ماهي الأخطار التي تهدد التنمية في المغرب الراهن…؟

ماهي الأخطار التي تهدد التنمية في المغرب الراهن؟

  • بقلم // محمد أديب السلاوي

منذ نصف قرن أو يزيد، والبطالة في المغرب الراهن سيدة القضايا وأم الأزمات، يتضخم حجمها يوما بعد يوم في المدن والقرى، وهو ما يجعلها تشكل جحيما أسودا يعصر شباب المغرب، المتعلمين والخريجين من المعاهد والجامعات، والعمال الصناعيين والحرفيين، والشباب الذين لا حرفة لهم ولا تعليم من المهمشين والمقهورين.

وبسبب السياسات الفاسدة والاستراتيجيات الضعيفة، أصبحت البطالة في المغرب الراهن، جيشا يتراكم بعضه على بعض في العراء وفي الفراغ / جيشا، يضم الفقراء والبؤساء، كما يضم العلماء المتخصصين والأطباء والصيادية والمهندسين ورجال القانون ورجال الصحافة والإعلام وغيرهم من التخصيصات النادرة / جيش متعطل يائس بائس لا خطة ولا عتاد ولا تمويل له للإسهام في بناء الوطن. يحترف الاعتصام القهري على أبواب النقابات والأحزاب والمنظمات والإدارات العمومية بلا طائل. ويحترف النضال من أجل أن يكون مواطنا مستمرا في الحياة.

إن معالجة السياسات الحكومية لقضية العاطلين المتزايدين، يشكل علامة استفهام واسعة ومحيرة، حول جدية السياسات الحكومية في إيقاف مسلسل التدهور الذي تعرفه التنمية الوطنية، بسبب تراكمات البطالة وتراكمات المشاكل المترتبة عنها.

أكثر من ذلك تعطي هذه السياسات الإحساس، بأن البطالة في بلادنا ليست قضية ولا مشكلة في برامجها وفي ميزانيتها، ذلك أن خبراء العالم يؤكدون بألف دليل أن البطالة هي الخط الكبير الذي يهدد البرامج والسياسات الحكومية.

في العقد الأخير من القرن الماضي، كانت حالة المغرب الاقتصادية أحسن حالا من حالته اليوم، كانت رتبتنا على برامج الأمم المتحدة للإنماء تحمل رقم 106 على سلم التنمية البشرية. وهو البرنامج الأممي لتمويل المشاريع الحكومية الهادفة إلى التنمية.

وحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة للإنماء الذي لا ترد توقعاته وإحصائياته وقراراته، فإن البطالة كانت ولا تزال من أبرز الأسباب التي دفعت بترتيبنا الدولي في المجال التنموي إلى النزول والتقهقر، بأرقام قياسية، فهي تتحكم في التنمية من خلال تحكمها في الدخل الفردي والإنتاج الوطني الخام وحقوق الإنسان. وهي تؤثر على نضج الديمقراطية وعلى توسيع اللامركزية وعلى التموضع الجهوي…وبالتالي على الضرائب الجهوية.

وبعد العقد العاشر من لقرن الماضي، زادت رتبتنا على سلم التنمية البشرية في التدهور والنزول، خاصة بعد دخول البلاد في حالة جفاف كامل وفي حالة صمت كامل عن الإصلاحات التي كانت وما تزال تتطلبها حالة التدهور هذه، والمتصلة بشكل أساسي ومباشر بقضية البطالة والعاطلين والمعطلين.

إننا لا نريد هنا البحث عن الأسباب التي أدت إلى تدهور مؤشر التنمية في بلادنا بقدر ما نريد أن نسأل الحكومات المتعاقبة عن تعاملها الغريب والمؤسف مع البطالة، بعد أن أكد تقرير البنك الدولي الذي اطلع عليه الشعب المغربي، ليلية افتتاح الدورة البرلمانية لعام 1996، على دور  البطالة وتأثيرها في التنمية، بعدما أصبحت أرقامها الحاجز المخيف بيننا وبين هذه التنمية.

ستظل البطالة العلة العليلة التي تصيب المجتمع والاقتصاد وما بينهما من قطاعات منتجة. ولأجل ذلك كان على الحكومة / الحكومات أن تجعل من البطالة همها الأول والأساسي وقضيتها الأولى في هذه المرحلة.

وكان عليها كذلك أن تتفرغ لإيجاد برنامج استعجالي للتشغيل بالتعاون مع كل الفعاليات والسلط والقطاعات، على اعتبار أن التشغيل هو إحدى وسائل النمو التي من أجلها خرجت السياسات والحكومات إلى الوجود. إن البطالة هي واحدة من المشاكل الناجمة عن التدهور والتخلف الذي يجب أن تلعب الحكومة دورها في مجابهته، إنها تعرف أكثر من غيرها (أو ذلك ما نفترضه ) أن القوى العاطلة والمتعطلة في البلاد هي القوى المؤهلة للعمل والبناء والاجتهاد وأن هذه القوى نفسها هي الأكثر قدرة على الانجذاب إلى الاحتجاج والجريمة والمرض والانهيار والتخلف.

ولأن البطالة في بلادنا لا تتقاضى منحا من الدولة ولا من طرف المؤسسات كما هو الشأن في البلاد المتصنعة التي أصيبت بالبطالة عن طرق العقل الآلي الذي عوض اليد العاملة. يصبح على وزارة التشغيل في حكوماتنا أن تبحث أكثر من غيرها في الوسائل التي من شأنها استيعاب العاطلين والمتعطلين في دورة العمل والمشاركة والإنتاج. وان لا ترمي هذه المسؤولية وراء طهرها لتغرق نفسها في المجابهات والمنازعات التي لا طائل منها.

تقول التقارير الرسمية، أنه نتيجة لتراكمات قضايا البطالة، أصبحت دوائر الأمن تسجل معها التغييرات التي أخذت تعرفها نوعية المجرمين، إذ بدأ يظهر من بينهم حملة الشهادات، الذين فقدوا الأمل في العمل والاستقرار والعيش الكريم.

وتقول أيضا أن البطالة، سبب رئيسي في توسيع دائرة الجريمة، إذ أصبحت دوائر الأمن تسجل جرائم النصب والاحتيال من جانب هذه الشريحة الجديدة من الشباب اليائس، الذي فقد الأ/ل في الحياة السوية، فالتجأ إلى الجريمة والإجرام من أجل الاستمرار في الحياة.

يوميا تسجل دوائر الأمن جرائم المخدرات بيعها وترويجها والإدمان عليها وتسجل ارتفاع نسبة المتعلمين بين المتعاطين والمتاجرين والمروجين، وارتفاع نسبة الخريجين الذين فقدوا الأمل في الحصول على عمل.

يوميا أيضا، تسجل دوائر الأمن في الحواضر والبوادي جرائم الاغتصاب وهتك العرض بأرقام مفزعة، جرائم لمجتمع ما زال يتشبت بالقيم الدينية والأخلاقية وبالتقاليد العريقة. 

إن البطالة هي العنصر الأساسي في التغيرات السلبية التي تحدث على رقعتنا الاجتماعية، التي تعاني من سلبيات أخرى لا تقل وجعا عن وجع البطالة، كالأمية والفقر والتخلف والإهمال والتهميش، وهي تنتمي إلى جذع واحد. وتشكل في كلياتها أزمة واحدة.

باختصار، إن تفشي البطالة بين صفوف الشباب يزداد اتساعا عموديا (بالنمو الديمغرافي) وأفقيا بانشداد الأزمة الاقتصادية وهشاشة التخطيط المحكم. فأرقام البطالة العلنية والسرية لا تحمل فقط القلق والخوف، ولكنها أيضا تؤكد بأدلة التقارير الدولية، أنها الخطر الأكثر قوة الذي يهدد أمن البلاد وسلامتها.

لا نريد هنا أن نطرح أسئلة.

لا نريد أن نسأل متى ستتحكم الأجهزة والسياسات في هذه المعضلة ولا متى سيصل الخبراء إلى حلول ناجعة لاستئصالها ؟

ولكننا مع ذلك نريد الهمس في آذان الذين يفكرون بها، لنقول لهم : أن الوقت لم يعد لصالح التأمل في المشكلة، وأن الوقت  يدعو إلى وضعها محل أولوية مطلقة، لأنها كالجفاف تأكل الأخضر واليابس بدون استثناء.

أفلا تنظرون…؟

محمد أديب السلاوي

محمد أديب السلاوي

شارك برأيك

إلغاء الرد