ما هي تحديات المفهوم الجديد للسلطة…؟

ما هي تحديات المفهوم الجديد للسلطة…؟

محمد أديب السلاوي

 

تبدو التحديات التي تواجه المفهوم الجديد للسلطة في ظل إرادة التغيير، واضحة، فإعطاء مفهوم جديد للسلطة لا يتمثل في نظر السياسيين والإعلاميين، وعلماء الشريعة، والمجتمع المدني، في صعوبة الانتقال من “العقلية المخزنية” التي تربت وترعرعت عليها السلطة لفترة طويلة. ولكنها بداية وقبل كل شيء، تتمثل في صعوبة إقامة تصالح حقيقي مع المواطن، وحل مشاكله المتعلقة بالإدارة، وحفظ حقوقه وكرامته وأمنه، ذلك لأن النسق السياسي المهيكل الذي انتهجته السلطة خلال عهد الاستقلال، يزيد من هذه الصعوبة، ولأن هذه السلطة، كما هو متعارف عليه، لعبت دائما على الهاجس الأمني، واتخذت من الديمقراطية الشكلية سلاحا للبقاء على “المخزنة” العتيقة القائمة عل العنف والإقصاء، رغما على التحولات العالمية، وعلى طبيعة النظام الدولي الجديد وعلى التزامات المغرب تجاه هذا النظام.

لذا ترى العديد من القراءات الفقهية والقانونية والإعلامية والسياسية، أن التصالح المطلوب، يقتضي أولا وقبل كل شيء، تحديث البنيات القديمة للدولة خاصة على مستوى وزارة الداخلية، بقوانينها وأجهزتها ومنطق اشتغالها، وهو تحديث وإن كانت أحد مداخله متجسدة في تفعيل اللامركزية ومراجعة عدم التمركز محليا، فإن مداخله الأخرى ترتبط إما ارتباط بالاتجاه نحو إقرار التوازن الديمقراطي بين مؤسسات الدولة، على المستوى المؤسساتي الوطني.

إن الأمر يتعلق هنا بإعطاء “المفهوم الجديد للسلطة” مضمونه العملي المؤسساتي، في أعلى الهرم و أسفله على السواء، من خلال الشكل الذي سيتم به تجديد اللامركزية و عدم التمركز، و أيضا من خلال مقاربة إشكالات المسألة الدستورية المطروحة بقوة على البلاد، و في هذا الأفق يبدو أن مطلب تحديث ودمقرطة “السلطة”، يبقى مفتوحا على أحد خيارين : إما استمرار نفس البنية المتضخمة الصلاحيات حاليا، أو الاتجاه نحو مراجعة وإعادة سبك تلك الصلاحيات في إطار إعادة هيكلة وزارة السلطة/ الداخلية، مع تفعيل إشراك الحكومة في التعيينات و الانتقالات عبر استثمار آلية التفويض المنصوص عليها في الدستور.

إن هذا الخيار الأخير، سيظل في نظر المجتمع المدني وفي نظر العديد من الباحثين المغاربة، هو الأقرب إلى ممكنات الراهن السياسي الوطني و الأجدر بالتأمل و التحضير في سياق قرب موعد مراجعة نظام اللامركزية ووضعية أجهزة عدم التمركز. وهو خيار إن كان يفرض نفسه على صعيد الجماعات المحلية عموما أو على صعيد الجهات على الخصوص كتطوير لنظام الوصاية في اتجاه اعتماد نظام و إقرار التوازن في العلاقة بين الوالي (رئيس مركز الجهة) ورئيس المجلس الجهوي، وكذا مراجعة التقسيم الجهوي لتحريره من الهاجس الأمني و تأسيسه على ما هو اقتصادي و اجتماعي و إعطاء الانتخابات الجهوية مدلولا إشراكيا للسكان ولو في حدود جزئية، فإن هذا ( الخيار) لا يمكنه أن يشكل المضمون الحداثي المطلوب للامركزية و عدم التمركز على قاعدة دمقرطة و تحديث جهاز الولاة والعمال، ما لم يذهب إلى حدوده القصوى المرتبطة بضرورة فتح ملف مراجعة الدستور مجددا .

بهذا المعنى، فإن دعائم المرحلة الجديدة للسلطة في نظر المجتمع المدني كما في نظر الباحثين السياسيين/ الاجتماعيين/ الاقتصاديين، لن تتميز إلا عبر القطيعة مع سمات المرحلة السابقة. وهذه القطيعة لا يمكن أن تؤسس إلا على مقتضيات القانون وعلى ما تستدعيه الحداثة ودولة الحق و القانون من متطلبات.

في هذا السياق يصبح النظر إلى وزارة الداخلية كمركز السلطة، وكإمكانات بشرية/ إدارية، غير مختلف عن النظر للوزارات الأخرى، على أن تكون وزارة مندمجة في منهجية العمل الحكومي، حيث الولاة و العمال تحت سلطة رئيس الحكومة باختصاصات تتناسب وحجم الداخلية في هذه المرحلة الجديدة من تاريخ البلاد.

في نظر “السلطة الرابعة” يعني ذلك بلغتها السهلة : فصل الداخلية عن الجماعات المحلية، وإعادة النظر في الوظائف و المهام التي كانت مسندة إليها، سواء تعلق الأمر بالإشراف على تنظيم الانتخابات، أو بأشكال التدخل على المستويات المركزية الجهوية والمحلية في الشؤون العامة، إذ أن تضخم المهام المسندة إليها والصلاحيات المحولة لها، حولها في فترة زمنية واسعة، إلى جهاز أدى إلى عرقلة التطور والتقدم والتحديث على مستويات عدة وإلى تراجع الاستثمارات بالمغرب وتدهور العمل الجماعي والتنمية المحلية وإلى الفساد الإداري و السياسي والمالي و إلى تشجيع اقتصاد الريع على حساب الاقتصاد المنتج.

لذلك تتفق كل الدراسات السياسية على أن الفصل بين مرحلتين في مسيرة السلطة، لا يمكن أن يكون فصلا عبر تغيير الأشخاص فحسب، أو عبر الخطاب المطمئن فحسب، ولكن أساسا عبر تغيير وتعديل القوانين والمقتضيات التنظيمية والصلاحيات، ونوعية الممارسة والعلاقة مع المواطنين وإسناد المهام للكفاءات الإدارية التي تفضل مصلحة الوطن على المصالح الشخصية .بذلك يمكن لهذا الفصل أن يحدث. و يتأتى تدشين مرحلة جديدة في تاريخ السلطة، في ظل العهد الملكي الجديد .

إن مراجعتنا هذه لمسألة “المفهوم الجديد للسلطة”، على اختصارها وتركيزها، حاولت التأكيد، بالأدلة و الشهادات المرجعية، أن النقاش حولها، مازال يتخذ أشكالا مختلفة من الحوار و التجاذب بين طرفي المعادلة .

فمنذ منتصف القرن الماضي، وجد المغرب نفسه وجها لوجه، أمام تحديات الانتقال، (من عهد الحماية إلى عهد الاستقلال ) للحاق بركب العالم المحيط بجغرافيته … وما زالت هذه التحديات قائمة حتى يومنا هذا، ونحن في نهاية العقد الثاني من الألفية الثالثة.

في هذا النطاق تمت الإشارة إلى أن ظروف المغرب السياسية و الاجتماعية على عهد الاستقلال، و المتصلة خاصة ببناء “الدولة الوطنية” وبظروف تمزيق وحدته الترابية، دفعت بسلطاته العليا، إلى استدعاء “الثقافة المخزنية” العريقة، لإدارة الشأن العام من جديد، بالاعتماد على الهاجس الأمني في تسيير الأمور، والابتعاد مؤقتا عن الحداثة، وبالتالي بالابتعاد عن إعطاء مفهوم جديد للسلطة، لائق بعهد الاستقلال، وبقيمه و تطلعاته وشروطه الموضوعية… وعلى أن هذه الثقافة بذلت جهودا مضنية من أجل استمرارها قوية وفاعلة، فإنها تصادمت باستمرار، بأشكال من النضال الاجتماعي و السياسي، وباحتداد أشكال المطالبة السياسية، بالديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة الحق والقانون، وبالتالي بتصحيح مفاهيم السلطة السياسية والقانونية والدستورية.

وفي مواجهة النضالات والمطالب السياسية، عمقت “الثقافة المخزنية”، إلى حد بعيد، معارضتها للتحديث والانتقال السليم إلى الديمقراطية وقوانينها، ورسخت في المجتمع العريض، الإحساس بالخوف والإحباط، بعدما جعلت من رجل السلطة حاكما نيابة عن الحاكم…. وهو ما أجل عملية التغيير المطلوب، وإصابة الدولة بما يشبه مرض الشيخوخة، الذي حد من قدرتها على الصمود في وجه تحديات و متطلبات الحداثة و العولمة.

ومن خلال الشهادات والإفادات التي قدمتها هذه الإشكالية، إعلاميا وأكاديميا، عن السلطة تبدو رواسب “الثقافة المخزنية”، مازالت مؤثرة إلى حد الوجع، في عملية الانتقال المطلوب إلى المفهوم الجديد للسلطة، الذي تستدعيه و تشترطه مقتضيات العولمة، ومقتضيات العهد المغربي الجديد ، ذلك لأن الأمر أصبح لا يتعلق فقط بتغيير “عقلية” صنعتها هذه الثقافة على مدى أجيال متلاحقة. لإدارة الشأن العام، بمقاييس ومواصفات و توجهات، أصبحت بعيدة عن هذا العصر، وعن قيمه، ولكنها أيضا تتعلق بتفكيك الجهاز “الأخطبوطي” الذي رعته هذه الثقافة و غدته باستمرار لعقود بعيدة، وتأسيس علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع، قوامها الديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان.
أفلا تنظرون…؟

بقلم // محمد أديب السلاوي

ما هي تحديات المفهوم الجديد للسلطة...؟

ما هي تحديات المفهوم الجديد للسلطة…؟

شارك برأيك

إلغاء الرد