كيف ترابطت الأزمة مع أجيال المغرب الراهن؟

كيف ترابطت “الأزمة” مع أجيال المغرب الراهن؟

محمد أديب السلاوي

بقلم // محمد أديب السلاوي

-1-

الأزمة، كمصطلح وكقضية وإشكالية، انتقلت في زمن الألفية الثالثة، من قواميس الدول الفقيرة/ المتخلفة/ التي تعاني من الجوع والبطالة والفساد والتهميش والحروب الأهلية، إلى قواميس الدول النامية، المصنعة، لتصبح مصطلحا عولميا، يؤطر قضايا البنك الدولي وهيئة الأمم المتحدة والبيت الأبيض وتصور الملوك والرؤساء في العالم المتمدن الذي كان قبل حين يصنع الأزمات ويصدرها للعالم الآخر.

الأزمة في زمن الألفية الثالثة، أصبحت هي القاسم المشترك بين الشمال والجنوب، بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وآسيا، وبين إفريقيا وأمريكا اللاتينيةالكل يعاني منها على طريقته الخاصة، إذ أصبحت هنا وهناك لا تقف عند حدود المال والاقتصاد والسياسية، بل تسربت إلى المجتمع والثقافة والفنون، لتصبح أزمة شاملة.

ولان حضورها قوي ومتعدد في السياسة والاقتصاد والثقافة، أصبح الزعماء والوزراء والمدراء والمثقفون والإعلاميون يستعملونها بكثافة، كل من موقعه واختصاصه، بعضهم يوظفها في خطاباته المذهبية والسياسية وبعضهم الآخر يتحدث عنها ويشرحها، ويقلب أوراقها، يفككها ويعيد تركيبها بمناهج وأساليب وصيغ مختلفة ومتباينة. جرائدنا ومجلاتنا وفضائياتنا وكتبنا ومنابرنا الإذاعية ملئى بالأزماتوبالكلام عن الأزمات التي تؤطرنا وتحيط بنا من كل جانب، فأزمة الحكم والسلطة، كأزمة الثقة وأزمة الاقتصاد وأزمة التشغيل وأزمة التخطيط كأزمة النص وأزمة المنهج وأزمة النقد وأزمة القراءة، كلها تصب في أزمة بنيوية/ هيكلية/ شاملة، تحيط بنا من كل زاوية، ومن كل جانب.

-2-

        منذ عقود بعيدة، انتقلت هذه المفردة العجيبة بهدوء من تعابير المبدعين والمثقفين والنقاد، إلى تعابير السياسيين والاقتصاديين والحقوقيين والرياضيين، فأصبح كل في مجال تخصصه، يعاني من الأزمة، يشرح الأزمة، أو يفعل آليات مواجهتها. ففي المؤتمرات السياسية والملتقيات الثقافية والفكرية والندوات الصحفية والمجالس الحكومية، كما في الحملات الانتخابية تتحول الأزمة إلى أداة للعمل، وإلى خريطة طريق سالكة إلى عقول المناضلين والناخبين والرياضيين والاقتصاديين، والمثقفين، تتحول إلى عملة رائجة للذين يرفضون الأزمة والذينيبحثون لها عن حلول.

        ومنذ عقود بعيدة، لم يتوقف خطاب الأزمة على المستوى الشعبي، كما على المستوى الرسمي في الدول السائرة في طريق النمو، لتصبح الأزمة حالة بارزة في العالم المتمدن بعدما مست عدواها كل البيوت والمرافق والمؤسسات والقطاعات، لتصبح شاملة تمس كل الأحاسيس والمشاعر، وتسكن كل العقول والقلوب، وبعدما اتخذت لنفسها بسبب الظرفية التاريخية أوسع مجال في الحياة العامة، أصبحت هذه الأزمة سيدة اللغة والتعبير والبلاغة في خطابنا السياسي/ الاجتماعي/ الاقتصادي/ الثقافي، وأصبحت سيدة الموقف في كل خطاب وبرنامج وإيديولوجية، تنتقل من مفهومها المادي إلى مفاهيمها الحسية، تتخذ صورتها في الواقع، من خلال صورتها في مكونات وهياكل هذا الواقع.

        يعني ذلك أيضا أن الأزمة في حياتنا المعاصرة/ في واقع العالم الراهن، ليست حالة اعتراضية، فهي تمتد، تتوسع عبر مساحات لا نهائية، وكأنها قدر محتوم، تتعمق في الوجدان، على جدارية الأخلاق، تتجاوز حدود الذات الفردية، لتشمل الذات الإنسانية الشاملة.

-3-

        إلى منتصف القرن الماضي، كانتالأزمةفي أوربا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية نتاج طبيعي ومباشر للخلخلة الاقتصادية التي عرفتها هذه القارة بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنها لم تكن تمس المناحي الأخرى في حياة الناس كما هو الأمر في الوقت الراهن، لأنها كانت محاصرة بموانع الثقافية والفكر، وبأسس التربية الأولية للأفراد، لكن يبدو أن أزمة العالم السائر في طريق النمو تتخذ اليوم منحى آخر، تطورت كمفهوم وكواقع اقتصادي/ اجتماعي/ سياسي/ ثقافي عام، إلى الحد الذي أصبحت شاملة تتحدى كل الموانع الموضوعة في طريقها.

        وإلى منتصف القرن الماضي أيضا، كانتالأزمةفي المغرب وهو نموذجللعالم السائر في طريق النمواقتصادية بحثه، ولكن وبسببها، بدأت المقومات الأخلاقية في الانهيار، وبدأت التوازنات الاجتماعية في الانحدار، وأصبحت الأزمة تأخذ حجم الغول الذي يلتهم كل ما في طريقه فلم تترك لجيل الاستقلال وقتا يتنفس فيه الصعداء، ليعقلن أوضاعه، ولم تتح له الفرصة للخروج  بالتاريخ إلى مرحلة أشمل وأرحب وأكبر، فبقي هذا الجيل أسير أزماته المتميزة بعنف الصراعات، والمنغمسة حتى القعر في الفساد والسوداوية، فطبعت حياته وسلوكه الفردي والجماعي، وأصبحت جزء لا يتجزأ من كينونته ومن سيرورته النفسية والأخلاقية.

        الجيل المغربي الجديد الذي تربى وترعرع على أزمات عهد الاستقلال، يغطي في مغرب اليوم مساحة هامة في تراثنا البشري (حوالي 80% من الساكنة الوطنية)، أزماته تختلفبكل تأكيدعن أزمات الجيل الذي قبله، فهي اليوم، أزماتوأزمات تغطي كل حياته، فهو جيل ملئ بالتمزقات المؤلمة، ملئ بالفراغ الروحي والجسدي، يعيش بين آلام الفقر والمرض والأمية، وبين آلام التهميش والبؤس الاجتماعي والحضاري والإنساني، يتفرج على أزماته وهي تكبر أمامه بتحد صارخ وهو لا حول له ولا قوة.

        فتح الجيل المغربي الجديد، عينيه على مغرب مطوق بالأزمات، وجد نفسه يتحمل العديد من المسؤوليات الموروثة عن الأجيال الماضية، ومن ضمنها حماية الاستقلال/ حماية الوحدة الترابية/ تأمين الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة الحق والقانون/ توسيع دائرة التنمية والعدالة الاجتماعية/ ترسيخ قيم المواطنةووجد نفسه يتحمل مسؤوليات أخرى ترتبط بشروط المواطنة الكريمة ويدخل ضمن ذلك الإرث العظيم الذي ورثه من الإدارة الاستعمارية، والمتعلق بضعف وفساد الإدارة والاقتصاد والسياسة والمال العام.

        على المستوى الاجتماعي، وجد الجيل المغربي الجديد نفسه داخل أكبر الطبقات اكتظاظا وأكبرها حجما، وهي طبقة الفقراء والعاطلين والمعطلين والمهمشين والبؤساء، يتصارع مع الخبز والصحة والشغل والتعليم والسكن، في بلد ما زالت بنياته، تشتكي من أمراض الماضي بسبب التخلف الذي يهاجمه من كل الزوايا، ويدفعه إلى التصنيف ضمن أكثر بلاد العالم فقرا وتخلفاوبفعل هذا التواجد القهري، يتفاعل هذا الجيل مع كل السلبيات المخيفة: الأمية/ البطالة/ الفراغ/ التهميش/ المرضليكون رصيده القوي من الأزمات الروحية والمادية الخفية والظاهرة مبهرا ومخيفا وخارج كل التصورات الممكنة والمستحيلة.

        على المستوى السياسي، وجد هذا الجيل نفسه ينخرط في نضالات متعددة الأهداف، أنه يطمح أن يلعب وطنه المغرب دوره التاريخي على الساحتين الوطنية والدولية، وهو في حالة تسمح له أن يوفر لأبنائه/ مواطنيه الكرامة والعيش الكريم والتربية والصحة والشغل، وأن يلعبوا دورهم بإتقان في الدفاع عن الوحدة الوطنية، ووحدة التراب الوطني، وأن يأخذ هذا الوطن، حقه من وسائل الازدهار والتقدم الحضاري والتكنولوجي، وأن ينخرط بجدارة في المنظومة الحضارية الحديثة، للعالم الحديث.

        المفارقة العجيبة التي صنعها هذا الجيل، أنه هو نفسه الذي يخوض معارك الديمقراطية والتنمية وحقوق الإنسان على واجهة الأزمات الاجتماعية/ الاقتصادية/ السياسية القائمة، وهو نفسه الذي يوظف مكاسب الأجيال المغربية السابقة ونضالاتها من أجل بناء مغرب جديد قادر على السير والاستمرارية والانتقال، مدمج ومنخرط في المنظومة العربية الإسلامية، كما في العصر الحديث ومنظومته الحضارية.

        يعني ذلك بوضوح، أن الأزمة المغربية، أزمة سوريالية، إذ تختلف شكلا ومضمونا عن أزمات العالم الآخرفإنها تحمل كل ألوان الطيف، لتصبح خارقة للعادة ولا يمكن الاكتفاء بتسميتها أزمة.

شارك برأيك

إلغاء الرد