متاهة الصراع الدولي على أرض الشام في سنتها السادسة.. إسرائيل أكبر المتضررين من سقوط مشروع الفوضى الخلاقة

متاهة الصراع الدولي على أرض الشام في سنتها السادسة

إسرائيل أكبر المتضررين من سقوط مشروع الفوضى الخلاقة

عمر نجيب

  • بقلم // عمر نجيب

على ساحة القتال في بلاد الشام يتابع الجيش العربي السوري بشكل ثابت بدعم من روسيا وحزب الله اللبناني تقدمه على مختلف الجبهات وفي الاتجاهات الجغرافية الأربعة انطلاقا من الجنوب الغربي بموازاة خطوط التماس والحدود مع كل من إسرائيل والأردن، وإلى الشرق في منطقة نهر الفرات والبادية والحدود مع العراق، وفي الشمال بمنطقة الحدود السورية مع تركيا ومناطق الرقة ودير الزور، وأخيرا في المنطقة الغربية على الحدود المشتركة السورية اللبنانية في مناطق جرود عرسال وفليطة.

مقابل تقدم الجيش السوري تتعاظم المواجهات الدامية بين مختلف التنظيمات المسلحة المعادية لدمشق لأسباب عديدة، بينما تنجح الأجهزة الأمنية التابعة لدمشق وموسكو وحزب الله في التوصل إلى تسويات مع مجموعات مسلحة تابعة لقوى خارجية أدركت أن فرص الربح إنتهت، وتتشرذم كذلك القوى السياسية العسكرية الموصوفة غربيا بالمعارضة السورية المعتدلة.

واشنطن وإسرائيل وتركيا أساسا حاولت وبأساليب وتكتيكات مختلفة كبح هذا التقدم الذي يهدد بوضع المسمار الأخير في نعش مشروع تعديل موازين القوى وإعادة رسم الحدود في منطقة الشام، وهو ما سيشكل ضربة قاسية جدا لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي ينص على تقسيم دول المنطقة إلى ما بين 54 و 56 دولة على أسس عرقية وطائفية ودينية ومناطقية.

لعبة أم حقيقة

  أفادت صحيفة “واشنطن بوست” المعروفة بصلاتها الوثيقة مع البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قرر إغلاق البرنامج السري لوكالة الاستخبارات المركزية لتسليح المعارضة السورية، ما قد يدل على تغير جذري في سياسته بسوريا.

وأوضحت الصحيفة الأمريكية، استنادا إلى مسؤولين في حكومة الولايات المتحدة، أن “الإغلاق النهائي لهذا البرنامج السري يعكس اهتمام ترامب بإيجاد سبل للعمل المشترك مع روسيا، التي تعتبر هذا البرنامج المناهض للحكومة السورية ضربا لمصالحها”.

وبين المسؤولون الأمريكيون، الذين تحدثوا للصحيفة، أن ترامب اتخذ قرار التخلي عن برنامج وكالة الاستخبارات المركزية قبل شهر واحد تقريبا، خلال اجتماع في المكتب البيضاوي مع مدير وكالة الاستخبارات المركزية، مايك بوميو، والمستشار الأمني، هربرت رايموند ماكماستر، وذلك قبل لقائه الأول مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي عقد على هامش قمة مجموعة دول العشرين الكبرى في مدينة هامبورغ الألمانية يوم 7 يوليو 2017.

ورفضت كل من وكالة الاستخبارات المركزية ومجلس الأمن القومي في الولايات المتحدة التعليق على تقرير الصحيفة هذا.

يوم الخميس 20 يوليو 2017 أفادت هيئة “بي بي سي” البريطانية أن مسؤولين أمريكيين أكدوا أن الرئيس دونالد ترامب أمر بوقف البرنامج السري الذي تديره وكالة المخابرات المركزية “سي آي إيه” لتدريب جماعات المعارضة السورية.

وكان هذا البرنامج قد أطلق في عام 2013 عندما قرر الرئيس السابق باراك أوباما الضغط على الرئيس السوري بشار الأسد لاجباره على التنحي عن الحكم وتبديل نظام الحكم في سوريا وتقسيم البلاد.

وقال المسؤولون المذكورون إن قرار وقف دعم الجماعات السورية المعارضة اتخذ قبل شهر تقريبا، وان تدفق الاسلحة والمعدات لهذه الجماعات قد تباطأ الى حد بعيد في تلك الفترة.

وذكر أحد المسؤولين إن القرار اتخذ بهدف تحسين العلاقات مع روسيا.

وكانت روسيا، التي تدعم سوريا وحكومة الرئيس الأسد، قد طلبت مرارا وقف البرنامج.

ويعتبر هذا نقلة نوعية في موقف الولايات المتحدة، فقبل 3 اشهر فقط أطلقت صواريخ أمريكية على أهداف داخل سوريا رد اعلى اتهام الحكومة باستخدام أسلحة كيماوية.

وصرحت المبعوثة الأمريكية إلى الأمم المتحدة نيكي هيلي في ذلك الوقت بأن بلادها لا تتصور امكانية احلال السلام في المنطقة في حال استمرار بشار الأسد في رئاسة سوريا، حسب الصحيفة.

الملاحظون سجلوا أن خبر وقف الدعم فيه نقط غموض كثيرة، فهو يتحدث تارة عن التدريب وأخرى عن السلاح، وزيادة على ذلك كانت هناك أخبار سابقة عن نفس الموضوع ولكن الأمور سارت في إتجاه مخالف، إضافة أن برنامج المخابرات الأمريكية لدعم المسلحين في سوريا هو واحد من برامج عديدة تنفذها مصالح أمريكية مختلفة بشكل مباشر في حين أن هناك برامج ضخمة وبأموال طائلة تمول مليشيات مسلحة في سوريا وتأتي من دول خليجية وإسرائيل وتركيا وحكومات مختلفة.

مناورات

 قبل خمسة أشهر من مقال صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، ويوم 21 فبراير 2017 نشرت صحيفة الإندبندت البريطانية نقريرا حول حجب الدعم الذي تقدمه وكالة المخابرات الأمريكية حيث ذكرت:

كشفت مصادر في المعارضة السورية، عن أن المساعدات العسكرية التي تنسقها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية للمعارضة في شمال غربي سوريا قد جمدت بعد تعرض قوات المعارضة لهجوم كبير من “إسلاميين متشددين”، في يناير 2017.

وتلقى هذه الخطوة شكوكا حول استمرار الدعم للمعارضة السورية من قبل الداعمين التقليديين، حسب تقرير صحيفة الإندبندنت البريطانية.

وقال مسؤولون في المعارضة السورية، إنهم لم يتلقوا أي تفسير رسمي بشأن تلك الخطوة خلال شهر فبراير 2017، في أعقاب الهجوم الجهادي الذي نفذته جماعة فتح الشام التي كانت تسمى جبهة النصرة قبل أن تفك ارتباطها بالقاعدة.

وعلى الرغم من أن العديدين قالوا إنهم يعتقدون أن الهدف الرئيسي من وراء الخطوة هو منع وقوع الأسلحة والأموال في أيدي المُسلحين الجهاديين، لكنهم قالوا إنهم يتوقعون أن يكون تجميد المساعدات أمرا مؤقتا.

وحسب الصحيفة البريطانية ذكر مسؤولان أمريكيان على اطلاع على البرنامج الذي تقوده وكالة الاستخبارات المركزية إن وقف المساعدات، التي تشمل رواتب، وتدريبات، وذخائر، وصواريخ موجهة مضادة للدبابات، يأتي ردا على الهجمات الجهادية وليس متعلقا بخلافة الرئيس ترامب لباراك أوباما، في يناير 2017.

ويعكس هذا التجميد المشكلات التي تواجه الجيش السوري الحر في الحرب المستمرة منذ حوالي 6 سنوات ضد حكومة دمشق، التي تبدو الآن حصينة من الناحية العسكرية.

وقال مسؤول في أحد فصائل الجيش السوري الحر المتأثرة بالقرار في فبراير 2017: “الحقيقة هي أن لديك تغيرات في المنطقة، وهذه التغيرات لها حتما تداعيات”. وأضاف إن أية مساعدات عسكرية لا يمكنها “الدخول في الوقت الحاضر إلى أن يتم تنظيم الأمور. هنالك ترتيب جديد، لكن شيئا لم يتبلور بعد”.

يوم 21 يوليو وحسب وكالة رويترز الدولية، اعتبر قائد عسكري أمريكي كبير أن قرار الولايات المتحدة لم يكن تنازلا لروسيا.

وذكر الجنرال في الجيش الأمريكي ريموند توماس، قائد قيادة العمليات الخاصة أمام المنتدى الأمني السنوي في ولاية كولورادو: “على الأقل فيما أعلم عن هذا البرنامج وقرار إنهائه لم يكن أبدا استرضاء للروس”.

يذكر أن مسؤولا أمريكيا ادعى في وقت سابق من هذا الأسبوع أن قرار وقف الدعم، يأتي في إطار مسعى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحسين العلاقات مع روسيا.

لا معطيات رسمية

في موسكو أعلن مصدر في وزارة الخارجية الروسية يوم 21 يوليو أن روسيا لم تستلم حتى الآن عبر القنوات الرسمية أي معلومات عن إلغاء البرنامج السري لوكالة المخابرات المركزية.

وجاء في تعقيب لنائب مدير إدارة الإعلام والمطبوعات في الخارجية الروسية ارتيوم كوجين نشر على موقع الوزارة: “نحن لم نسمع من المصادر الرسمية شيئا من هذا القبيل وعن صدور مثل هذا القرار عن الإدارة في واشنطن”.

وأضاف الدبلوماسي الروسي القول: “نحن كذلك لا نعلم ولا نعرف شيئا عن حالة البرامج المماثلة التي يمكن أن تنفذ عبر المؤسسات الأمريكية المختصة الأخرى. الاستخبارات الأمريكية لا تقدم لنا أية تقارير”.

تعليقات وتحليلات كثيرة صدرت بعد تقرير صحيفة الواشنطن بوست على أساس أن قرار ترامب ثابت ونهائي.

الصحفي الأمريكي في مجال التحقيقات، ريك ستيرلينغ، ذكر أن ما سيعكسه قرار ترامب بوقف دعم الجماعات السورية المسلحة المعتدلة في سوريا والذي انتهجه سلفه باراك أوباما، هو أمر إيجابي في نهاية الأمر، موضحا بأن برنامج الولايات المتحدة بتدريب وتسليح المعارضة المسلحة المعتدلة هو في نهاية المطاف غير قانوني بموجب القانون الدولي، لأنه هدر للمال، فقد تم إنفاق ما بين عامي 2014 و 2015، حوالي 500 مليون دولار أمريكي من أموال دافعي الضرائب الأمريكية لتدريب 54 فرد من المعارضة المسلحة المعتدلة لينضم معظمهم لاحقا إلى جبهة النصرة والقاعدة.

وأوضح الصحفي ردا على سؤال حول عدم تأكيد البيت الأبيض هذا التقرير لغاية الآن، بأن هنالك تخبطا يجري في كواليس السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يرى البعض، بحسب رأي الكاتب، أن ترامب ينزلق إلى ” فخ روسي”. وبرأي الصحفي فإن الكثير من الساسة الأمريكيين يريدون إطالة أمد الصراع في سوريا.

توهم يجب أن ينتهي

يوم 21 يوليو تحدث سيمون باغداساروف مدير مركز دراسات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى   لصحيفة “أرغومينتي إي فاكتي” عن سبب إعلان إدارة ترامب عن وقف المساعدات العسكرية للمعارضة السورية حيث قال:

لم يكن قرار ترامب مفاجئا. فحتى مؤيدو البرنامج كانوا قد اعترفوا مرارا في أوقات سابقة بفشله الكامل، وبخاصة منذ عامين بعد تقديم روسيا المساعدة العسكرية للحكومة السورية.

“القرار الأمريكي لا يمثل بالطبع تنازلا أمريكيا في سوريا، وكفانا توهما بأن “ترامب صديقنا”، وأن “ترامب سوف يساعدنا”… أو الاعتقاد بأنه سيصبح جيدا في المستقبل… أو أنه سوف يتنازل في أوكرانيا أو سوريا. ترامب ليس مجنونا، وروسيا كما في الماضي لا تستطيع التعويل إلا على نفسها”.

أما “القضية فتتمثل في أن نظام توزيع الدعم العسكري الأمريكي للقوى المناهضة للرئيس الأسد يتكون من عنصرين: الأول هو “وكالة الاستخبارات المركزية”، التي ساعدت “الجيش السوري الحر” وغيره من الجماعات، التي تنضوي تحت مسمى عام هو “المعارضة السورية”. أما العنصر الثاني فهو “دائرة الاستخبارات في البنتاغون”، التي تساند “قوات سوريا الديمقراطية”، والتي تتكون أساسا مما يسمى وحدات حماية الشعب الكردية في شمال البلاد. وقد أثبتت التجربة العملية للأمريكيين أن خيار مساعدة الكرد أكثر إثمارا، لأن الجيش السوري الحر والبنى المرتبطة به يقع تحت سيطرة تركيا، وبالتالي ليس من مغزى للأمريكيين في تحمل تكاليفه. وأصبح هذا الشيء مفهوما منذ زمن. أما في ما يتعلق بما يسمى “الجيش السوري الجديد” الموجود في جنوب-غرب البلاد، فانه يتلقى الدعم الحقيقي من قبل الحكومتين الأردنية والسعودية. ويقتصر الأمريكيون على دعمه لوجستيا فقط”.

وحول مدى تأثير قرار ترامب في الوضع العسكري-السياسي في سوريا، ومدى انعكاسه على القدرات القتالية للقوى المناهضة للرئيس الأسد؟ أكد بغداساروف “ألا تغيير ملحوظا سيحدث في هذا الجانب. وسيستمر “الجيش السوري الحر” والبنى الموالية لتركيا في القتال، وستتواصل الاشتباكات على بقية الجبهات الأخرى كما كان الأمر عليه في السابق”.

أما بشأن الحديث الذي تزايد في الفترة الأخيرة حول تنازلات الغرب في مسألة بقاء الأسد على راس السلطة، وعن أن مسألة وجود الأسد لم تعد القضية الرئيسة، وأن المهم التوصل إلى بسط السلام في سوريا”، خلص سيمون بغداساروف إلى القول: “ليس هناك من شك في أنه ما إن تسنح أي فرصة، فإن الأمريكيين سينتهزونها لإطاحة الأسد، ولا حاجة إلى العيش في الأوهام.

الغرب يسلح المليشيات

تناول الكاتب الصحافي أوليغ أندرييف في صحيفة “نيزافيسيمايا غازيتا” مصادر وقنوات تسليح الجماعات المسلحة في سوريا، مشيرا بذلك إلى دول غربية وإسرائيل وكتب يوم 6 يوليو 2017:

حصل المركز الروسي للمصالحة بين فرقاء الصراع في سوريا على أدلة قاطعة تكشف أن تنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة” الإرهابيين يستخدمان أسلحة حربية غربية الصنع.

وإن ما أثار القلق بشكل خاص هو وجود أسلحة قنص متقدمة وحديثة الصنع في يد الإرهابيين، أسفرت عن مقتل أكثر من عسكري روسي، لم يكونوا في الخطوط الأمامية لجبهة القتال، وكانوا على مسافات تبعد عنها مئات الأمتار. وقد تمكن القناص في إحدى المرات من رؤية المستشار العسكري الروسي أليكسي بوتشيلنيكوف وتمييزه بين العسكريين السوريين في ظروف الظلام الليلي، وأرداه قتيلا برصاصة واحدة.

ويؤكد خبراء مختصون استحالة تحقيق هذه النتيجة من دون وجود بنادق قنص متطورة وحديثة مع أجهزة الرؤية الليلية الحساسة، التي تصنع فقط في الولايات المتحدة وروسيا بسبب تكلفتها الباهظة وصعوبة إنتاجها.

لهذا، فإن الخبراء الروس دهشوا جدا عندما عثروا في أجهزة الرؤية الليلية الغربية الصنع على حشوة إلكترونية روسية الصنع وخاصة المحولات الإلكترونية البصرية.

وقد تكون إحدى القنوات لوصول هذه المعدات الحديثة إلى أيدي الإرهابيين في سوريا، عبر استيرادها من قبل بلد ثالث رسميا من روسيا. ويجري التحقيق الآن في هذا الموضوع، وسوف يتم تحديد هذه القنوات من دون شك، وسيتم إغلاقها. لكن من المستبعد أن يكون لذلك تأثير ملموس على القدرات العسكرية للتنظيمين الإرهابيين “داعش” و”جبهة النصرة”، حيث يقوم العالم الغربي بأسره بتزويدهما بالسلاح.

وإضافة إلى الأسلحة السوفياتية والصينية واليوغوسلافية والأمريكية والألمانية والتشيكية، التي استولى عليها الإرهابيون في معسكرات ومخازن الجيشين السوري والعراقي، توجد بحوزة الإرهابيين كذلك رشاشات “عوزي” إسرائيلية الصنع.

ويشير الكاتب في هذا الصدد إلى تقرير هيئة الأمم المتحدة بتاريخ 15 يونيو 2016، والذي يذكر بلغة واضحة أن “السلطات الإسرائيلية تقوم بانتظام بتقديم المال والسلاح للمقاتلين الإسلامويين، الذين يحاربون الحكومة الشرعية في سوريا وقواتها المسلحة في مرتفعات الجولان”. وكشف التقرير عن 16 لقاء جرى بين الطرفين خلال الفترة الزمنية التي امتدت ما بين 02 مارس وحتى 16 مايو 2016.

ويؤكد رئيس قسم التكامل والتطور الأوراسي في منظمة شنغهاي للتعاون بمعهد رابطة الدول المستقلة فلاديمير يفسييف أن دولة خليجية أرسلت الى المسلحين في سوريا أنظمة الصواريخ الأمريكية المضادة للدبابات “تاو”، ومن ليبيا تلقوا صواريخ الدفاع الجوي المحمولة على الكتف، التي سرقت من مستودعات جيش الليبي.

بيد أن الطريق عبر بلغاريا إلى سوريا يبقى الأكثر نشاطا في تزويد المسلحين بالسلاح والعتاد الحربي، حيث شارك في “السيل البلغاري” 15 جهازا استخباريا غربيا بما في ذلك الأجهزة المختصة للولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا وبلدان في الخليج العربي.

هذا، وقد تمكن الصحافيون البلغار من تحديد هوية الباخرة الأساسية التي تنقل السلاح إلى تنظيمي “داعش” و”جبهة النصرة”، والتي تحمل اسم “ماريان دانيكا”، وترفع علم دولة الدنمارك. وكانت حتى الفترة الأخيرة تنقل السلاح مرتين في الشهر من ميناء بورغاس البلغاري إلى ميناء جدة. وتفترض قيادة مجموعة القوات الروسية في سوريا أن “الجهاديين” في سوريا تلقوا عبر بلغاريا مليوني قذيفة وأربعة آلاف صاروخ.

مصالح وموسكو وواشنطن متباينة

يوم 21 يوليو 2017 أشار مايك بومبيو مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، إلى أن مصالح واشنطن وموسكو متباينة في سوريا، وهما ليستا حليفتين هناك، معتبرا أن روسيا تسعى إلى البقاء في الساحة السورية.

وذكر بومبيو في كلمة ألقاها خلال ندوة سنوية بشأن قضايا الاستخبارات والأمن القومي في مدينة آسبن بولاية كولورادو الأمريكية “إننا نحاول طبعا، إيجاد المجالات التي يمكننا التعاون مع الروس فيها، لكن مصالحنا هناك في سوريا ليست متماثلة”.

وردا على سؤال حول رأيه في ماهية المصالح الروسية في سوريا، أجاب: “يعجبهم ميناء في مياه لا تتجمد، كما يعجبهم إزعاج أمريكا. أظن أنهم يبحثون عن أماكن يمكنهم تعقيد الأمور علينا فيها، وأخرى يمكنهم الاستفادة من حضورهم فيها”. وأضاف: “من وجهة النظر الاستخباراتية، من الجلي للعيان أنهم ينوون البقاء في سوريا”.

وشكك بومبيو في أن روسيا “انتهجت استراتيجية جدية” لمكافحة الإرهاب الدولي في سوريا، وقال إن الافتراض أن روسيا حليف لأمريكا في سوريا لا يجد تأكيدا في التطورات على الأرض هناك.

مع ذلك، أعرب المسؤول الأمريكي عن أمله في إمكانية إيجاد ساحات للعمل المشترك مع موسكو في محاربة الإرهاب.

ووصف بومبيو العلاقات مع روسيا بالمعقدة، مؤكدا على قناعته بأن موسكو تدخلت في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة.

وردا على سؤال حول ما إذا كان يعتبر روسيا عدوا، قال إنها “مسألة صعبة”، مشيرا إلى حيازة روسيا “ترسانة نووية ضخمة”، وترسيخ وجودها في سوريا واستعادتها شبه جزيرة القرم، وأضاف أن من مهمات الولايات المتحدة التصدي لروسيا ومنعها من “مواصلة التوسع”، بحسب تعبيره.

مخططات واشنطن

 في موسكو عبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن دهشته من حديث مدير المخابرات الأمريكية حول تباين أهداف موسكو وواشنطن في سوريا. وقال في مقابلة مع قناة “إن بي إس” الأمريكية:

صرح مايك بومبيو إن هدف روسيا يكمن في الحصول على ميناء لا تتجمد مياهه في البحر الأبيض المتوسط. أشكره على التذكير بأن الميناء لا يتجمد. لكنني قد قرأت أن الولايات المتحدة تملك 10 قواعد على الأراضي السورية”.

وأضاف: “يعني ذلك أن بومبيو يريد الشيء ذاته الذي نريده نحن في سوريا. لكنه يريد شيئا أكبر بأضعاف”. وتابع أن روسيا لا تخفي قاعدتيها الاثنتين في سوريا عن أحد، مشددا على أن القاعدتين تعملان على أساس اتفاقيات موقعة مع الحكومة السورية. وأوضح: “مهمة هاتين القاعدتين تكمن في محاربة الإرهابيين الموجودين في سوريا بكثرة”.

وذكر بأن الولايات المتحدة تحاول التكتّم وعدم التحدث علنا عن قواعدها في سوريا، “ومن الواضح للجميع أن وجود هذه القواعد في سوريا يفتقد أي أساس قانوني”. وردا على سؤال عما إذا كانت موسكو تعارض وجود القواعد الأمريكية في هذا البلد، قال لافروف: “لا، لا أعارض وجود قواعد أمريكية في سوريا، شريطة سحب الأمريكيين لوجودهم غير الشرعي في الجمهورية العربية السورية، لأنهم جاؤوا غير مدعوين، وذلك ما يميزهم عنا”.

وبشأن مستقبل الوجود الأجنبي العسكري في سوريا، قال “إنه بعد هزيمة المجموعات الإرهابية والتوصل إلى اتفاق يلائم كافة المجموعات الإثنية والطائفية في البلاد، ستكون دمشق الجهة الوحيدة التي يمكنها اتخاذ القرار الشرعي حول وجود عسكريين أجانب وقواعد أجنبية”.

وفي معرض تعليقه على تطابق أو اختلاف الأهداف الروسية والأمريكية في سوريا، شدد لافروف على أنه “ينطلق دائما من تطابق الأهداف في ما يخص تحقيق المهمات الرئيسية، التي تكمن في محاربة الإرهاب واجتثاث تنظيمي داعش وجبهة النصرة وأخواتهما في الأراضي السورية، إضافة إلى تنفيذ الاتفاقات حول التسوية السياسية على أساس القرار الدولي رقم 2254، الذي يسجل بوضوح أن السوريين وحدهم يمتلكون الحق في تقرير مصيرهم”.

العامل الإسرائيلي

 مصادر رصد ألمانية أفادت أن إسرائيل هي حاليا الطرف الأكثر تضررا من التطورات العسكرية والسياسية على الساحة السورية، صناع القرار في تل أبيب يطرحون عدة تكتيكات لمواجهة هذه التطورات ولكنهم يدركون أن مجال مناورتهم يتقلص بإستمرار خاصة على ضوء تحريك موسكو لشبكة دفاعها الجوي لتشمل كل الأراضي السورية وهو ما عطل أي تدخل للطيران الإسرائيلي منذ أسابيع حتى ضد قوافل إمداد حزب الله اللبناني، وكذلك بسبب عدم إتضاح السياسة الأمريكية ورغبة واشنطن في عدم الدخول في إمتحان قوة مباشر مع موسكو.

يوم 4 يوليو جاء في تقرير نشرته “غيوبوليتيكا” الروسية:

يبدو أن إسرائيل قررت “القفز إلى المقطورة الأخيرة” في المسلسل السوري الدامي للتأثير في معادلة الصراع القائم عبر الاتفاق على تنفيذ خطوات محددة مع الولايات المتحدة.

إن القصف الإسرائيلي المتكرر لمواقع القوات الحكومية السورية في منطقة محافظة القنيطرة الحدودية خلال الفترة الأخيرة، ووضع القوات الأمريكية كافة في المنطقة على أهبة الاستعداد، وفي الوقت نفسه البحث الحثيث عن ذريعة لضرب القوات الحكومية كل ذلك مؤشرات تفرض إدراك أن هناك “خطوات متفق عليها بين إسرائيل والولايات المتحدة” لتصعيد النزاع السوري، والتأثير في تطور الأحداث في هذا البلد، كما يرى الكاتب السياسي دميتري مينين في مقال له نشرته صحيفة “غيوبوليتيكا”.

ويقول الكاتب إن الحكومة الإسرائيلية، منذ اليوم الأول للحرب السورية وحتى يومنا هذا، التزمت الإعلان رسميا عن الحياد وعدم التدخل في الشأن السوري، لكنها تصرفت بصورة مختلفة تماما.

ويذكر مينين بالمساعدات، التي قدمتها إسرائيل إلى أطراف المعارضة السورية، بما في ذلك علاج المقاتلين الجرحى في المستشفيات الإسرائيلية، وتقديم العون المادي والعسكري لهم وإمدادهم بالسلاح والعتاد، وكذلك تدريب الخبراء الإسرائيليين والأمريكيين معا مجنديهم.

ويرى الكاتب السياسي دميتري مينين أن النهج الإسرائيلي في التعامل مع احتمالات تطور الأزمة السورية يتأثر إلى حد كبير برؤيتها “للحل النهائي” لقضية الجولان؛ مشيرا إلى أن لدى خبراء إسرائيليين كثيرين اعتقادا راسخا بأن انهيار سوريا من الناحية الموضوعية مفيد لإسرائيل، لتسهيل الاعتراف الدولي بضمها الجولان. وهنا، كما يؤكد الكاتب، يمكن الافتراض بكل بساطة أن مثل هذه الاعتبارات تشكل مصدر استرشاد للسلوك السياسي لقادة الدولة العبرية.

ويرى دميتري مينين أن الطريقة الرئيسة لتحقيق ذلك، بحسب وجهة النظر الإسرائيلية، تكمن في إنشاء عدة كيانات مختلفة على الأرض السورية. منها مثلا كيان درزي على الجهة الأخرى من الحدود مع إسرائيل، والذي سيضطر من أجل الحفاظ على الذات إلى “إعادة الاتحاد” مع الدروز على الجانب الإسرائيلي في هضبة الجولان التي تسيطر عليها إسرائيل، من أجل دخوله اللاحق معهم في قوام إسرائيل. وهكذا ستتمكن إسرائيل ليس فقط من تكريس شرعيتها، بل ومن توسيع رقعة الأراضي التي تحتلها.

لكن، وعلى الرغم من روعة هذه الخطة الإسرائيلية، فإن مشكلتها الوحيدة هي في أنها لا تجد أنصارا لها بين الدروز على جانبي الحدود في هضبة الجولان.

ويلاحظ الكاتب أنه لم يكن من السهل على القادة الإسرائيليين التخلي عن هذا “الحلم الجميل”، الذي كانوا يرونه في انهيار الدولة السورية بنفسها ومن دون مشاركة ظاهرية لإسرائيل. ومع ذلك، فقد بدأ هذا الحلم يتبدد تدريجيا أمام الوقائع على الأرض والنجاحات التي تحرزها القوات الحكومية بمساندة القوة الجو فضائية الروسية.

لهذا، يستنتج مينين أن القيادة الإسرائيلية قررت على ما يبدو العمل على “دفع الأحداث قليلا”، في إشارة منه إلى موجة الضربات الإسرائيلية الأخيرة لسوريا، التي تحمل معنى رمزيا، ولا سيما أن توقيتها جاء في الذكرى الـ 40 لاحتلال إسرائيل الجولان، وتزامنا مع زيارة نتنياهو خط الجبهة العسكرية وإلقائه خطابا أمام الجيش الإسرائيلي، قال فيه وبكل صراحة: “الجولان لنا وسوف يبقى دائما لنا، لأنه كان ملكا لأجدادنا وتم استعادته بعد طرد العدو السوري”.

ويلفت الكاتب الانتباه في هذا الجانب من الأحداث إلى أن الجيش الإسرائيلي يوفر الدعم الناري للائتلاف الذي يضم “جيش محمد” والذي يضم المعارضين مثل الجيش السوري الحر، والتنظيم القاعدي “هيئة تحرير الشام” جبهة النصرة سابقا. ذلك في حين أن هذا التشكيل الإرهابي، وفقا لقرارات الشرعية الدولية كافة، يجب تدميره وليس الحفاظ عليه ودعمه”.

ومع ذلك، تظهر في إسرائيل توصيات للخبراء بتوسيع مشاركة إسرائيل في الحرب السورية. ويتناول الكاتب بإسهاب تقريرا صدر عن معهد الأبحاث في قضايا الأمن القومي تحت عنوان “خريطة سوريا الجديدة واللاعبون الجدد: التحديات والفرص أمام إسرائيل”، حيث أن الأوان، كما يعتقد مؤلفو التقرير لكي “تعيد الحكومة النظر في قواعد اللعبة الإقليمية التقليدية”، وإذا كان لا بد من الاختيار بين “شيطان معروف” متمثل بالنظام الحالي في سوريا أو “مستقبل مجهول” في حال سيطرة المعارضة على السلطة، فإن من الضروري التدخل في مجرى الأحداث والاعتماد على الجماعات العرقية والدينية التقليدية المتجذرة في جنوب سوريا والمرتبطة بطريقة أو بأخرى بالجيش السوري الحر.

ومن بين التدابير الممكنة، كما يقول التقرير: استهداف المواقع العسكرية وشبكات الاتصال الحيوية للجيش السوري بضربات مكثفة جوية وصاروخية، إنشاء منطقة “حظر جوي” في جنوب البلاد بالاشتراك مع الحكومة الأردنية، دعم المعارضة الموالية لإسرائيل، وضع “خطوط حمراء” أكثر صرامة لدمشق ودفع الولايات المتحدة إلى مشاركة أكثر فعالية في الحدث السوري.

ويخلص الكاتب دميتري مينين إلى القول إن من المستبعد أن يكون لهذا النهج نتائج مثمرة، ما دام من الصعب إيقاف عجلة القوات الحكومية السورية وديناميكية عملياتها العسكرية من دون غزو مباشر واسع، وهذا يتطلب موافقة الكونغرس الأمريكي والكنيست الإسرائيلي.

إسرائيل في منطقة خفض التصعيد

يوم 22 يوليو 2017 جاء في تحليل نشرته صحيفة “إيزفستيا” بقلم الصحفي أندريه أونتيكوف عن الاستشارات الروسية-الأمريكية بشأن سوريا قال فيه:

ذكر مصدر رفيع المستوى في الخارجية الروسية، خلال حديث أدلى به إلى الصحيفة، أن الولايات المتحدة حاولت قدر الإمكان ضمان أمن إسرائيل في أثناء الاستشارات التي جرت بين موسكو وواشنطن بشأن الأوضاع السورية.

وبحسب المصدر نفسه، “سعت واشنطن لمنع القوات الحكومية السورية وحلفائها من إنشاء موقع أمامي لتوجيه ضربات باتجاه مرتفعات الجولان، فضلا عن منع وصول الأسلحة من إيران إلى سوريا ولبنان عبر الأراضي العراقية”.

بيد أن واشنطن لم تحقق كامل أهدافها، وبحسب مصدر في الدوائر العسكرية الدبلوماسية الروسية، تم الاتفاق، خلال اللقاء التشاوري بين العسكريين الروس والأمريكيين الذي جرى في الأردن، على سحب جميع المجموعات المسلحة غير السورية مسافة 30 كلم عن الحدود السورية الأردنية. والحديث يدور عن تشكيلات الحشد الشعبي العراقية وتشكيلات مقاتلي “حزب الله” اللبناني.

واستنادا إلى ذلك، يمكن القول إن واشنطن لم تحقق أهدافها بصورة كاملة، لأن القوات المسلحة العراقية والسورية تسيطر على جزء من الحدود العراقية السورية، وهذا يكفي لنقل الأسلحة والذخيرة.

يقول الباحث العلمي الأقدم في مركز الدراسات العربية والإسلامية التابع لمعهد الاستشراق لدى الأكاديمية الروسية للعلوم بوريس دولغوف، في تصريح إلى الصحيفة، إن “إسرائيل هاجمت عدة مرات مناطق جنوب سوريا ومواقع “حزب الله” بالذات، فإذا تم الاعلان عن وقف إطلاق النار هناك ضمن إطار مناطق تخفيف التوتر، فإن مثل هذه الهجمات ستعد انتهاكا للاتفاق.

وبالطبع، تعد إسرائيل هذا السيناريو تهديدا لأمنها”. ويضيف دولغوف: ذلك، لأن “تل أبيب تعتقد أن هذا سيعزز الوجود العسكري المعادي لها في سوريا. لذلك تحاول الولايات المتحدة وحلفاءها منعه”.

ويذكر أن وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف سبق أن أعلن أن موسكو وواشنطن أخذت أمن إسرائيل بالحسبان لدى مناقشة مسألة إنشاء مناطق تخفيف التوتر. وقد جاء تصريح لافروف هذا بعد تأكيد صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، استنادا إلى مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى، أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يعارض تماما الاتفاق الروسي الأمريكي بشأن وقف إطلاق النار جنوب سوريا، والذي تم التوصل اليه خلال لقاء بوتين وترامب على هامش قمة العشرين.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا