فيلم داليدا: نجاحها الفني ومآسيها العاطفية.. بقلم // عمر بلخمار

فيلم داليدا: نجاحها الفني ومآسيها العاطفية.. بقلم // عمر بلخمار

فيلم داليدا: نجاحها الفني ومآسيها العاطفية.. بقلم // عمر بلخمار

عمر بلخمار

يوجد حاليا ببلادنا الفيلم الفرنسي “داليدا” الذي أخرجته المنتجة والسيناريست الفرنسية ليزا أزويلوس التي قامت أيضا بكتابته واقتباسه و شاركت في إنتاجه، وقد اختارت له نخبة من الممثلين غير المشهورين في مجملهم وعلى رأسهم عارضة الأزياء الإيطالية سفيفا ألفيتي التي شخصت دور “داليدا” في شبابها، والطفلة الإيطالية إيلينا رابيساردا التي شخصت دورها في سن الطفولة، وشارك فيه أيضا الممثل والمنتج الإيطالي ريكاردو سكامارسيو في دور شقيقها “أورلاندو”.

الفيلم عبارة عن سيرة ذاتية لهذه المغنية الفرنسية الإيطالية المشهورة التي سبق لها أن شاركت في فيلم “اليوم السادس” ليوسف شاهين، والتي ولدت سنة 1933 بالقاهرة في أسرة متواضعة وعاشت المحن والمعاناة منذ صغر سنها وكانت أكبر صدمة تلقتها في طفولتها إلقاء القبض على والدها الموسيقي أمام أعينها بتهمة التعاون مع النازيين.

يتم التركيز في هذا الفيلم الذي تستغرق مدته 124 دقيقة على النجاح الفني الباهر التي حققته هذه المغنية المحبوبة والشعبية موازاة مع مغامراتها العاطفية والمأساوية التي أثرت على مسارها الفني الذي كان يمكنه ان يطول أكثر، وحولت حياتها إلى معاناة نفسية وعذاب مما دفع بها سنة 1987 إلى الانتحار فوق فراشها معتذرة لعشاقها وتاركة لهم رسالة قصيرة كتبت لهم فيها جملة واحدة تفيد بأنها لم تعد قادرة على استحمال الحياة.

تم استعراض كل ذلك وفق ترتيب زمني مبعثر غير مرتب مع توظيف بعض لقطات الفلاش باك التفسيرية المصحوبة أحيانا بالتعليق. ينطلق الفيلم و”داليدا” تتكلم بالإيطالية وتعرفها مع أقاربها قبل أن تتعرف في فرنسا على حبيبها الأول لوسيان موريس (الممثل جان بول روف) الذي كان مديرا لإذاعة أوروبا 1، والذي ساعدها على إحياء أول حفل كبير لها بقاعة الأولمبيا المشهورة سنة 1956 و يرجع له الفضل في ما حققته في بدايتها من نجاح و شهرة، ولكن علاقتها به توقفت بعد سقوطها في غرام شاب جميل آخر مما أدى إلى طلاقهما. ستصاب بأزمة حادة بعدما تم اغتيال حبيبها الثاني الشاب “لويجي” بكيفية دموية، و لم تمنعها هذه الصدمة من الدخول في علاقة غرامية أخرى مع حبيب ثالث يصغرها سنا و لا يتجاوز عمره 22 سنة مما عرضها لانتقادات و عتاب أفراد عائلتها و دخلت في تعاسة نفسية حاولت تجاوزها بممارسة “اليوغا” في الهند. لم تفقد الأمل في العثور على الحب المفقود لأنها لا تستحمل الوحدانية في العيش إطلاقا، وتعرفت على شاب رابع أحبته وأحبها بقوة ورافقها في حفلاتها الغنائية التي أصبحت ترقص فيها أيضا ، ولكن علاقتهما تأثرت سلبا بسبب التوترات والخصامات الحادة بينهما قبل أن تجده هو أيضا ميتا في سيارته. كل هذه المآسي التراجيدية جعلتها تحرم من العيش السعيد بالرغم من نجاحها الفني وشهرتها العالمية و هو أمر دفع بها إلى وضع حد لحياتها بكل هدوء في نهاية مأساوية تشبه ما حدث للعديد من الفنانين و المشاهير في فرنسا و خارجها.

أعاد هذا الفيلم الروح إلى الفنانة “داليدا” لتتعرف الأجيال الحالية عليها، وهو بمثابة تكريم لها، وهو ليس جرد شامل لحياتها بل تركيز على أهم محطات مسارها الفني وعلى حياتها الشخصية العاطفية المأساوية ، هو فيلم تراجيدي لا يخلو من جمال، يجمع بين النجاح والفشل بين الحزن والفرح بين التعاسة والسعادة لامرأة قد ينعتها البعض بالفوضوية الطموحة المتحررة المغامرة المتمردة التي تبدو مسعورة كأنها مسكونة داخليا بشياطين العشق، و تبقى العلاقة الغرامية الناجحة الوحيدة في حياتها هي علاقة الحب التي جمعتها بجمهورها. الفيلم ميلودرامي مطعم بالعديد من الأغاني الجميلة التي تحيي الحنين في نفوس المشاهدين الذين يعرفونها، وقد وظفت فيه بطريقة تواكب تطورات مسارها وتنسجم كلماتها الحالات والمعاناة التي تعيشها والتي تبكيها أحيانا أثناء الغناء.

الفيلم كلاسيكي بطريقة تناوله لهذه السيرة الذاتية، وهو من نوع “الدوكوفيكسيون” أي أنه يجمع بين ما هو وثائقي وتخييلي، ولكن موضوعه معالج بسطحية ملموسة على مستوى بناء الأحداث و الشخصيات الأمر الذي أفقده الحرارة الدرامية وقوة تحريك مشاعر المشاهد واستفزاز عواطفه، فأصبح كأنه عمل إخباري يستفيد منه المشاهد دون أن يعيش وأن يتفاعل مع أحداثه. حاولت الممثلة الإطالية سفيفا ألفيتي أن تتقمص كليا شخصية “داليدا” وقد نجحت مظهريا إلى حد كبير في ذلك لكونها تشبهها من ناحية الطول والشكل (تشبه أيضا الممثلة الأمريكية جوليا روبيرتس) و لكنها لا تشع حرارة درامية من الداخل نظرا لنقص في بناء شخصيتها وإعطاء الأهمية والأسبقية لمظهرها بحثا عن المصداقية المفقودة، وقد تم توظيف تقنية “البلاي باك” في أدائها للأغاني بكيفية غير مضبوطة جدا كما هو ملاحظ في البعض منها.

تجدر الإشارة إلى أن المخرجة ليزا أزويلوس هي فرنسية من أصل مغربي، أمها هي المغنية والممثلة الفرنسية المشهورة ماري لافوري، ووالدها رجل أعمال مغربي يهودي كان حسب ما يحكى صديقا للشهيد المهدي بنبركة، وقد تعاونت في إنجاز هذا الفيلم مع شقيق “داليدا” المنتج المشهور “أورلاندو” الذي يواكب معاناتها ويظهر فيه معها كثيرا من بدايته إلى نهايته.

عمر بلخمار
للتواصل مع الكاتب:
benkhemmar@yahoo.fr

فيلم داليدا: نجاحها الفني ومآسيها العاطفية.. بقلم // عمر بلخمار

فيلم داليدا: نجاحها الفني ومآسيها العاطفية.. بقلم // عمر بلخمار


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا