كيف سعى ابن تيمية لإعادة بناء التضامن بين الأمة..؟

كيف سعى ابن تيمية لإعادة بناء التضامن بين الأمة..؟

حديث الجمعة: مع هنري لاووست في كتابه: “نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع 18

محمد السوسي

  • بقلم // ذ. محمد السوسي

كل يوم يمر تتضح معالم عمق الأزمة التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية، وتترسخ الأوضاع السيئة التي تتردى فيها هذه المجتمعات من خلال وضع الإنسان وما يكابده من تفشي الفقر والأمية والمرض وانحلال الأخلاق، وابتعاد فئات الأمة وشرائح المجتمعات بعضها عن بعض فيزداد ذووا الثراء ثراء على ثراء، ويزداد الفقراء فقرا على فقر، وكل ما أتيح للإنسان أن يظهر على ما يجري داخل هذه المجتمعات من خلال تقرير صحفي أو شريط وثائقي، أو تقرير لجهة دولية متخصصة أو حتى مكاتب دراسات إقليمية أو وطنية أو جهوية يبرر الوضع المأساوي لهذه المجتمعات مع ما لدى الأمة من إمكانيات مادية وثروات طبيعية أنعم بها الله على هذه الأرض التي تمتد فيها هذه المجتمعات

إن الأزمة وما يترتب عنها من هذه الأوضاع الاجتماعية السيئة يزداد تأثيرها في الإنسان عندما يقرأ ويرى بجانب هذه الأوضاع ما تقدمه تلك التقارير من أرقام الموارد المالية الناتجة عن تلك الثروات الطبيعية التي لو أحسن تدبيرها واستعمالها بالأسلوب الأمثل وأنفقت في مصاريفها الضرورية لكفلت للإنسان الحاجيات التي بها يكون قوام الحياة الإنسانية الأجدر بالإنسان المكرم الذي خلقه الله وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا. هذا التفضيل الذي جاء في الآية الكريمة عقب ذكر الكرامة والرزق من الطيبات مما يوحي أن أفضلية الإنسان من مستلزماتها أن يكون الرزق الطيب الذي أنعم الله به على الإنسان متاحا.

انه أمر وضحه القرآن الكريم في كثير من الآيات وزادت السنة المبينة لهذا البيان والتوضيح الكثير من التفاصيل التي انتبه إليها الجيل الأول من المسلمين بدء من الصحابة رضوان الله عليهم ومن الخلفاء الراشدين، فقد قام أبو بكر رضي الله عنه في البداية بمقاومة ومحاربة مانعي الزكاة لأنها حق الفقراء، وحق المجتمع على الأغنياء من أفراده، وجاء بعده عمر فسعى إلى ضمان التكامل الاجتماعي لأفراد الأمة فأخذ أحد أفراد المجتمع من أهل الكتاب وذهب به إلى مسؤول بيت المال فقال له انظر هذا واضرابه فلا تأخذ منه في شبابه ونضيعه في مشيبه وسار على نهج الشيخين عثمان رضي الله عنه ورغم ما كان سائدا من القلاقل في أواخر عهده ولما جاء على قول قولته المشهورة ما اغتنى الأغنياء إلا بفقر الفقراء، وهكذا دواليك كلما اقترب الناس من الكرامة كانت العدالة الاجتماعية هي السبيل أي الرزق الطيب كما ذكر القرآن وكلما ابتعد الناس عن هذه العدالة كلما امتهنت كرامة الإنسان وضيق على حريته وظروف عيشه الكريم ولا سبيل لمعالجة أزمة المجتمعات الإسلامية المتردية في كل مكان إلا بالعدل الاجتماعي، ولا يمكن الوصول إلى ذلك إلا عن طريق الحكم الرشيد الذي يتجنب الاستبداد. إذ الاستبداد صنو الطغيان، والطغيان يشترك في الجذر مع الطاغوت الذي أمر الله الناس أن يكفروا به.

وإذا كان الإسلام والإيمان يقومان على الالتزام بالعدل وكان من صفات المؤمنين الشورى «وأمرهم  شورى بينهم» فإن هذا الوصف الذي ارتبط كذلك بالإنفاق من رزق الله «وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون» يعتبر انعدامه في المجتمعات الإسلامية مصدر كل الشرور والمآسي التي تعاني منها الأمة والمجتمعات الإسلامية كما هو واضح من خلال استعراض الأزمات والحروب والأوضاع المتردية في هذه المجتمعات.

إن الحديث عن ابن تيمية يوضح مدى اهتمام الرجل بهذا العدل الاجتماعي بجانب العدل العام بين الناس وما يفرضه التضامن بين الأمة من السعي إلى إيصال كل ذي حق حقه عن طريق إصلاح الراعي والرعية.

ونعالج في حديث اليوم مفهوم التضامن الإسلامي عند ابن تيمية.

**********

تأويل غير صائب

خصصنا أحاديث ثلاثة لموضوع التكفير عند ابن تيمية بناء على إثارة الموضوع من لدن “لاووست” ونظرا لتأثير الدعوة (التكفيرية) حاليا في المجتمعات الإسلامية انطلاقا من تأويل فكر ابن تيمية وفتاويه، وقد اتضح من خلال تلك الأحاديث التي عالجنا فيها باختصار أفكار ابن تيمية وقاعدته في التكفير، إنه لا يلجأ إلى التكفير على المنهاج الذي ألبسه بعض الناس لأفكاره، إذ دخل على فكره آخرون من شيوخ يدعون السلفية والسير على منهاج ابن تيمية وهو أمر غير دقيق وفيه الكثير من الادعاء وقد أسلفنا بيان ذلك، وبيننا أنه تأويل غير صائب.
عناصر المجتمع
واليوم ندخل في صلب الموضوع الذي استبد بعنوان بحث المؤلف ورسالته الجامعية وهو (نظريات ابن تيمية في السياسة والاجتماع) والمؤلف عقد لذلك فصولا في القسم الثاني من المجلد الثاني من الكتاب الذي عنوانه: (عناصر المجتمع والدولة) والفصل الأول منه عنوانه (الجماعة) وأما الفصل الثاني فهو (الأقليات الدينية) والفصل الثالث الإمامة والدولة، ونخصص كل فصل من هذه الفصول بشيء من التحليل والتفصيل.
الهاجس
لاشك أن ابن تيمية كان هاجسه الأساس والمحرك وهو يرى الأمة الإسلامية تتعرض للهجوم والانتقاص من أطراف متعددة وجهات كثيرة وهو يستعرض ما تعانيه الأمة في فتوى من فتاواه شرقا وغربا مما أملى عليه ما اتخذ من مواقف سياسة للوقوف في تيار التفكك والانحراف الذي يرى أن استمرار الأمة في هذه الوضعية سيؤدي بها إلى الاندثار والانتهاء.
حالة التمزق
لقد جعل نصب عينيه الدفاع عن الأمة الأمة كلها وليس الرقعة التي كان يعيش فيها فقط أو حتى إلا بعد منها باعتبار أن الحكم الذي كان يعيش في دائرته (المماليك) يوجد ما بين الشام ومصر، وهما إقليمان مهمان في المنظومة الإسلامية ككل لاسيما وابن تيمية الذي يرى الأقطار العجمية والبعيدة شرقا تعاني من التمزق والابتعاد عن الإسلام وأن الجزيرة العربية كادت ان تخرج عن الإسلام أو هي خرجت بالفعل والمغرب يعاني في نظره من هجوم الأجانب واحتلال أطراف منه.
من خلال التاريخ
ولاشك أنه في هذا التحليل كان يقصد الأندلس، ولم يكن تحليل ابن تيمية في عمومه بعيدا عن الواقع الذي تعيشه الأمة الإسلامية، وهو واقع تعرض له غيره من المؤرخين بحرفية ومهنية وتفصيل سواء من كان معاصرا له أو من جاء بعده (ابن خلدون) مثلا ولد بعد وفاة ابن تيمية. بقليل، (وابن كثير) صاحب البداية والنهاية كان معاصر والشيخ الذهبي من تلاميذه ابن تيمية وغيرهم من المؤرخين.
وحدة الأمة
وهكذا فعندما نتحدث عن موقف ابن تيمية عن الأمة في هذه المرحلة لابد أن نستحصر هذا الواقع الدقيق والصعب الذي تعيشه الأمة الإسلامية، والتي كان ابن تيمية ينظر إليها وحدة موحدة، فهو كان يرى الأمة من خلال الكتاب والسنة ومن خلال النصوص التي أسست عليها الدولة والأمة الإسلامية منذ البداية من هنا كان هدفه الأول هو وحدة الأمة وتضامنها وهذا ما نجده مبثوثا في كتب ابن تيمية وفتاويه.
الكتب الأساس
ولكنه عالجه أكثر في كتب ثلاثة كانت الأمور فيها أبرزوا متخصصة في الموضوع السياسي والاجتماعي للأمة فكتابه السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، هي من الكتب التي عالج فيها مسألة الولاية بمعناها الواسع والتي تبدأ من أعلى هرم في الأمة أو الدولة إلى ابسط من تولى أمرا من أمور الأمة، أما الكتاب الثاني فهو كتاب “الحسبة” وهو تناول موضوع الحياة الاجتماعية وعلاقتها بالسلطة والفقهاء، أما الكتاب الثالث فهو منهاج السنة الذي كثيرا ما أشرنا إليه وهو كتاب حلل فيه موضوع الإمامة الكبرى وميز بين رؤية “الشيعة” وأهل السنة في موضوع السياسة والحكم ومن خلال ذلك تناول أمورا لها علاقة بقضايا أخرى ولكنها تعود إلى هذا الأصل الأصيل.
نظرية متكاملة
والواقع أن ابن تيمية خلال من كل ما كتب أن يقدم نظرية متكاملة في هذا الموضوع الأساس والحيوي بالنسبة للأمة، ولعل ما كتبه ابن تيمية يمتد الى من جاء بعده كما أنه لم يقطع الصلة بمن قبله وممن كتب في هذا الموضوع فقد كتب (الماوردي عن الأحكام السلطانية وهو شافعي المذهب، وكذلك أبو يعلي الذي كتب أيضا (الأحكام السلطانية) وهو حنبلي وكتب الطرطوشي (سراج الملوك) وهو مالكي دون إغفال ما ورد في الموضوع من طرف الغزالي وغيره وكل هذا في القرن الخامس الهجري وما قبله بقليل.
وعلى أي حال فإن لاووست حاول أن يجمع ويركز آراء ابن تيمية في الموضوع وكتب في الفصل الذي عنوانه “الجماعة” ما يلي:

الجماعة

«إن شكل التجمع الشرعي الوحيد المقبول عند علماء الكلام هو شكل “الجماعة” أو “الأمة” ومبدؤها وحدة الإيمان بالله الواحد وطاعة رسوله وهذه الأمة الواحدة بغايتها المثالية قد تعرضت إلى الانقسامات منذ وقت مبكر بفعل الإقليمية التي أشار إليها الحديث. وابتداء من القرن الثالث الهجري أثارت خلافات “الشعوبية” قضية علاقة الدين بالجنس وصاغتها في مصطلحات مذهبية. ولقد كانت الأمة في عصر ابن تيمية كما رأينا منقسمة من الشرق إلى الغرب إلى عديد من الإمارات المستقلة. وكانت الخلافات الدينية والعنصرية على أشدها داخل الإمبراطورية الشامية المصرية. بينما كانت ذكرى الحروب الصليبية والغزو التتاري. تدعو إلى توحيد جبهتها أمام الأخطار المشتركة. وكانت هذه الحاجة إلى الوحدة والنظام والتفاهم المتبادل قد أسهمت في زيادة أصالة الفكرة التي تكونت في مذهب ابن تيمية عن الأمة الإسلامية». (ص:163)

1 – التضامن الإسلامي (التعاون)

لقد أدرك ابن تيمية رحمه الله أن واقع الأمة لا يمكن أن يعالج ويجد طريقه لعودة الأمة إلى سالف مجدها إلا التضامن وهكذا التفت الباحث “لاووست” إلى هذا الأمر في كتابات ابن تيمية السياسة والاجتماعية فخص التضامن الإسلامي بفقرة مهمة جاء فيها:

لعبت فكرة التضامن العقدي دورا عظيما في مذهب ابن تيمية. بينما ظهر تضامن واقعي يدعو إلى اتخاذ مبدأ آخر غير الإسلام أساسا للوحدة وكان يمثل انتصار التعدد على الوحدة والجزء على الكل. ولقد أدان ابن تيمية هذا التضامن الواقعي الذي كان يهدف إلى تجميع الناس في جماعة يربطها الجنس أو القرابة أو المذهب كلما تصدى هذا التضامن لوحدة الإسلام الكبرى أو أعاق سير الحياة الاجتماعية والسياسية السليمة.»

الدراسة العميقة

إن الباحث “لاوست” أدرك بحكم دراسته العميقة  لفكر ابن تيمية في هذا السياق الدوافع والعوامل التي أثرت فيه واندفع لتقوية التضامن الإسلامي، ان الواقع البئيس الذي تعاني منه الأمة اليوم شبيه بذلك الواقع المؤلم ومن هنا ندرك لماذا تأثير ابن تيمية في الناشئة الساعية إلى النهضة في القرن التاسع عشر وما بعد ذلك وكيف حاول البعض اليوم توجيه هذه الروح والرغبة في الإصلاح إلى أداة لتدمير المجتمعات الإسلامية بقول لاووست وهو يصف الحال:

الاثر التخريبي

 وكان يكشف الأثر التخريبي الناتج عن عجز وظائف الدولة، والتحيز في تعيين نواب السلطان، والظلم في توزيع أموال الأمة والمحاباه في منح السلطات المسؤولة “الشفاعات”، وذلك بتأثير من التعاطف المذهبي أو العنصري أو التربوي، وكان يقارن الخصوصية المذهبية في الفرق والمذاهب بغلو exclusivisme الروافض التي تبدي أهمية بالغة (غلو، تشيع في المذهب) بعنصر كلي totalilé ، وتبذر الشقاق داخل الأمة، مما كان يوهن من قوة انتشار الإسلام.

نزعة البدو

ان الفقرة التي جاءت لدى “لاووست” وهو يحلل مفهوم التضامن الإسلامية جديرة بالدراسة اليوم لإدراك مدى ما اسماه إسلام البدو مع الغلو والتطرف واللجوء إلى العنف لدى بعض الجماعات التي تدعي السلفية والانتماء إلى فكر ابن تيمية.

ولقد شغلت ابن تيمية أيضا نزعة البدو إلى الفردية في كثير من الأحيان. فقد كان إسلامهم ضعيفا وكانت لهم في العقيدة أفكار باطنية، ولاسيما فيما يتعلق بطبيعة الملائكة، وكانوا يرفضون عن كبرياء الخضوع لقوانين الدولة، وكانوا يمثلون دائما الأوساط المعارضة لقبول الإسلام، ويرتكزون في ذلك على تحالف بين نزعة فردية فوضوية وبين تضامن قبلي أو اسري.

المثل الأعلى

وميز “لاووست” بين تلك النزعة الفردية وبين التضامن الإسلامي الحق الذي يدعو إليه ابن تيمية في فقرة منصفة لتوجهات ابن تيمية الحقيقية قبل التشويه من لدن ذوي الأغراض التي تحرك من يرون في ابن تيمية وأفكاره ما يمس مصالحهم الأنانية البعيدة عن الإخوة والمثل الأعلى في الوحدة الإسلامية.

«أما التضامن الإسلامي –وقد كان ابن تيمية يطلق عليه أيضا التعاون على البر والتقوى- فهو الشعور بالوحدة والأخوة التي تضم جموع المؤمنين منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة في ظل مثل أعلى واحد ومن أجل مصير واحد، فالأمة إذن تمثل جسما واحدا يتضامن كل جزء فيه مع الكل، ويدين كل جيل للجيل الذي سبقه برباط معنوي متصل، ويحمل على عاتقه أمانة عليه أن ينقلها إلى الجيل التالي وتعيش فيه كل مجموعة عنصرية أو جنسية في تسامح شرعي ما دامت تعمل من أجل وحدة هذه الجماعة».

عناصر الوحدة

ان عمق دعوة ابن تيمية للتضامن بين المسلمين ويستدعي بيان عناصر هذه الوحدة وكيفية الاعتماد عليها في بناء الوحدة أو على الأصح العودة إليها بالشكل المناسب والضروري ذلك أن ابن تيمية له مرجعان ومصدران اساسيان لهذه الدعوة ولغيرها من القيم والأفكار وهما الكتاب والسنة وهكذا ما يوضحه الكاتب “لاووست” في الفقرة التالية:

شكل الوحدة

ولهذه الوحدة شكلان متميزان في نظر ابن تيمية رغم أنه لا يعبر عنهما بعبارتين مختلفين. إذ تبدأ هذه الوحدة في أول الأمر بالتشابه الذي يشمل الإيمان بالله الواحد وبالرسول الواحد. وهذا الإيمان يضم المسلمين تحت مجموعة واحدة من المبادئ. فأول ما يتميز به أهل السنة والجماعة، يتركز في وحدة مبادئهم. ويسعد ابن تيمية بمقارنة هذه الوحدة بخلافات الفلاسفة، ولاسيما في مادة المنطق وفي العلوم التجريبية. كيف يمكن إذن أن تفسر ظهور أربعة مذاهب كبرى، وقد قال عنها الحلى إنها بناء يدعي من صنع الإنسان؟

لم المذاهب؟

إن هناك سؤالا يطرح دائما عن حسن نية أو عن ح… وهو لماذا هذه المذاهب والأقوال الفقهية وابن تيمية يقدم جوابا لا يختلف كثيرا عن الجواب الذي يقوله أرباب المذاهب الذين لا يرون في هذا الاختلاف أو التنوع ما يمس جوهر الوحدة بين المسلمين يقول “لاووست” على لسان ابن تيمية:

الوحدة قائمة

يرى ابن تيمية أن الوحدة كانت قائمة في الأصل برغم أن الصحابة اختلفوا في بعض المسائل الإسلامية. وترجع الخلافات الحالية بين المذاهب إلى أن إحاطة العلماء بالنصوص كانت قاصرة، والى ميلهم إلى المبالغة (غلو) في الاهتمام ببعض العناصر أكثر من غيرها، وبوجه عام إلى أخطاء في الاجتهاد ليست مذمومة في حد ذاتها كما رأينا، وإنما تصبح كذلك عند محاولة فرضها على الأمة باعتبارها حقائق مقررة. ويمكن الحد من قيمة هذه الخلافات –من الناحية النظرية على الأقل- إذا استطعنا العثور على الآية أو الحديث الذي يصححها أو يخطئها.

الدعوة إلى التسامح 

يلاحظ “لاووست” هنا ملاحظة دقيقة وهي ملاحظة غابت عن كثير من الناس اليوم أو لم تغب ولكنهم يريدون تجاهلها لأنها تتعارض  مع ما يسعون إليه ويريدون  تحقيقه من أهداف وإغراض بعيدة عن هدف ابن تيمية وغايته في الإصلاح الأمة أو إصلاح الراعي والرعية حسب  تعبيره وفي هذا الشأن يخلص “لاووست” الى القول:

ولكنها على أي حال ليست على هذه الدرجة من الأهمية لأنها لا تتعلق «بالواجبات» و «المكروهات» وإنما تختص بالأحكام المباحة وحدها.

وهي تؤدي إلى ترغيب أفراد الأمة الواحدة في توسيع دائرة التسامح والتفاهم والتعاطف فيما بينهم. والواقع أن ابن تيمية لم يحاول إطلاقا أن يطالب صراحة بتوحيد المذاهب الأربعة (توحيد الأحكام) سعيا وراء تحقيق الوحدة الأصلية، كما يعمل اليوم الدارسون المحدثون لمذهبه بحماسة شديدة، فبدلا من الدعوة إلى توحيد منهجي، اكتفى بالدعوة إلى التسامح المتبادل النابع من مشاعر الوحدة الأصلية ومن الأهمية النسبية للإخلاف والتعارض.

اللغة

وعن اللغة ودورها في التضامن الإسلامي يخص لاووست اللغة في هذا الفصل بفقرة مهمة مما جاء فيها:

هل تقضي وحدة الجماعة الاقتصار على استخدام لغة واحدة وعند اللزوم اللغة العربية؟ يبدو أحيانا أن ابن تيمية قد أبدى في هذا الموضوع قدرا كبيرا من التسامح. فحين أراد أن يحدد دور “النية” و “اللفظ” في نظرية العقود، قرر أن  النية هي التي يعول عليها وحدها. أما اللفظ فلا يهم إن كان باللغة العربية أو بلغة أجنبية. ولكن قلة من العلماء تحمست لسياسة تعريب منهجية. واعتبرت اللغة العربية اللغة الوحيدة المسموح بها في الدين، وقاومت أية لغة أخرى في علاقات الحياة اليومية. ولما كانت اللغة العربية هي اللغة المختارة عند الله. فلا يستطيع أحد أن يتفهم العقيدة والشريعة ما لم يكن متمكنا منها تماما. أما القرآن فتستحيل ترجمته إلى لغة أجنبية. واللغة العربية هي إحدى شعائر الإسلام التي تفضي على الأمة شخصيتها المتميزة (شعار الأمة). فبالإعراض عن اللغة العربية وإهمال شأنها، تتخلى الجماعة عن شخصيتها بينما الواجب الأول لكل فرد ولكل جماعة أن تنمي أصالتها الشخصية.

 

شارك برأيك

إلغاء الرد