها كطالب بالقرويين آنذاك

  • بقلم // محمد معي الصفراوي
محمد معي الصفراوي

محمد معي الصفراوي

بعدما ظل حزب الاستقلال وحده، يحتفل بذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال بتاريخ 11 يناير 1944 ، فمنذ سنة 1987 أقر جلالة المغفور له الحسن الثاني أن تحتفل الدولة والشعب كل سنة بيوم 11 يناير عيدا وطنيا رسميا، حيث قدر جلالته رحمه الله قدر هذا اليوم العظيم الذي تغيرت فيه مسيرة المغرب من الخط الذي وضعه الاستعمار يوم 30 مارس 1912 لنظام الحماية إلى الخط الذي وضعه الوطنيون يدا في يد مع جلالة المغفور له محمد الخامس في وثيقة 11 يناير 1944 والآن يعيش ويحيا جيل جديد بدل الجيل الذي طالب بالاستقلال ومن المفروض التعريف بظروف تلك الفترة وبمحطات مراحل الكفاح المرير والنكبات والمعاناة التي تحمل قساوتها وقطعها قادة الحركة الوطنية وجلالة المغفور له محمد الخامس وولي عهده آنذاك جلالة الملك الحسن الثاني رحمه الله والوطنيون المخلصون من أجل تحقيق الاستقلال. وهذا يتطلب كتابات تاريخية من مؤرخين وباحثين. وبالمناسبة يجدر بنا تخليدا لهذه الذكرى المجيدة أن نساهم مساهمة متواضعة في هذا المقال عن مجريات أحداث فترة تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال كما عشتها وعايشتها وأنا شاب وطالب آنذاك في كل من فاس ووجدة وأبركان. ففي تلك الفترة كنت مع جماعة من طلبة القرويين بمدينة فاس ينتمون لشرق المغرب يفوق عددهم العشرون من وجدة وأحفير وأبركان وفكيك، وكانت تروى لنا أخبار بأن قادة الحركة الوطنية عازمون على أن يخطوا خطوة لصالح الوطن والمواطنين وأنهم قرروا مفاجأة الاستعمار بحدث عظيم وخطير وأثناء ذلك ظهرت حركة غير عادية في وسط القرويين ما بين الطلبة والأساتذة ولدى  المواطنين كذلك. وأصبح الكل يتطلع بشغف كبير لمعرفة ما سيحدث. وقد تعززت اتصالاتنا نحن الطلبة فيما بيننا ومع البعض من الأساتذة إلى أن تأكدنا بأن لقاء سريا تم  بين قادة الحركة الوطنية الممثلة لحزب الاستقلال وجلالة المغفور له محمد الخامس وأنهم أخذوا العدة لتنسيق العمل للخروج من طور المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال. وفعلا ففي صباح يوم الثلاثاء 11 يناير 1944 وعلى أساس ما تم عليه الاتفاق بينهما تكونت ثلاثة وفود وقام كل وفد بتقديم الوثيقة التي تطالب ببطلان نظام الحماية المفروضة على المغرب وإعلان المطالبة بالاستقلال وذلك إلى كل من جلالة المغفور له محمد الخامس وإلى الإقامة العامة الفرنسية وإلى ممثلي أمريكا وإنجلترا. الأمر الذي هز أركان الاستعمار الفرنسي وأغضب رجال الحماية والإقامة العامة الفرنسية. وتسجيلا للتاريخ، فمن أبرز الأساتذة الذين كانوا يطلعون طلبتهم وأنا من بينهم على ما كان يجري ويقع من تحركات في إطار تنسيق العمل وأخذ العدة لمفاجأة الاستعمار هو كاتب الوثيقة الرسمية بخط يده الأستاذ المرحوم سيدي عبد الوهاب الفاسي وكذلك الأستاذ المرحوم سيدي عابد الخرشافي بحكم علاقتهما الطيبة مع طلبتهما. وبالنسبة لتقديم الوثيقة إلى جلالة المغفور له محمد الخامس فقد التقينا مع الأستاذ المجاهد المرحوم سيدي عبد العزيز بن إدريس شهيد الحرية والديمقراطية الذي كان من ضمن الوفد الذي تقدم بالوثيقة إلى جلالته وأخبرنا شخصيا وبلسانه بذلك كما أفادنا بمعلومات أخرى تتعلق بالترتيبات التي تم الاتفاق على اتخاذها. وهكذا فبمجرد ما شاع خبر تقديم الوثيقة سرت روح جديدة في جميع الأوساط وفي جو حماسي عاشت مدينة فاس طيلة شهر تقريبا أياما زاهية حيث عمت مظاهر الأفراح والبهجة، فالنفوس مستبشرة والصدور طافحة والقلوب مملوءة بالإيمان الصادق. وبدأت حسب تعليمات قادة الحزب الوفود تتوجه إلى القصر الملكي بالرباط حاملة عرائض التأييد للوثيقة إلى جلالة الملك والبرقيات تلو البرقيات ترسل تأييدا وتضامنا إلى قادة وزعماء حزب الاستقلال. وكان لطلبة شرق المغرب بالقرويين  آنذاك شرف التوقيع على العريضة كذلك، وإزاء هذا التحدي الذي فاجأ المستعمر كان رده على ذلك عنيفا بالانتقام وبالبطش والتنكيل وفي أول الأمر أقدمت الإدارة الاستعمارية باعتقال كل من المرحومين الحاج أحمد بلافريج ومحمد اليزيدي بالرباط وفي نفس الوقت اعتقلت   كذلك في فاس المجاهدين عبد العزيز بن إدريس العمراوي والحاج أحمد مكوار الذي في منزله كتبت الوثيقة الرسمية. وكذلك المجاهد الهاشمي الفيلالي. وقد نتج عن هذه الاعتقالات توترا وتأزما في كل من الرباط وسلا من جراء المعارك البطولية التي واجه بها الوطنيون القوة العسكرية الاستعمارية والتي من خلالها تعرض المآت منهم لرصاص جنود الاحتلال فمنهم من استشهد، ومنهم من جرح والمآت تم اعتقالهم وصدرت في حقهم أحكام قاسية وعدد منهم حكم عليه بالإعدام ونفذ فيه صبيحة يوم عيد المولد النبوي الشريف. وأما في مدينة فاس ففي يوم 28 يناير 1944 دعا طلبة القرويين وأساتذتها وعموم المواطنين إلى التجمع في مسجد القرويين كما دعا العلماء والفقهاء والأشراف إلى التجمع  في ضريح  مولاي إدريس  حيث ظلوا يرددون قراءة اللطيف وتلاوة القرآن الكريم والأذكار والتهليل والتذكير. ثم اتسعت الدعاية. وفي صباح يوم 29 يناير 1944 كانت المظاهرات الصاخبة والتجمعات الحاشدة والخطب الحماسية في كل من مسجد القرويين اأم المغربب كما سماها آنذاك شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي. وفي ضريح مولاي إدريس  وفي مسجد الرصيف ومسجد الأندلس ومسجد فاس الجديد. وفعلا اندفعت الجماهير من كل الطبقات بكل حماس وفي غليان وهيجان وأثناء ذلك وزعت مناشير في جميع أنحاء المدينة توضح مضمون الوثيقة. وهكذا تطورت الأحداث فعم الإضراب المدينة كلها. فجن جنود الإدارة الاستعمارية فتدخل جيش الاحتلال وغزا المدينة القديمة فصار يطلق الرصاص عشوائيا في الأزقة في الطرقات واحتل أهم الأماكن والساحات المحيطة بالقرويين وبضريح المولى إدريس ونصب الرشاشات فوق سطوح  البنايات وسطوح المدارس القريبة والمحيطة بهما. وقال بتوجيه الرصاص بكثافة في اتجاد القرويين بالخصوص ضد المتظاهرين وكان الرصاص يصل إلى داخل مسجد القرويين، ومن جراء هذه الوحشية المسعورة استشهد العشرات من المواطنين العزل وجرح  المآت وقد أصيب طالبان من شرق المغرب ينتميان لمدينة أبركان بجروح كذلك وهما قاسمي ميمون القيسري ومحمد بن محي الدين البكاوي. وللتاريخ فقد تم تسجيل اسمهما في السجل الخاص الذي كان موضوعا في ادار اسبانةب الكائنة بالمدينة القديمة والتي كان لها بابان إحداهما في الطالعة الكبيرة وأخرى في الطالعة الصغيرة واللتان استعملتا للمرور منهما خشية وخفية من تعسفات جيش الاحتلال.

وقد تمكن بعض المواطنين بإيمانهم وشجاعتهم من قتل بعض الجنوب، وفي داخل مسجد القرويين تعرف الوطنيون المتظاهرون على جاسوس مشهور اندس بنيهم فانهالوا عليه بالضرب إلى أن لفظ أنفاسه.

وحاول جيش الاحتلال تطويق المتظاهرين ومحاصرتهم داخل القرويين إلا أنهم تمكنوا من التسرب من بعض الأبواب الصغيرة التي كانت لا تفتح فيماقبل، وفي أعقاب هذه الأحداث والحوادث الدامية عمدت الإدارة الاستعمارية إلى تطويق المدينة كلها وفرضت حالة الطوارئ وتحولت مدينة فاس إلى شبه موقع حربي وأقامت في جميع أبوابها التاريخية والأثرية وفي الساحات مجموعة من الجنود مدججين بسلاح الميدان يقومون بتفتيش المواطنين كما عمدت إلى قطع  الماء الشروب والتيار الكهربائي على عموم السكان. كما منعت عليهم التزود بالمواد الغذائية مما اضطر التجار الى إغلاق متاجرهم كما أغلق أصحاب المطاعم  محلاتهم. وفي هذه الوضعية انطلقت حملة الاعتقالات بواسطة الجنود وفي نفس الوقت تولت الإدارة الاستعمارية حماية عملائها والخونة بواسطة جنود الاحتلال حيث كانت تقوم بنقلهم من منازلهم تحت الحراسة العسكرية،  وهكذا سلط المستعمر كل أنواع البطش والتنكيل بالانتقام فكان أول المعتقلين الموقعين على الوثيقة الرسمية ثم المآت من المؤيدين ومن بينهم العشرات من طلبة القرويين وأساتذتها وعلمائها ومنهم العديد من طلبة شرق المغرب، وحكم على الجميع بأحكام متفاوتة  كما تعرض الكثير للحكم بالإعدام، وفي هذه الأجواء  تم إغلاق القرويين ومنعت الدراسة فيه كما تم إغلاق كل المدارس التي كانت تأوي الطلبة والذين طردوا منها  وأبعدوا من فاس ومن عاد منهم إلى مسقط رأسه من طلبة شرق المغرب  ظل تحت المراقبة بالحضور يوميا لدى مركز الشرطة عدة شهور فهذه الأحداث والحوادث عشتها وعايشتها في مدينة فاس.

أما في شرق المغرب بمديني وجدة وبركان، فكما هو معروف  كانت مدينة وجدة هي مركز التسيير الوطني الرئيسي لهذه الجهة وأن المرحوم السيد بناصر بن الحاج الغربي بصفته آنذاك مندوب الحزب فيها كان من الموقعين الرئيسيين على الوثيقة الرسمية وأن المرحوم السيد أحمد بندالي باعتباره من رواد الحركة الوطنية وجه برقية باسمه إلى الحزب بالرباط يؤيد فيها ما احتوت عليه الوثيقة كما قامت جماعة من رواد الحركة الوطنية بمدينة أبركان بإرسال عريضة مذيلة بتوقيعاتهم إلى الحزب بالرباط بواسطة مبعوث منهم هو المرحوم الفقيه الحاج أحمد اليعقوبي. وأثناء ذلك نشط الوطنيون وأكثروا في الاتصالات والتحركات لإشاعة أخبار الحوادث والأحداث التي وقعت في الرباط وسلا وفي فاس على الخصوص، وتولى الشباب والطلبة كتابة العرائض والتقاط التوقيعات من المواطنين في نسخ متعددة لتأييد الوثيقة وإرسالها إلى القصر وإلى الحزب. وخلال ذلك ألقي القبض على المرحوم السيد محمد بنتهيلة وهو يطوف على التجار لالتقاط توقيعاتهم على نسخة من الوثيقة الرسمية التي كانت لديه أتى بها من الرباط تسلمها من يد الفقيه المجاهد المرحوم سيدي محمد غازي أحد المخططين البارزين لإعداد وتحرير الوثيقة. كما تم اعتقال المسؤولين الرئيسيين للحركة الوطنية في كل من وجدة واحفير وبركان وجرادة وفكيك. وإثر هذه الاعتقالات نظمت مظاهرات قادها وتزعمها كل من المرحومين الطالب آنذاك بالقرويين ميري عبد الحميد والأستاذ أمحمد الجندي والأستاذ قدور الورطاسي.

وكانت هذه المظاهرات تنطلق من المسجد الكبير لمدينة وجدة بعد إلقاء الخطب الحماسية في المصلين والجماهير الحاشدة من الرجال والشباب والذين صاروا في غليان في الأزقة والطرقات يهتفون بسقوط الاستعمار وإلغاء نظام الحماية وينادون بحياة جلالة الملك والمطالبة بالحرية والاستقلال. وقد قامت هذه المظاهرات مابين فاتح وخامس فبراير 1944. وخلالها وقعت المواجهة مع رجال الأمن المدججين بالسلاح الذين استعملوا وسائل العنف والتهديد لمنع المتظاهرين وتفريقهم الأمر الذي أدى بالمتظاهرين إلى رشق قوة الأمن االبوليسب بالحجارة. ومن جراء ذلك تمكنت هذه القوة من تطويق العشرات من المتظاهرين واعتقالهم وسيق بهم إلى مركز الشرطة. وبعد استنطاقهم أحيلوا على المحكمة الباشاوية وحكم عليهم وعلى من سبق اعتقالهم بحضور المراقب الفرنسي بمدد متفاوتة وغالبيتهم بسنتين سجنا نافذة وقد وزعوا على سجن عين مومن وسجن الرباط، وسجن الأغلبية بالدار البيضاء وسجن العاذر حيث لاقوا ما لا يأتي عليه الوصف من الأهوال وأنواع العذاب. ومن تعسفات الاستعمار في تلك الفترة طرد عدد من التلاميذ من مدارسهم وفصلهم من دراستهم بصفة نهائية بدعوى أنهم ساهموا في الأحداث وأعلنوا جهارا تأييدهم لوثيقة المطالبة بالاستقلال.

صورة تذكارية لبعض الموقعين على وثيقة المطالبة الاستقلال 11 يناير 1944

صورة تذكارية لبعض الموقعين على وثيقة المطالبة الاستقلال 11 يناير 1944


اترك تعليقاً

إلغاء الرد