لبنان والخروج من عنق الزجاجة

إذا لم تحدث مفاجآت قبل نهاية شهر أكتوبر 2016 سينجح البرلمان اللبناني في إنتخاب رئيس جديد للجمهورية هو الجنرال المتقاعد ميشال عون المزداد يوم 18 فبراير 1935 في حارة حريك بالضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت.

ومن المقرر أن يعقد البرلمان في 31 أكتوبر الجلسة 46 لانتخاب رئيس بعد تعثره في فعل ذلك منذ انتهاء ولاية الرئيس السابق ميشال سليمان في شهر مايو عام 2014. ويتطلب انتخاب الرئيس تأمين نصاب من ثلثي أعضاء البرلمان أي 86 من أصل 128 عضوا.

ومن الصعب ان يفوز ميشال عون في الدورة الاولى من جلسة الانتخاب حيث بات من المحسوم عدم حصوله على تأييد أكثر من ثلثي أعضاء البرلمان.

لكن مصدرا لبنانيا بارزا قال لرويترز “على الأرجح ان تنعقد الدورة الثانية في نفس اليوم وحينها يمكن لعون ان يفوز بأكثرية النصف زائد واحد”

وبموجب الدستور يجب ان يكون رئيس لبنان مسيحيا مارونيا ورئيس الوزراء مسلما سنيا ورئيس البرلمان مسلما شيعيا.. ويرسم الدستور آلية انتخاب الرئيس من قبل نواب الأُمة بأغلبية الثلثين في الدورة الأولى وبالنصف زائد واحد في الدورة الثانية.

وحتى الآن فإن عون يضمن الحصول على أغلبية أصوات كتلة المستقبل “33 نائبا” وحزب الله “13 نائبا” والقوات اللبنانية التي كانت قد رشحته سابقا “ثمانية نواب” بالإضافة إلى كتلة التيار الوطني الحرب التي يرأسها عون “20 نائبا” عدا عن أصوات نواب آخرين مستقلين.

وكانت كتلة تحالف قوى الرابع عشر من آذار “مارس” المناهضة لحزب الله بزعامة الحريري قد أعلنت بعيد انتهاء ولاية سليمان دعمها لترشيح الزعيم المسيحي سمير جعجع الذي كان قد خاض حربا ضارية مع عون في الثمانينيات أبان الحرب الاهلية.

لكن وبعد سنوات من الخصام أقدم جعجع وفي خطوة مفاجئة على تبني ترشيح خصمه اللدود ميشال عون.

وعام 2015 غير الحريري موقفه وأعلن ترشيح سليمان فرنجية الصديق الشخصي للرئيس السوري بشار الاسد وحليف حزب الله. لكن فرنجية لم يحظ بدعم حزب الله الذي ظل ثابتا على موقفه من تأييد عون.

ويتزعم عون أكبر كتلة مسيحية في البرلمان الذي تم انتخابه في 2009 عندما أجريت آخر انتخابات في البلاد. وأضحى عون حليفا لحزب الله منذ عام 2006.

يذكر أن عون التحق بالمدرسة الحربية عام 1955 حيث تخرج عام 1958 ضابطا اختصاص مدفعية، وشارك في دورة تطبيقية على المدفعية في فرنسا خلال عامي 1958-1959، كما تلقى دورة متقدمة في الاختصاص نفسه بالولايات المتحدة الأمريكية.

ابتعث عون في يوليو 1978 لمتابعة دورة أركان في مدرسة الحرب العليا بباريس، وعاد منها في يوليو 1980. خدم ميشال عون إبان حرب 1967 بين العرب وإسرائيل على الحدود الجنوبية ضمن فوج المدفعية الثالث المتمركز في بلدة الخريبة جنوب لبنان. وكان عون أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982 قائدا للواء الثامن المدافع عن قصر رئاسة الجمهورية في بعبدا شرق مدينة بيروت. وفي سنة 1984 نصب قائدا للجيش اللبناني.

استلم ميشال عون خلال الحرب الأهلية في لبنان عام 1988 رئاسة مجلس الوزراء من الرئيس أمين الجميل بعد تعذر انتخاب رئيس جمهورية جديد حيث كان العماد عون في حينه قائدا للجيش اللبناني ثم استلم السلطة وشكل حكومة عسكرية في مواجهة حكومة مدنية أخرى يرأسها سليم الحص وبذلك أصبح للبنان حكومتان.

لم يتنازل عون عن رئاسة الحكومة الانتقالية رغم التوقيع على وثيقة الوفاق الوطني “اتفاق الطائف” عام 1989، وتنصيب إلياس الهراوي رئيسا للبنان.

قام الجيش اللبناني بقيادة العماد إميل لحود “الذي أصبح رئيسا للجمهورية في العام 1998” وبمؤازرة من الجيش السوري بقصف قصر بعبدا، وبعد معارك ضارية، تم إقصاء عون من قصر بعبدا الرئاسي في 13 أكتوبر عام 1990، فأرغم عون على الخروج من القصر بخطة أمنية فرنسية أشرف عليها السفير الفرنسي في بيروت، وتوجه من بعدها إلى باريس في منفاه.

من المنفى إلى الواجهة

بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في فبراير 2005 عاد عون في أغسطس من العام نفسه من منفاه في باريس التي قضى فيها 15 عاماً تقريبا، وأسس حزب التيار الوطني الحر في سبتمبر من العام نفسه.

عند عودته إلى لبنان استقبله ما يقارب من 500 ألف لبناني في ساحة الشهداء وسط بيروت، وقد خاض العماد عون الانتخابات النيابية سنة 2005 أي بعد عودته بفترة قصيرة ودخل البرلمان اللبناني بكتلة نيابية مؤلفة من 21 نائبا.

خلال هذه الفترة تم تكليف فؤاد السنيورة من تيار المستقبل تأليف حكومة وحدة وطنية، رفض عون الدخول بها لأسباب متعددة، ورغم زيارة سعد الحريري له لم يقتنع بدخول الحكومة، فتم تأليفها بدون دخول “التيار العوني”.

بعد ذلك وقع في 6 فبراير 2006 وثيقة تفاهم مع حزب الله فدخل بقوة في الاستقطاب الثنائي بين كتلتي الموالاة والمعارضة، ومنذ ذلك الحين يعد التيار الوطني الحر أبرز القوى المشكلة لفريق 8 آذار أي حزب الله وحلفاؤه.

وبعد خوض عون وحزبه حملة ضد المحكمة الخاصة بمحاكمة قتلة رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري تحسنت علاقته بسوريا بعد سنوات من العداء السياسي، وزارها فالتقى الرئيس بشار الأسد في 3 ديسمبر 2008.

وفي العام 2009 تمكنت كتلة “التغيير والإصلاح” النيابية بزعامة عون من تحقيق نتائج جيدة حيث حصدت 27 مقعدا من أصل 128 في الانتخابات البرلمانية.

إسرائيل وراء إغتيال رفيق الحريري

عقب اغتيال رفيق الحريري في 14 فبراير عام 2005 مع تسعة من مرافقيه في اعتداء استهدف موكبه داخل إحدى المناطق الساحلية في بيروت، في حادثة هزت الأوساط المحلية والعالمية، إستغلت واشنطن القضية لتصفية حساباتها مع عدد من خصومها في المنطقة وفي مقدمتهم حكومة دمشق وحزب الله على أساس إدعائها أن الطرفين متورطان في إغتيال الحريري، وشكلت بعدها محكمة للنظر في القضية ولكن عددا من الحقوقيين شككوا في حياد تلك الهيئة وإعتبروها إداة ضغط وتهديد.

قاد سعد الحريري البالغ من العمر 46 عاما تحالف قوى “14 آذار” ضد تحالف حزب الله وحلفائه بما في ذلك عون بعد اغتيال والده رفيق الحريري في عام 2005.

القى تبدل موقف الحريري الذي لم يكن يخطر على بال أحد حتى وقت قريب حسب بعض الأوساط ضوءا جديدا على المأزق الذي يواجهه سعد الحريري السياسي المسلم السني الأكثر نفوذا في لبنان جراء أزمة مالية تواجهها شركته للتطوير العقاري بالسعودية وكذلك قضايا أخرى منها تطورات الحرب المتعددة الأطراف الدائرة على أرض الشام منذ ما يقارب ست سنوات.

وأدى التناحر الذي تفاقم بسبب الصراع الإقليمي إلى إصابة الحكومة اللبنانية برئاسة رئيس الوزراء تمام سلام بالشلل مما تسبب في انهيار العديد من الخدمات الاساسية وإحياء المخاوف من انزلاق البلاد في نهاية المطاف إلى أتون حرب أهلية.

سجل بعض المراقبين أن تبدل موقف سعد الحريري من إنتخاب عون رئيسا جاء بعد فترة قصيرة جدا من ترسيخ السيناتور الأمريكي تشاك غراسلي، الذي يمثل ولاية “آيوا”، ويشغل منصب رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ وواحد من كبار النواب الأمريكيين في مقابلة مع مجلة “بوليتيكو” أدلة كثيرة يتم في الغرب تجاهلها منذ أكثر من عقد من الزمن عن أن لا حزب الله اللبناني ولا سوريا يقفان وراء عملية إغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري حيث قال السيناتور الأمريكي : إن “بعض الوثائق التي تم الحصول عليها حديثا أظهرت أن إسرائيل نفذت عملية اغتيال رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري”.

تفاهم عناوين

عدة مصادر سياسية أكدت أن اتفاق عون الحريري ليس أبعد من التفاهم على مجموعة من العناوين الرئيسة التي يفترض أن تشكل الإطار الذي سيشارك فيه الجميع من أجل إنقاذ البلد، وقالت إن الحريري بدعمه ترشح عون للرئاسة قدم تنازلات، وهو يعرف ذلك، لأن لا بديل من استعادة مشروع الدولة ومنع انهيار المؤسسات إلا بإنهاء الشغور كمفتاح للالتفات إلى إيجاد حلول للمشكلات العالقة.

ونقلت المصادر عن أكثر من قيادي في تنظيم “المستقبل” قولهم إن الحريري ليس بعيدا من المزاج الشعبي لشارعه، ويدرك جيداً أنه سيكون أمام مهمة استيعابه، لأن قراره لا يلقى التجاوب الشعبي المطلوب لكن يجب التمييز بين رد فعل شارعه وبين من يزايد عليه من خارج كتلته النيابية ويبني حسابات يعتقد أنها ستخدمه في المستقبل.

وأضافت إن الحريري بدعمه ترشح عون أعاد تحريك الملف الرئاسي من جهة، وحشر “حزب الله” من جهة ثانية، لأن تأييده حليفه لا يكفي ما لم يسهل ولادة الحكومة القادمة.

وأشارت إلى أن الحريري لا يركن فقط لوعود عون في اتجاه حليفه بل سيبادر إلى الانفتاح على نبيه بري زعيم حركة “أمل” لأنه أساسي في المعادلة السياسية، وسيحاول تذليل اعتراضه، لأن وجوده في التركيبة الوزارية ضروري ولن يغامر بعلاقته معه، لا سيما أن أي تشكيلة وزارية من دونه لن تكون قابلة للحياة، فكيف إذا اقتصر الحضور الشيعي فيها على “حزب الله” الذي سيفقدها التواصل مع بعض الأطراف العربية والغربية.

وأكدت المصادر أن الدول الغربية ودولا عربية عدة ستبني موقفها من الحكومة استناداً إلى أمرين: الأول يتعلق بتمثيل “حزب الله” والحجم الوزاري الوازن فيها، والثاني يعود إلى بيانها الوزاري، وما إذا كان يغطي الحزب في كل ما يقوم به خارجيا، وقالت إن الحريري وبري وجنبلاط في حاجة بعضهم إلى بعض في الحكومة، لأن الأخيرين يؤمنان له الحضور المتوازن.

لذلك، وإن كانت الكتل النيابية تترقب المسار العام للتواصل بين الحريري من جهة وبين بري وجنبلاط من جهة أخرى، والذي تأمل منه المصادر أن ينتج تفاهما قبل تكليف الحريري رئاسة الحكومة، وإذا تأخر فلا مانع من إنجازه بالتلازم مع تشكيل الحكومة وإنما بأقصى سرعة ممكنة، وإلا فإن العهد الجديد سيواجه انتكاسة لا يتوقعها رئيس “حزب القوات اللبنانية” سمير جعجع الذي يبدي تفاؤله بتكليف سريع وبحكومة أسرع.

إلا أن المسؤولية لا تقع على عاتق الحريري وحده في تبديد ما يساور بري من هواجس بصرف النظر عن تضامن “حزب الله” معه، وإنما أيضا على كاهل الفريق السياسي للرئيس المنتخب في ضوء ارتفاع منسوب الشكاوى من جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر ومن خلاله من وزراء “تكتل التغيير” الذين كانوا على “اشتباك سياسي” مع رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي على رغم أن حكومته شكلت من لون سياسي واحد وهم الآن في اشتباك مع الرئيس تمام سلام.

فالفريق السياسي إياه لم يقدم النموذج الذي يدعو الآخرين للارتياح إلى تجربته في السلطة، خصوصاً مع ممثلي السنة، إضافة إلى بري وجنبلاط، وأن استحضاره خطاباً سياسيا معتدلا يأتي من وجهة نظر معظم الأطراف في سياق رغبته في تلميع صورة عون وتقديمه أوراق اعتماده كمرشح توافقي لرئاسة الجمهورية.

ناهيك عن أن عون كان أبرم ورقة تفاهم مع “حزب الله” ومن ثم توصل إلى “إعلان النيات” مع “القوات”، فهل سيبقى عليهما رغم كل ما فيهما من تناقض يجمع بين الضدين تحت سقف “التيار الوطني”، وبالتالي يلتفت الى عقد تفاهمات أخرى لا ندري -كما تقول المصادر النيابية- مع من ستكون هذه المرة، أم أنه سيعيد النظر في تموضعه السياسي وبالتالي ينتقل من تحالفه الاستراتيجي مع “حزب الله” إلى منتصف الطريق ليلاقي الحريري الذي أقدم على مخاطرة سياسية تتطلب من الرئيس الجديد الحفاظ عليها وعدم التفريط فيها.

كما أن المسؤولية في هذا المجال تقع بالدرجة الأولى على الوزير باسيل رئيس التيار الوطني الحر الذي سيشرف على المطبخ السياسي للرئيس المنتخب، فهل سيقدم نفسه من موقعه الجديد على أنه شخص آخر غير الشخص الذي لا يرتاح إليه أكثر من فريق، كما هو حاصل الآن، ويتعاملون معه على أنه الأقدر على التواصل بعيدا من تصفية الحسابات التي بات في غنى عنها الآن.

الحرب الأهلية

يوم الأحد 23 أكتوبر 2016 أعلن الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله أن “كتلة الوفاء للمقاومة ستحضر جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية بكامل أعضائها، وستنتخب النائب العماد ميشال عون رئيسا”.

وعلق الأمين العام لحزب الله على تبني تيار المستقبل ترشيح العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، بالقول: “عندما يعلن تيار المستقبل موقفه، فهذا يشكل قاعدة انطلاق لاستكمال البحث”، مطالبا بـ”تعديل الثقافة السياسية لدى البعض، ومنها ان البعض يفهم ان التحالف هو تبعية، وهذا غير صحيح فالحليفان قد يتفقان على بعض المسائل وقد يختلفان، ولكن اذا كان التحالف بينهما قائما على قاعدة الثقة والفهم، فان اي خلاف صغير لا ينسف التحالف.

وتابع نصر الله “نحن نتعاطى مع حلفائنا باحترام، ونحن لا نأمر حلفاءنا ولا نضغط عليهم، بل نتحاور معهم”، مؤكدا “مواصلة الجهد، والتطلع للوصول الى استحقاق رئاسي حيث نستطيع تقريب وجهات النظر”، وأكد حسن نصرالله عدم ممانعته أن “يتولى سعد الحريري رئاسة الحكومة ” اللبنانية، لافتا إلى أن هذا الموقف يشكل “مخاطرة من قبلنا”.

وأعرب عن أسفه لأن “بعض الاطراف السياسية، لم يكن همها سوى الاختلاف في وجهات النظر لإيجاد شرخ وفتنة بين أمل حزب الله والتيار الوطني الحر، وبين حزب الله وحركة أمل، وبين حزب الله وتيار المردة”، مؤكدا ان “هذا الموضوع ما يزال البعض يعمل عليه”، موضحا ان “العلاقة بين حركة أمل وحزب الله على المستويات القيادية والقاعدية، هي أعمق وأقوى وأصلب، وهو قائم على أسس سياسية وثقافية وعلى مستوى المودة والقرب النفسي”.

وأكد نصر الله أكد “أن كل ما يجري يمكن مقاربته من خلال الحوار وانه ليس هناك لا في الحلفاء ولا في الخصوم يفكر بعقلية الفوضى أو الحرب الأهلية”.

وتطرق الى موضوع ترشيح النائب سليمان فرنجية، قائلا: “الرئيس بري دعم ترشيح فرنجية، في حين بقينا على دعم العماد عون، وهذا لم يكن توزيع أدوار، وصولا الى ما هو الوضع عليه اليوم”، مؤكدا “سنذهب الى الجلسة المقبلة متفاهمين ومتفهمين، وقد نختلف في التصويت، ولكن هذا لن يفسد في الود قضية. نحن لا نريد شيئا لأنفسنا، بل نريد مستقبل الوطن”.

وعن العلاقة مع التيار “الوطني الحر”، قال آسفا: “.. أريد مخاطبة قواعد التيار: لا تسمحوا لأحد ان يعمل على تشويه العلاقة بيننا. فمنذ اليوم الاول يريد حزب الله إتمام الانتخابات الرئاسية، وحزب الله يريد رئيسا، وقد التزمنا منذ اليوم الاول بالعماد عون، وهذا موضوع نهائي بالنسبة لنا. حزب الله يمكنه البقاء على الالتزام بالعماد عون، من دون الذهاب الى انتخابات رئاسة الجمهورية”.

وشدد على أن الحصار المفروض على الجماعات المسلحة سواء في لبنان أو سوريا بات يكشف أي سيارات مفخخة يمكن إرسالها إلى الأراضي اللبنانية حيث أن ظروف تفخيخها انتهت.

ورأى أن تحرك تركيا في حلب يدل على أطماعها، معتبرا أن كل ما تقوم به أنقرة في حلب هو من أجل أن تطالب بها في المستقبل.

وقال “نحن في حزب الله فهمنا ما يخطط للمنطقة ومن هي الجماعات المسلحة في سوريا وما هو مخططها”، وأضاف “بدأت المخططات تتكشف من يدعم هؤلاء المسلحين ومن يعطل الحل ويصر على الدمار والخراب”. ولفت نصرالله إلى أن أشد الناس معاناة في هذه المحنة ومن هذه المؤامرة في المنطقة هم أهل السنة. كما أشار إلى أن ما كان يجري في السنوات الماضية كان يهدف الى اقتلاع مجتمعات وحضارات بكاملها.

واعتبر أن الهدف من صناعة داعش هو الاساءة الى الاسلام، وشدد على أن هناك آلاف من مقاتلي حزب الله في الجبهات “ومن يراهن على تعبنا عليه أن ييأس″. ونصح أن “لا يراهن احد على انكسارنا او انهزامنا”، مؤكداً على أن “الحالة الوحيدة التي تعيدنا الى لبنان هو انتصارنا في سوريا”. وشدد على أن معالم فشل المشروع الآخر بدأت تتضح “وهزيمته باتت قريبة ونتطلع إلى الانتصار الحقيقي”.

ويشير مراقبون إلى أن التحولات التي طرأت على مواقف عدد من ساسة لبنان تجاه الحسم في إختيار رئيس للجمهورية جاءت كذلك في وقت رجحت فيه كفة القوات السورية في حربها ضد التنظيمات المسلحة التي تمولها القوى الغربية وإسرائيل أساسا لإسقاط حكومة دمشق وتقسيم سوريا إلى دويلات على أسس طائفية ودينية وذلك في نطاق مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي وضعه المحافظون الجدد في واشنطن.

موقف واشنطن

يوم الجمعة 21 أكتوبر ابدى وزير الخارجية الامريكي جون كيري حذرا ازاء انتخاب ميشال عون رئيسا للبنان القادم، بفضل دعم سعد الحريري.

وقال كيري ردا على سؤال في وزارة الخارجية لدى استقباله نظيره الكويتي صباح الخالد الصباح “نحن نامل بالتأكيد ان يحدث تطور في لبنان، لكنني لست واثقا من نتيجة دعم سعد الحريري .. لا ادري”.

واضاف كيري الذي نادرا ما يعلق على الشأن اللبناني، بحذر “نحن نامل ان يتم تجاوز هذا المأزق الذي يؤثر على لبنان والمنطقة”.

وقام كيري بزيارة قصيرة لبضع ساعات الى لبنان عام 2014.

وتقول مصادر مطلعة في بيروت إن “القلق” الأمريكي إزاء التسوية التي عقدها الحريري، يعود إلى مزيج من الاعتقاد الأمريكي بأن عون حليف “حزب الله” سيخضع لموجبات هذا التحالف في الرئاسة، وأن تأثير البيت الأبيض على السلطة في بيروت سيتقلص وسيشجع آخرين في المنطقة العربية على التمرد على إملاءات واشنطن.

يوم الخميس 20 أكتوبر كشف مصدر دبلوماسي غربي، عن مخاوف لدى الغرب وهواجس كبيرة حيال انتخاب ميشال عون، خصوصا ما يتعلق بدور “حزب الله” في هذا العهد الجديد إذا حصل الانتخاب.

ونقلت صحيفة “السفير” اللبنانية عن المصدر الذي لم تذكر اسمه أن “عون” حليف حزب الله، هو الذي أعطى هذا الحزب بعدا وطنيا على الساحة اللبنانية، وخفف من عزلته السياسية والطائفية”.

وتساءل المصدر: في حال انتخاب “عون” لمن ستعود الوزارات الأمنية والعسكرية في الحكومة الجديدة، ومن سيكون قائد الجيش الجديد؟. فهل وصول عون للرئاسة يعني أنه سيكون لـ”حزب الله” الحصة الكبرى في الدولة في العهد الجديد؟.

وأكد أن الولايات المتحدة لن تدفع ملايين الدولارات كما تفعل الآن لمساعدة الجيش اللبناني الذي سيكون تحت سيطرة “حزب الله”، الذي تعتبره الإدارة الأمريكية منظمة إرهابية.

وأضاف الدبلوماسي الغربي أن الغرب ينظر بكثير من الريبة إلى قدرة الأطراف اللبنانية على إنجاز تسوية رئاسية تحمل “عون” إلى قصر بعبدا، من دون الأخذ بالاعتبار هواجس ما سماه المجتمع الدولي حيال “حزب الله” وإمكان سيطرته على مفاصل الدولة اللبنانية.

لعبة الطائفية

في العاصمة الأمريكية حيث تلعب الكثير من الأوساط المهيمنة على سياسة البيت على وتر الصراعات الطائفية، حذر معهد واشنطن للدراسات، يوم الأحد 23 أكتوبر، من مخاطر تقسيم الكتلة السنية في لبنان، مؤكدا أن هذا سيؤدي إلى ترك الشيعة بقيادة “حزب الله” يشكلون الكتلة السياسية الطائفية الوحيدة المتحدة في البلاد.

واستعرض المعهد في تقرير نشره موقع “عربي21” الأسباب التي قد تؤدي إلى انهيار الكتلة السنية، وعلى رأسها زعيم التيار السني، ورئيس الحكومة اللبنانية السابق، سعد الحريري، بسبب الصعوبات التي يواجهها في الفترة الأخيرة.

ورأى التقرير أن بروز وزير العدل اللبناني المستقيل، أشرف ريفي، على الساحة ودفاعه عن أهل السنة ضد “حزب الله” ووقوفه بوجه الموالين للنظام السوري، أسهم في إضعاف مكانة “الحريري” بين أهل السنة.

ولفت إلى أن “ريفي” الذي استقال من منصبه كوزير للعدل في فبراير 2016 لاعتراضه على الإفراج المبكر عن ميشال سماحة، صعد لهجته ضد “حزب الله”، واتهمه بأنه ألحق الضرر بعلاقات بيروت مع الرياض، وبـ”محاولة السيطرة على الدولة ومؤسساتها”.

واعتبر التقرير أن مشاكل “الحريري” المالية أسهمت في إضعافه، مؤكدا أن ثروته التي تقدر بـحوالي 3700 مليون دولار، مكنته من الحفاظ على آلة سياسية هائلة، شملت محطة تلفزيونية للحزب، وصحيفة يومية، ومجموعة كبيرة من الموظفين والمستشارين”.

تجنب المواجهة

الواضح حاليا في مواجهة هذه الحملات أن تيار “المستقبل” بزعامة الحريري يريد تجنب الدخول في مواجهات مع أطراف خارجية بسبب تحول مواقفه، ويؤكد التيار إن بعض الأوساط المعارضة لخيار الحريري الأخير استبقت إعلانه بإشاعة أجواء ومعلومات عن أن واشنطن قلقة أو معترضة على عون، وأن المملكة العربية السعودية ليست معه، وأن الدول الخليجية غير متحمسة أو رافضة له، كما استنتج سياسيون التقوا بعض الديبلوماسيين من هذه الدول، لكن هذه الإشاعات لم تحل دون إعلان الحريري خياره، لمعرفته أن المواقف الخارجية تنصح باتفاق اللبنانيين، وبالتالي لا مانع لديها من الخيار الذي يتفقون عليه، وأن الاسترسال في قراءة المواقف الخارجية ما هو إلا هروب من جوهر القضية المطروحة الآن والتي تتعلق بالمواقف المحلية، أي ماذا سيفعل “حزب الله” مع حلفائه في 8 آذار لتذليل اعتراضات بعضهم على العماد عون؟.

وحين تسأل مصادر “المستقبل” عما إذا كانت المواقف الخارجية المعترضة أو غير المتحمسة هي تعبير عن عدم تمكن الحريري من نيل ضمانات من العواصم التي زارها أو اتصل بها أخيراً لتساعد على أن تبذل جهوداً كي يسهل “حزب الله” العمل الحكومي بعد انتخاب الرئيس، تقول مصادر “المستقبل” إنه إذا كانت هذه الضمانات بحثت مع الدول فهي لن تعلن أن الحريري طلبها ولن تقول ما إذا كانت حصلت على ضمانات أو لا.

وتدعو هذه المصادر إلى “عدم التذرع بالمواقف الخارجية من أجل تبرير التأخر في حسم إنهاء الشغور الرئاسي بعد خطوة الحريري تأييد عون، وإذا كانت فرضية أن الأمريكيين هم ضد عون، فهذا سبب إضافي لقوى 8 آذار والممانعة أن تتجاوب مع مبادرة الحريري”. وتسأل استطرادا: “إذا كان اعتراض رئيس مجلس النواب نبيه بري على خيار عون يحمل “حزب الله” على مراعاة موقعه وتاريخه ووزنه وزعامته القائمة بذاتها، فما الذي يمنع الحزب من المرونة مع فرقاء مثل نواب الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث، والنائب طلال أرسلان كي يكونوا إيجابيين حيال خيار عون بعد قرار الحريري تأييد حليف الحزب؟”.

الدولة والنظام

يذكر أن سعد الحريري عندما أعلن تحول موقفه من إنتخاب رئيس الجمهورية قال:

“إذا اتّفقنا على أن استمرار الفراغ ليس خياراً، وأن الدخول في صدام أهلي ليس خيارا، وأنّ الخيار الوحيد هو انتخاب رئيس للجمهورية، فالحقيقة والواقعية والصراحة تفرض علي أن أقول لكم إن الخيارات اليوم ليست كثيرة. خيارنا الأول، مرشحنا الأول الدكتور سمير جعجع أو الرئيس أمين الجميل أو أي ممثل لـ 14 آذار، لم يأت برئيس. وخيارنا الثاني، مرشح توافقي، وسطي، أيضا لم يأت برئيس. خيارنا الثالث: الوزير الصديق، لأنه فعلاً بات صديقا وسيبقى صديقا، سليمان فرنجية، أيضاً لم يأت برئيس، فلا نصاب ولا أي محاولة حقيقية جرت من أي طرف غيرنا لانتخابه”.

وأضاف: “بقي خيار واحد: العماد ميشال عون. هكذا بوضوح وبصراحة. خصوصا منذ أن تبنى حلفاؤنا في “القوات اللبنانية” ترشيحه. لكن الأهم أنّنا نحن والعماد عون وصلنا في حوارنا أخيرا إلى مكان مشترك اسمه الدولة والنظام. هو لا يريد للدولة والنظام أن يسقطا، ولا نحن نريد لهما ذلك. واتفقنا بصراحة أن أحدا لن يطرح أي تعديل على النظام قبل إجماع وطني من كل اللبنانيين على هذا الطرح. وهذا كلام ينطلق من إجماعنا الذي كتبناه في دستورنا، دستور الطائف، على أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والانتماء، وأن كل اللبنانيين يرفضون التجزئة والتقسيم والتوطين. وفي حوارنا أيضا وصلنا إلى اتفاق لإعادة إطلاق عجلة الدولة والمؤسسات ولإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد والخدمات الأساسية وفرص العمل، وفرصة الحياة الطبيعية للبنان واللبنانيين واللبنانيات. وأخيرا، وصلنا لاتفاق على تحييد دولتنا بالكامل عن الأزمة في سوريا. هذه أزمة نريد حماية بلدنا منها، وعزل دولتنا عنها، حتى إذا ما انتهت الأزمة واتّفق السوريون على نظامهم وبلدهم ودولتهم، نعود إلى علاقات طبيعية معها”.

وقال: “بناء على نقاط الاتفاق التي وصلنا إليها، أعلن اليوم أمامكم عن قراري تأييد ترشيح العماد عون لرئاسة الجمهورية”.

 

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا