متاهة حلفاء الأمس في حرب بلاد الشام: مفاوضات ومناطق تهدئة لقضم مناطق سيطرة الفصائل المسلحة

متاهة حلفاء الأمس في حرب بلاد الشام: مفاوضات ومناطق تهدئة لقضم مناطق سيطرة الفصائل المسلحة

عمر نجيب

  • بقلم // عمر نجيب

بينما تستمر عجلة الصراع الدولي الدائر على أرض الشام منذ مارس 2011 في التدحرج بشكل إيجابي لصالح الجيش العربي السوري موازاة مع بدء التدخل العسكري الروسي المباشر لدعم دمشق إبتداء من 30 سبتمبر 2015، يسود الإرتباك العديد من الأوساط السياسية بشأن التطورات المستقبلية لهذه المواجهة التي وضعت العالم خلال فترات متفرقة على حافة مواجهة عسكرية عالمية أو حرب عالمية ثالثة.

مع إقتراب نهاية النصف الأول من سنة 2017 يسجل أن الولايات المتحدة الأمريكية ومعها عدد من حلفائها تحاول إستعادة جزء من القدرة على توجيه الأحداث وعدم الخروج خالية الوفاض من رهان على إعادة رسم خارطة التوازنات في منطقة الشرق الأوسط وخلق مناخ آمن لإسرائيل.

تقدر مصادر رصد خاصة في غرب أوروبا أن واشنطن في نطاق جهودها لإستعادة قدرة التأثير على الأوضاع في بلاد الشام تدور في دائرة يحكمها فكر تقليدي غير متجدد لمجموعة من السياسيين وصناع القرار الذين لا يزالون يبنون خططهم على أسس لم تعد تتلاءم سواء مع التطورات الميدانية أو تحركات الأطراف الخصم التي تتمتع بقدرة على الخروج عن قواعد المألوف في الصراعات الكبرى ولهذا تحقق مكاسب أساسية. ويشبه بعض المحللين السلوك السياسي للولايات المتحدة في سوريا بما اتبعته في صراعات أخرى سواء بالعراق أو أفغانستان.

قضم تدريجي

  تكثر منذ بداية الربع الثاني من سنة 2017 الإقتراحات والمواجهات بشأن سبل إنهاء الصراع ولعل آخرها إنشاء مناطق وقف التصعيد كمدخل للتسوية، وبموازاة ذلك يواصل الجيش السوري وحليفه حزب الله اللبناني تحقيق المزيد من المكاسب على الساحة، وهو ما يصفه القادة العسكريون في إسرائيل بعملية القضم التدريجي أو الممنهج للأراضي والتجمعات السكانية التي كانت حتى وقت قريب تحت سيطرة التنظيمات المسلحة المناهضة لدمشق. ويتهم مسؤولون في الكيان الصهيوني وحتى بعض السياسيين في العاصمة الأمريكية واشنطن، إدارة البيت الأبيض بمواصلة التعامل بروح إنهزامية مع التقدم الروسي الحثيث في منطقة تعتبر حيوية للغرب.

جاء في دراسة أصدرها مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة الذي يوجد مقره في أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، ونشرت يوم 8 مايو 2017:

لجأت الجيوش النظامية والميليشيات “الموازية” والجماعات الهجينة إلى اتباع استراتيجية جديدة في بؤر الصراعات العربية يطلق عليها في الأدبيات “قضم تدريجي” للأحياء والقرى والمناطق والبلدات و”المخيمات” داخل المحافظات التي استولت عليها التنظيمات الإرهابية والميليشيات المسلحة والجيوش المناطقية، المدعومة في بعض الأحيان من العصابات الإجرامية، لا سيما في مراحل ما بعد انهيار أو ضعف الهياكل الأمنية الرسمية، على نحو ما تشير إليه أوضاع سوريا والعراق خلال السنوات الست الماضية، بحيث تتقلص المساحة إلى حد السيطرة على تلك الأحياء أو المناطق.

ويعود اللجوء إلى هذا التكتيك، الذي تبلور فيما بعد في استراتيجية متكاملة ضمن سلسلة معارك متواصلة، إلى عدد من العوامل المترابطة فيما بينها، وتتمثل في التبدل المستمر في المواجهات بين الأطراف المتنازعة في ساحات القتال غير المحددة، وتعذر السيطرة المتوازية على مناطق نفوذ الخصوم، وإحكام السيطرة على المناطق الجغرافية المركزية، والتفرغ للسيطرة على المناطق الجغرافية الأخرى، وتجنب الخسائر في صفوف القطاعات الجماهيرية، وتقليص الدمار الحادث في البنية التحتية، ورفع الروح المعنوية للقوات المقاتلة، وقطع خطوط الإمداد والتمويل بين الجماعات المسلحة، وتداخل مناطق السيطرة الفصائلية، وتفعيل نموذج اللا مركزية المناطقية، وتأمين الخطوط الحدودية المشتركة.

سيطرة تراكمية

 تشير الخبرة الميدانية في بؤر الصراعات العربية المسلحة إلى أن استراتيجية “القضم التدريجي” يقصد بها “سيطرة الفاعل، سواء كانت جيوش الدولة أو جماعات مسلحة ما دون الدولة، بشكل تدريجي وبطيء على أجزاء محدودة من الأحياء أو المناطق أو القرى أو البلدات الصغيرة أو الطرق أو الشرائط الحدودية المطلوب التقدم فيها، وتثبيت وضعها بعد فصل تلك الأجزاء، ثم الانتقال للسيطرة على أجزاء أخرى صغيرة، وهكذا دواليك ليستكمل السيطرة المتتابعة التراكمية على المناطق، إضافة إلى تأمين أجزاء ثانية”، على نحو يؤدي إلى تجزئة جبهات القتال أو ساحات المواجهة بين أطراف الصراع.

وتحتاج سياسة قضم الأحياء والمناطق إلى مقومات لا تملك الجيوش الموازية بعضها، وهي الدعم الجوي، والعنصر البشري القتالي، والإمداد اللوجيستي، والتحصين المناطقي بشكل مستمر، الأمر الذي يفسر نجاح الجيش السوري في استعادة السيطرة على مدينة محورية مثل حلب بتطبيق استراتيجية القضم البطيء منذ عام 2013 بحصار مناطق المعارضة المسلحة. فقد سيطر على بلدة، ثم قام بتأمين القرى المجاورة، ثم انتقل إلى المطار والتلال، ثم المدن الصناعية، حتى فرض الحصار على المدينة بأكملها.

البادية السورية

 جاء في تقرير صدر في العاصمة اللبنانية بيروت يوم السبت 13 مايو: فيما تستمر معركة قضم المناطق في بادية الشام، لفرض نفوذ على منطقة الحدود السورية المشتركة مع العراق والأردن، تتابع قوات الجيش السوري وحلفائه تعزيز مواقعها والتقدم في عمق البادية السورية، مركزة ضغطها العسكري على محورين رئيسين: هما امتداد طريق دمشق بغداد ومحيط مدينة تدمر، وخاصة الجانب الشرقي.

المعارك التي انطلقت عقب “اتفاق أستانا” الأخير، تهدف إلى إعادة حضور دمشق وحلفائها في الشرق السوري، بعد غيابهم لسنوات عن وادي الفرات والمناطق الحدودية مع العراق، عدا أجزاء من مدينة دير الزور ومحيطها.

وبعد تقدم الجيش لمسافة تصل إلى قرابة 65 كيلومترا على طول الطريق باتجاه بغداد في خلال الأيام القليلة الماضية، تمكن يوم الجمعة من السيطرة على مفترق الطرق بين دمشق وبغداد وتدمر، وتجاوزه نحو تلال صبيحية إلى الشرق منه. ويطرح التقدم الأخير، الذي يضع الجيش على مسافة تقارب 100 كم عن معبر التنف الحدودي، تساؤلات عن رد فعل قوات “التحالف الدولي” المحتمل إزاءه، لكون وحدات من الفصائل التي تدعمها تنتشر في تلك المنطقة، من جهة، ولحساسية واشنطن وحلفائها من إتمام أي اتصال بري بين دمشق وبغداد.

الاختراع القديم الجديد

كتب المحلل الصهيوني تسفي برئيل المقرب من دوائر الجيش الإسرائيلي يوم 8 مايو 2017 في صحيفة هآرتس:

بعد أقل من شهر على رد دونالد ترامب بصواريخ التوما هوك على سوريا قدمت روسيا الاستعراض السياسي الجديد: مناطق آمنة. واذا نجح ذلك فمن شأنه التشويش والتسبب في نسيان مسؤوليتها عن الهجوم “الكيميائي”.

الاتفاق حول اقامة مناطق “قليلة التصعيد” التي يعيش فيها مواطنون ومناطق آمنة، هو الاختراع القديم الجديد الذي تطمح روسيا بواسطته الى تقليص الحرب في سوريا والسعي الى ايجاد حل سياسي. الاتفاق الذي وقعت عليه روسيا وتركيا وايران دخل الى حيز التنفيذ في منتصف ليل الجمعة 5 مايو، وقد تم الاخلال به من خلال اطلاق النار في حماة. بعض قوى المعارضة رفضت الاتفاق، والتي تركت طاولة المفاوضات في استانا، عاصمة كازاخستان، بسبب معارضتها لتوقيع ايران عليه. ومع ذلك، في ظل غياب الخطوات البديلة وعدم معارضة الولايات المتحدة أو لامبالاتها، يجب منح الاتفاق فترة إختبار.

رغم وجود اتفاق حول موقع المناطق الآمنة قرب ادلب وشرق اللاذقية ومحيط درعا ومشارف حمص والاحياء الشرقية في دمشق ايضا لم يتم بعد رسم حدودها الدقيقة، حيث تنتظر المفاوضات التي ستجري في بداية يونيو. حسب صيغة الاتفاق، في المناطق الآمنة لن يكون هناك نشاط جوي، بما في ذلك نشاط قوات التحالف الدولي برئاسة الولايات المتحدة. وقد تم الاتفاق على اقامة حواجز بين المناطق، وسيكون هناك مراقبون سوريون على بنود الاتفاق. وسيتم تقديم مساعدة انسانية للسكان الذين يبلغ عددهم أكثر مليونين، وسيتم وقف اطلاق النار على الفور.

تنفيذ الاتفاق سيستمر لنصف سنة مع امكانية تمديده بناء على تفاهم الاطراف. وليس من المفروض أن يمنع الاتفاق محاربة داعش، لكن يمكن أن يفهم منه الدفاع الى حد ما عن منظمات اخرى مثل “تحرير الشام” و”جبهة احتلال الشام” التابعتين للقاعدة، وذلك اضافة الى المنظمات التي تعتبرها سوريا وروسيا منظمات ارهابية.

اختيار الاماكن التي ستعتبر “قليلة التصعيد” ليس صدفيا. منطقة درعا من المفروض أن تعطي الاجابة على تخوفات اسرائيل من نشاط الجيش السوري وحزب الله في هضبة الجولان، في الوقت الذي يسعى فيه حظر الطيران الى عدم قيام الاردن بالقصف. في محيط ادلب يوجد تواجد مكثف لمحاربي المليشيات الذين تم اخلاءهم من حلب ومدن اخرى محيطة بها، واقامة المنطقة الآمنة ستمنح روسيا والقوات السورية امكانية الرقابة على نشاطاتها. وفي المقابل، منطقة الحدود بين سوريا وتركيا، التي تعيش فيها اغلبية السكان الاكراد، ومنها تعمل ايضا قوات حزب العمال الكردستاني، ستبقى خارج المناطق الآمنة، وبالتالي تستطيع تركيا الاستمرار في قصفها. مدن الرقة ودير الزور ايضا، التي ما يزال داعش يسيطر عليها، غير مشمولة في الاتفاق. الحدود السورية اللبنانية لا تشملها قيود القصف، الأمر الذي سيمكن اسرائيل من الاستمرار في العمل في المناطق التي يتم نقل السلاح عبرها من سوريا الى حزب الله في لبنان.

اقامة المناطق الآمنة ليست فكرة جديدة. فتركيا طالبت باقامتها منذ بضع سنوات، حيث أن الهدف الاساسي منها هو انشاء مناطق كهذه على طول حدودها مع سوريا لمنع القوات الكردية من العمل. وقد عارضت اوروبا والولايات المتحدة هذه الفكرة في السابق خشية أن الرقابة ستتطلب التدخل العسكري في العمق السوري وارسال قوات برية كبيرة لضمان ذلك. ولكن لأن الولايات المتحدة وحلفاءها في اوروبا لم يوقعوا على الاتفاق وغير ملزمين بالتدخل، فقد تم ازالة العقبة الأساسية لاقامة المناطق الآمنة. ومع ذلك، مطلوب منهم دفع ثمن نقل السيطرة الشاملة على تطورات الحرب الى أيدي روسيا، وهذا ايضا ليس أمرا جديدا. فمنذ سبتمبر 2015 حيث بدأ النشاط الجوي في سوريا، سيطرت روسيا على الجبهة السياسية والعسكرية في الدولة وفرضت كيفية حل الأزمة.

الخطوة الأخيرة، التي هي على شكل اقامة مناطق آمنة، تعتبر استمرارا لسياسة وقف اطلاق النار محليا، والتي نجحت روسيا فيها في مناطق مختلفة في سوريا. الأمر الجديد هو مساحة المنطقة الكبيرة التي سيتم فيها وقف اطلاق النار ونجاح محور روسيا ايران تركيا في اقامة بديل حقيقي لتحالف الغرب. أهمية هذا المحور أكبر من نشاطه في سوريا، فهو يحقق طموح ايران بأن تكون قوة عظمى قادرة على المساعدة في حل الأزمات الاقليمية، اضافة الى أن هذا المحور يصور تركيا كدولة اقليمية حيوية تحت مظلة روسيا وليس الولايات المتحدة.

تحالف واشنطن وتل أبيب

 يوم الإثنين 8 مايو وصل رئيس هيئة الاركان الأمريكية المشتركة جوزيف دانفورد، إلى إسرائيل لاجراء محادثات تتعلق بسوريا فيما إعتبره المحللون مؤشرا على تنامي المأزق الذي يوجد فيه الطرفان اللذان يسعيان منذ سنة 2011 لإسقاط سوريا.

دانفورد التقي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع افيغدور ليبرمان ورئيس هيئة الاركان الإسرائيلي جادي ايزنكوت وقادة عسكريين آخرين، حسبما ذكرت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” في موقعها الإلكتروني.

وهذه الزيارة هى الثالثة التي يقوم بها دانفورد بوصفه رئيسا لهيئة الأركان الأمريكية المشتركة منذ توليه منصبه في شهر أكتوبر عام 2015.

وفي عام 2016، وافقت الولايات المتحدة على تقديم مساعدات عسكرية قياسية لإسرائيل خلال السنوات العشر المقبلة تقدر بـ38 مليار دولار، وهي الأكبر في التاريخ الأمريكي وقد بها منع اختلال التوازن العسكري نتيجة تطور الأوضاع في سوريا وتعزز قدرات حزب الله.

دليل على الهزيمة

 بعد ثلاثة أيام من زيارة دانفورد لتل أبيب، اعتبر الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصرالله، يوم الخميس 11 مايو، أن الجدار الذي تقيمه إسرائيل على الحدود مع لبنان دليل على هزيمتها، واتهم تركيا أمريكا وعدد من حلفائهما والجماعات المسلحة التي تتبعها بتنفيذ سياسة فرز طائفي وتغيير ديمغرافي في سوريا، وأكد أن حزب الله يرحب بأي وقف لإطلاق النار في سوريا توافق عليه القيادة السورية، وأن الحزب ذهب إلى هناك بمهمة محددة هي مساعدة الدولة السورية والشعب السوري، وأنه غير معني بالتفاوض الأمني أو العسكري، بل يلتزم بما تقرره الدولة السورية.

وقال نصر الله: “تل أبيب اكتشفت بسرعة أن إجراءاتها ومخابراتها هشة ولذلك سارعت إلى بناء هذا الجدار على الحدود.. وستبني الكثير من الجدران”.

وأكد أن من دلالات تشييد هذا الجدار على الحدود اللبنانية الفلسطينية هو اعتراف إسرائيل بهزيمة مشاريعها وأطماعها في المنطقة واعترافها بسقوط مشروع “إسرائيل الكبرى”. وبين نصر الله أن كل الأحداث أثبتت أن إسرائيل ضعيفة، قائلا: “هي مثل بيت العنكبوت.. من فولاذ فقط بعيون الضعفاء والخائفين”.. “في الماضي كان لبنان يخاف ويرتعد وكانت إسرائيل هي المسيطرة والقوية بينما اليوم بعد كل انتصارات المقاومة والمعادلات الذهبية يأتي الإسرائيلي ليشيد الجدران خوفا”.

وفي كلمة له في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاد القيادي في حزب الله مصطفى بدر الدين اعتبر نصر الله أن الإسرائيليين في السنوات الماضية شيدوا بعض الجدران وغيروا في الجغرافيا وأقاموا مواقع رصد، ولكن قبل أسابيع استطاع مواطن لبنان أن يخرق كل الإجراءات الإسرائيلية ويصل مشيا على قدميه إلى محطة الحافلات في كريات شمونه.

وأوضح نصرالله أن إسرائيل خائفة وقلقة من أي مواجهة مقبلة، لأنها قد تكون في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأنها “تهول بشن عدوان على لبنان منذ عشر سنوات ولا تنفذ كلامها”، داعيا اللبنانيين إلى أن يعيشوا حياتهم على نحو طبيعي وألا يخافوا من التهديدات الإسرائيلية.

دور محدود

 يوم 5 مايو أعلن رئيس وفد الحكومة الروسية في محادثات استانة، ألكسندر لافرنتييف، أن طائرات التحالف الدولي لن تحلق فوق مناطق وقف التصعيد في سوريا وأضاف، “عمل الطائرات المقاتلة فى مناطق تخفيف التصعيد وخاصة طائرات التحالف الدولى غير متوقع على الاطلاق مع أو بدون اشعار”. “الشيء الوحيد الذي يمكن أن يقوم به الطيران التحالف الدولي هو ضرب أهداف داعش”، والتي تقع في منطقة تمركز قوات هذا التنظيم، في منطقة الرقة، وفي اماكن أخرى في منطقة الفرات ودير الزور وعلى الأراضي العراقية”.

وتابع المسؤول الروسي أن بلاده لديها أدلة دامغة تشير إلى أن الأحداث في بلدة خان شيخون كانت استفزازا، وسوف تستمر موسكو في إقناع الغرب لتغيير الموقف في هذه المسألة.

وذكر “انكم تدركون جيدا أن روسيا لديها كل دليل دامغ على أن هذا استفزاز خالص من جانب أفراد وهياكل غير مهتمين بتحقيق السلام على الأراضى السورية، ولكن للأسف ،كل تفسيراتنا وحججنا تصطدم بسوء فهم كامل من جانب الغرب”.

واستطرد “لكننا سنعمل في هذا الإتجاه ونحاول إقناع الدول بتغيير موقفها فيما يتعلق بالحكومة السورية”.

وأشار لافرنتييف إلى أن اقامة مناطق تهدئة فى سوريا لا يحتاج إلى تفويض من مجلس الأمن الدولى، بيد أن الدول الضامنة سوف تخطره لأنها واثقة من دعم الأمم المتحدة.

واستطرد “عملية استانة آلية مستقلة تماما وقادرة على اتخاذ القرارات ومراقبة تنفيذها، والدول الضامنة الثلاث كافية لتنفيذ الاتفاقيات التى تم التوصل إليها، وليس هناك حاجة إلى تفويض من مجلس الأمن الدولى لإتخاذ أى قرار”.

وفي نفي رسمي لمحاولات بعض الأطراف إعتبار مناطق منع التصعيد تمهيد لتقسيم سوريا، أعلن وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف يوم الأحد 14 مايو، أنه من المخطط توسيع نظام وقف التصعيد القائم في المناطق الأربع في سوريا ليشمل باقي الأراضي السورية.

وقال لافروف خلال مقابلة مع القناة الأولى الروسية: “نحن توافقنا، خلال اجتماع أستانا قبل أيام على مذكرة لتطوير هذه المبادرة لتشمل جميع الأراضي السورية”.

انسحاب منظم

  في واشنطن كما في تل أبيب يحذر عدد من الساسة من أن دمشق وموسكو يناوران بمبادراتهم المختلفة لإقناع خصومهم بأنهم يبحثون عن تسوية سياسية تحفظ لهؤلاء بعض المنافع، في حين أنهم في الحقيقة يسعون لتحقيق كسب كامل. ويشير هؤلاء السياسيين إلى تأكيد دمشق وموسكو أنه سيسمح فقط لأطراف محايدة بمراقبة مناطق منع التصعيد، وسيقوم الجيش السوري والطيران الروسي بضرب كل خرق لوقف القتال، وستواصل دمشق عقد الإتفاقيات مع الجماعات المسلحة سواء من أجل إنسحابها أو وضع السلاح والأندماج في القوات النظامية. وأشار هؤلاء إلى تسارع عمليات إنسحاب المليشيات المسلحة وقيام مئات المتطوعين الأجانب بمغادرة سوريا إلى مناطق أخرى، ويتم ذلك في وقت يزداد فيه مأزق تركيا التي تقدر أن الولايات المتحدة تتآمر عليها بدعم الأكراد عسكريا وماديا وهو ما يهدد سلامة ووحدة الأراضي التركية نفسها ويلغي كل الوعود الأمريكية بأن تتقاسم أنقرة جزء من غنائم الحرب على أرض الشام.

يوم الأحد 14 مايو 2017 انطلقت قافلة تضم 1500 مدنيا وعسكريا من حيي القابون وتشرين في العاصمة دمشق، كانت تسيطر عليهما الفصائل المسلحة بعد الاتفاق مع الجيش السوري.

ومن المنتظر أن يخرج مئات من المدنيين والعسكريين من حي برزة بدمشق، الذي يسكنه 40 ألف شخص، إلى إدلب.

وسيطرت على حي القابون ثلاثة فصائل رئيسية وهي جيش الإسلام وفيلق الرحمن وأحرار الشام منذ أواخر عام 2011.

ويأتي الاتفاق بعد سلسلة من الاتفاقات المماثلة في احياء في دمشق يسيطر عليها المسلحون وبعد تقدم عسكري للقوات الحكومية السورية في القابون.

وذكرت وكالة الانباء السورية الرسمية سانا السبت انه تم ايقاف العمليات العسكرية في حي القابون بعد الظهر بعد ان اعلنت “التنظيمات الارهابية” قبولها باتفاق يقضي برحيل عناصرها من الحي.

وتعتبر الحكومة السورية هذه الاتفاقات أفضل طريقة لانهاء الحرب المستمرة منذ ست سنوات، لكن المسلحين يقولون انهم مجبرون عليها بسبب نيران الجيش والحصار.

مساومات وإنقسامات

أقحمت أمريكا نفسَها في واحد من أقدم وأشد الصراعات دموية في المنطقة، الحرب المستمرة منذ 33 عاما بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، التنظيم الأم لوحدات حماية الشعب الكردية، هذا التورط جاء تحت غطاء لعب دور في الحرب الدائرة على أرض الشام.

واشنطن أعلنت في 9 مايو 2017، أنها قررت مباشرة تسليح وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا، وعقب ذلك مباشرة انتقد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قرارَ نظيره دونالد ترامب، ورأى أن تسليح الكرد يتناقض مع المصالح الاستراتيجية للبلدين، لكنه سعى لتصوير ذلك على أنه ميراث من سياسة إدارة أوباما في الشرق الأوسط، وأن الولايات المتحدة لا تزال تخوض مرحلة انتقالية.

وتعتبر تركيا وحدات حماية الشعب امتدادا لحزب العمال الكردستاني، الذي يشن تمردا في منطقة جنوب شرقي تركيا، ذات الغالبية الكردية، منذ ثلاثة عقود، وتصنفه أنقرة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة منظمة إرهابية.

وفي الوقت الذي تعتبر فيه واشنطن وحدات حماية الشعب كيانا مختلفا عن حزب العمال الكردستاني، ترى تركيا أنها لا تريد أن ترى “منظمة إرهابية جنبا إلى جنب مع الولايات المتحدة”، وأنها ستواصل العمليات العسكرية ضد أهداف في الفصائل الكردية المسلحة في العراق وسوريا.

وبينما تواجه العلاقات التركية الأمريكية أزمة حادة، يسعى السياسيون في البيت الأبيض إلى استرضاء أنقرة بتقديم وعود جديدة لكنها لم تصل إلى حد التخلي عن دعم الأكراد، في مقابل ذلك تناور أنقرة للتحالف علنيا مع بعض مكونات التنظيمات المسلحة في سوريا، وهي تقدر أن ذلك سيشكل آخر منفذ قبل الإضطرار إلى قبول شروط موسكو ودمشق لتفاهم كامل، ولكن المشكلة هي أن تلك الفصائل المسلحة غير متفقة فيما يخص إقامة تحالف جديد مع أنقرة والتخلي عن الروابط مع واشنطن والتنظيمات الكردية.

وهكذا قالت مصادر إعلامية من مدينة إدلب شمال غربي سوريا، يوم الجمعة 12 مايو، إن تركيا تسعى لتأسيس “الفيلق الأول” التابع لفصائل المعارضة السورية المسلحة.

وحسب المصادر يجب أن يضم الفيلق سبعة عشر فصيلا من الفصائل العاملة في شمال سوريا، بما في ذلك مقاتلو “درع الفرات”.

ونشر موقع للمليشيات ما نقله الناشط الإعلامي أيمن الحسين عن مصادر عسكرية في المعارضة، بأن “هجوم حركة أحرار الشام الإسلامية في منطقة إدلب جاء بعد الأنباء التي تحدثت عن تشكيل الفيلق الأول، والذي يضم تجمع فاستقم كما أمرت وجيش إدلب الحر وجيش الإسلام وغيرها من فصائل المعارضة المسلحة المدعومة أمريكيا وتركيا”.

فيما نقل عن مصادر وصفت بالخاصة في المعارضة المسلحة أن “هيئة تحرير الشام أرسلت حشودا عسكرية مع أسلحة ثقيلة تحسبا لاقتحام مقاتلي درع الفرات مدينة إدلب من جهة المعابر الحدودية مع تركيا”.

وكانت مظاهرات في مدينة إدلب بعد صلاة الجمعة قد نددت باتفاق أستانا، وإنشاء مناطق تخفيف التوتر، وأفاد نشطاء بأن خطباء مساجد في ريف إدلب، خصصوا خطبة الجمعة لمهاجمة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ودعوة السوريين إلى مواجهة مشروع “إحياء للخلافة العثمانية”.

ووفق نشطاء فإن مجموعة من المشايخ قامت بتوزيع بيان على علماء دين سوريين في تركيا وداخل الأراضي السورية، من أجل إعطاء “فتوى شرعية” لدخول القوات التركية، والمشاركة في السيطرة على محافظة إدلب، وإنهاء تواجد “هيئة تحرير الشام ومجموعات أخرى”.

بينما ذكرت مصادر محلية في محافظة إدلب أن “هيئة تحرير الشام” النصرة استنفرت عناصرها بشكل غير مسبوق حيث ضاعفت عدد الحواجز لتعزيز النقاط الرئيسية لها في المحافظة، وذلك بالتزامن مع توجه وفد من “الهيئة” إلى تركيا لــ “التباحث حول التدخل التركي المرتقب”.

وجاء استنفار الهيئة بعد ساعات من إعلانها عن موقفها “الشرعي” من التطورات الأخيرة الذي أفتت فيه بقتال أي قوة عسكرية تحاول الدخول إلى محافظة ادلب، واعتبار اتفاقية أستانة والرضا بها “خيانة يجب على كل مسلم العمل على خرق هذه الاتفاقية”.

واعتبرت الهيئة في بيانها الذي أصدرته في 9 مايو أن “من يقتل في المعارك ضد هذه القوات فهو شهيد، كونه يحاول منع تسليم الأرض لـ”عملاء مرتزقة”.

وأفاد ناشطون في ريف إدلب أن “هيئة تحرير الشام” أرسلت تحذيرا لـ”أحرار الشام” طالبتها فيه بإخلاء كامل ريف إدلب الغربي خلال مدة أقصاها 48 ساعة، خوفا من أي تقدم تركي من جهة “أحرار الشام” باتجاه مواقعها، من دون توفر أي تفاصيل عن رد فعل الحركة حول هذا التهديد.

تقليص الخسائر

كتب المحلل والصحفي عبد الباري عطوان يوم 12 مايو 2017:

الرئيس التركي رجب طيب اردوغان غاضب هذه الأيام على الجميع، الحلفاء والاعداء معا، غاضب على الولايات المتحدة، غاضب على أوروبا، غاضب على ايران والعراق، وغاضب على دولة الاحتلال الإسرائيلي، وناقم على اليونان، وبات من الصعب ان نجد دولة واحدة راض عنها، او غير غاضب عليها على الأقل.

هذا الغضب له تفسيرات عدة، ابرزها في نظرنا حالة الإحباط التي يعيشها الرئيس التركي من جراء خذلان حلفائه التاريخيين له، والامريكان على وجه التحديد بعد الخدمات التي قدمتها بلاده لهم، من خلال عضوية حلف الناتو على مدى اكثر من ستين عاما.

يوم الثلاثاء 16 مايو سيحط الرئيس التركي الرحال في واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي عول عليه كثيرا في دعم سياسته، أي اردوغان، في سوريا، والشق المتعلق منها بإطاحة حكومة الرئيس بشار الأسد، وإقامة مناطق عازلة، وعدم تقديم أي دعم عسكري او سياسي للاكراد.

فرص نجاح زيارة الرئيس اردوغان في تحقيق أهدافها تبدو محدودة، واحتمالات الفشل اكبر بكثير من احتمالات النجاح، فادارة الرئيس ترامب لن تسلّم الداعية فتح الله غولن، المتهم بالوقوف خلف الانقلاب العسكري، وأعلنت الخميس على لسان العقيد دون دارن، المتحدث باسم قوات التحالف الدولي لمحاربة “الجهاديين”، انها ستسرع تنفيذ قرارها بتسليح قوات حماية الشعب الكردية السورية بدبابات وصواريخ واسلحة حديثة تؤهلها لشن الحرب لاستعادة مدينة الرقة من “الدولة الإسلامية”، بغطاء جوي ومشاركة برية أمريكية.

الحقيقة التي ربما يرفض الرئيس اردوغان الاعتراف بها علنا، هو شعوره بالخديعة، من قبل من يدعون انهم حلفاؤه، أي الامريكان، الذين استخدموه، وورطوه في الملف السوري، طوال السنوات الست الماضية، ونسفوا بذلك كل إنجازاته الشخصية والحزبية، ودمروا بالتالي طموحاته السياسية، ثم تخلوا عنه لصالح الد اعدائه، أي الاكراد.

دعم الرئيس ترامب للاكراد السوريين الذين تضعهم تركيا على قائمة الإرهاب، وتعتبرهم خطرا وجوديا عليها، وتسليحهم بدبابات ومدرعات وصواريخ حديثة متطورة، واعتمادهم كحليف مؤتمن لـ”تحرير” مدينة الرقة، يعني وضع النواة الاصلب لجيش الدولة الكردية، التي يمكن ان تمتد على طول الحدود التركية السورية، وتهدد الوحدة الترابية والديمغرافية لتركيا.

الامريكان استخدموا الاتراك، والرئيس اردوغان تحديدا لطعن العرب في الظهر، وتفتيت دولهم المضادة لهم أي للامريكيين ولإسرائيل، وبعد ان حققوا معظم مهمتهم في العراق وسوريا وليبيا، هاهم الآن يخططون الاستخدام الاكراد، وربما غيرهم، لتفتيت تركيا.

الفرصة سانحة امام الرئيس اردوغان لمراجعة سياساته، وتقليص الخسائر، وإنقاذ تركيا والمنطقة من مخططات التدمير والتفتيت، فهل يفعل ذلك؟

لدنيا الكثير من الشكوك.. ونأمل ان لا تكون في محلها، وان يثبت الرئيس اردوغان عدم صحتها.

عمر نجيب
للتواصل مع الكاتب:
Omar_najib2003@yahoo.fr

شارك برأيك

إلغاء الرد