عين انقرة على ترامب لإحياء مخطط التوسع وإنشاء المناطق الآمنة في سوريا

عين انقرة على ترامب لإحياء مخطط التوسع وإنشاء المناطق الآمنة في سوريا

هل تنهار التفاهمات الروسية التركية؟

  • بقلم // عمر نجيب

 أعلنت وزارة خارجية كازاخستان يوم السبت 11 فبراير أن الحكومة السورية والفصائل المسلحة المعارضة مدعوتان لجولة جديدة من المحادثات رفيعة المستوى في 15 و16 فبراير في أستانا، وبحسب الدول الضامنة لعملية أستانا، وهي روسيا وتركيا وإيران، فسيبحث المشاركون في اللقاء مسائل تطبيق نظام وقف الأعمال القتالية في سوريا والإجراءات الهادفة إلى استقرار الوضع الأمني في بعض مناطق البلاد، إلى جانب خطوات عملية أخرى، بما في ذلك المتعلقة بالمفاوضات السورية السورية المرتقبة في جنيف، والتي أعلنت الأمم المتحدة أنها ستبدأ يوم 20 فبراير.

واتفقت روسيا وإيران وتركيا على ضرورة مشاركة فصائل المعارضة المسلحة في محادثات جنيف برعاية الأمم المتحدة.

وجاء ذلك بعد أن جرى في أستانا، يوم 6 فبراير، اجتماع حول سوريا شارك فيه ممثلون عن روسيا وتركيا وإيران والأردن والأمم المتحدة.

وكان يتوقع أن يشهد هذا الإجتماع أول مفاوضات مباشرة بين الحكومة السورية والفصائل المسلحة منذ اندلاع النزاع في 2011، إلا أن الفصائل المسلحة رفضت ذلك.

وتعليقا على هذه الفعالية، قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا “إن من أهم نتائج هذه الفعالية الإنجاز شبه الكامل للعمل على تسجيل مناطق سوريا الخاضعة لسيطرة تنظيمي داعش وجبهة فتح الشام، غير الخاضعين لنظام وقف إطلاق النار”. رسميون في موسكو أكدوا أن عراقيل كثيرة لا تزال قائمة أمام إمكانية البحث عن حل سياسي للصراع الدولي الدائر على أرض الشام.

هل تنهار التفاهمات الروسية التركية؟ عين انقرة على ترامب لإحياء مخطط التوسع وإنشاء المناطق الآمنة في سوريا

خلافات عميقة

  يوم الأحد 12 فبراير ومن الرياض أعلنت الهيئة العليا للمفاوضات أسماء أعضاء وفدها إلى جنيف، بينما نفت منصتا موسكو والقاهرة استشارتهما… ورفضتا الموافقة على “بيان الرياض”.

 رئيس “منصة موسكو” للمعارضة السورية، قدري جميل، إتهم مجموعة الرياض بتعطيل عملية السلام، وطالب بـ”تمثيل عادل ومتوازن ” لجميع قوى المعارضة خلال تشكيل وفدها إلى مفاوضات جنيف. وفي تصريح لجريدة “الوطن”، الأحد 12 فبراير، طالب جميل بأن “لا تكون منصة الرياض، الممثلة من قبل الهيئة العليا للمفاوضات، أكثرية داخل هذا الوفد، لأنهم لا يستطيعون التصرف بها بشكل حكيم يؤدي إلى حل الأزمة السورية”.

واعتبر جميل أن “سلوكهم كان يثبت دائما أنهم يعطلون المفاوضات”، موضحا: “يسمون نفسهم الممثل الشرعي للمعارضة، ولكنهم ممثل معطل لحل الأزمة السورية، وهم يعطون بسلوكهم كل الحجج والمبررات للنظام كي لا يذهب إلى الحل السياسي”.

وأضاف جميل: “إن مطلبنا الحقيقي هو في أن تبتعد الفصائل المسلحة المشاركة في أستانا عن الإرهابيين المصنفين دوليا، وهو إن تحقق، فإنه سيغير ميزان القوى في سوريا وسينجح الحل السياسي حتما”.

مهمة المبعوث الأممي

 أمام هذه الخلافات أعلن سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي أن على المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا الأخذ بصلاحياته المتعلقة بتشكيل وفد من المعارضة السورية للمشاركة في مفاوضات جنيف.

وانطلق لافروف، في مقابلته مع قناة “إن تي في” الروسية، من الأخذ بعين الاعتبار أن أية شروط تضعها المعارضة قد تؤدي إلى تأجيل هذه الجولة من المفاوضات، ما سيلحق أضرارا جدية بسمعة منظمة الأمم المتحدة.

وأضاف وزير الخارجية الروسي، أن العمل مستمر على ترتيب لقاء آخر بين دمشق والمعارضة السورية المسلحة، مشيرا إلى أن الأردن يساهم في انضمام جماعات مسلحة من “الجبهة الجنوبية” إلى هذه العملية.

وأشار لافروف إلى أن الحديث عن اختراق قريب، على صعيد تسوية الأزمة السورية، سابق لأوانه، لكن “الوضع الراهن أكثر ملاءمة بكثير لأن نخطو خطوات عملية لحل الأزمة”، مشيرا إلى أن العلاقات الروسية التركية أتاحت فرصة للتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في سوريا أواخر عام 2016.

  عدد كبير من المراقبين لا يتوقعون حدوث إختراق نحو حل سياسي للصراع، لأن معادلات جديدة لتوازن القوى برزت على الساحة وخاصة بالنسبة لتركيا وعدد من الجماعات المسلحة التي تراجعت عن إتفاق وقف الأعمال القتالية أو التي دخلت في قتال شرس بينها، وقد أضيفت هذه التحولات بالخلافات الكثيرة التي تتناسل بسرعة بين الأطراف المعادية للحكومة السورية

المسلحون يتقاتلون فيما بينهم

 يوم 7 فبراير أشارت صحيفة “إيزفيستيا” الروسية إلى وقوع اشتباكات مسلحة بين العديد من الفصائل المعادية لدمشق. وجاء في المقال:

اندلعت اشتباكات عنيفة في محافظة إدلب السورية بين المتطرفين والمعتدلين الموصوفين بالإسلاميين. ووفقا لمعلومات من مصادر عديدة، فإنها أسفرت عن مقتل زهاء 100 مسلح. وخوفا من القضاء عليها، تحاول مجموعات صغيرة كثيرة الالتحاق بصفوف المعسكر “المعتدل”. وفي غضون ذلك، يقوم الطيران الحربي السوري والقوة الجو فضائية الروسية باصطياد قادة “جبهة النصرة” السابقة من الجو.

 إن التوتر، الذي كان يتصاعد طيلة شهر يناير 2017 بين المجموعات “الإسلاموية” من المعارضة السورية، تحول في النهاية إلى حرب داخلية فيما بينها في محافظة إدلب، التي انسحب إليها المسلحون الناجون بعد هزيمتهم في حلب. وفي يوم الجمعة 3 فبراير 2017، اندلعت الاشتباكات المسلحة إلى الغرب من حلب، حيث هاجم مسلحو “هيئة تحرير الشام” “جبهة فتح الشام” و “جبهة النصرة” سابقا مواقع “الجيش السوري الحر”. وكانت الاشتباكات قد اتسعت لتشمل مساحات بالقرب من محافظة إدلب في 30-31 يناير، حيث استخدم المسلحون فيها الأسلحة الثقيلة. وهاجموا تنظيم “جيش المجاهدين”، الذي لم يخش إرسال ممثلين عنه إلى محادثات أستانا، وساندته المجموعات “المعتدلة” الأخرى.

ولا يوجد في إدلب خط جبهة بالمعنى التقليدي، وتدور الاشتباكات هناك بصورة متقطعة، ويعتمد الفرقاء في الحرب ضد بعضهم بعضا أسلوب الغزوات الخاطفة، وإقامة نقاط وحواجز وكمائن والغارات عليها، وعمليات اغتيال قادتهم بعضا ضد بعض، لذا يبقى من الصعب الحصول على معطيات دقيقة حول الخسائر البشرية في صفوف الأطراف المتصارعة.

ومن الواجب الإشارة إلى إن المجموعات “الإسلاموية”، التي تتصارع الآن فيما بينها، كانت في السابق تشكل القوة الضاربة الرئيسة للمعارضة السورية المسلحة، حيث انضمت إلى تنظيم “هيئة تحرير الشام” ما يقارب 16 مجموعة. بينما انضم إلى تنظيم “أحرار الشام” مسلحون من 12 فصيلا عسكريا، ويساند “الجيش السوري الحر” تنظيم “أحرار الشام”. وفي حصيلة الأمر، ووفقا لمعطيات مصادر كردية، يوجد لدى كل تحالف نحو 20 ألف مسلح، ولكن كفة الميزان تبقى تميل إلى مصلحة تنظيم “هيئة تحرير الشام” الأكثر تطرفا وعدوانية.

 وكانت الجماعات الموصوفة “بالاسلاموية” قد سيطرت على مدينة إدلب في مارس 2015. وكانت تندلع سابقا فيما بينهم اشتباكات مسلحة، ولكن “العامل الاقتصادي” كان السبب الجوهري والأساس في هذه الصراعات، وعلى قاعدة من سيحصل على حصة أكبر من المال، الذي يرسله الرعاة الخارجيون للحرب؟ بيد أن جوهر الصراع الحالي يتلخص في حقيقة أن العديد من هذه المجموعات يرتبط في المقام الأول بتركيا، وفي الوقت الراهن تحاول هذه المجموعات النأي بنفسها عن “الجهاديين” والبرهنة على “اعتدالها”.

هذا، ويحدد تنظيم “أحرار الشام” وضعه كاتحاد للإسلامويين-القوميين المعتدلين. كما أن هذا التنظيم لم يدرج في قائمة “المتطرفين” الروسية حتى لا يتعرض للقصف الروسي الجوي. وفي الوقت نفسه، اتخذ موقفا محايدا تجاه مفاوضات أستانا، ولكن من دون أن يرسل ممثلين عنه إلى العاصمة الكازاخستانية. في حين أن هيكل “جبهة النصرة” السابقة يتكون من “الجهاديين الأمميين، ولا تريد أن تسمع كلمة عن أي تسوية مع دمشق، وتعتزم مواصلة القتال حتى النهاية.

ويقول المستشرق ليونيد إيسايف من المدرسة العليا للاقتصاد إن المفاوضات الثلاثية روسيا، وإيران، وتركيا أدت الى انخراط المجموعات الموالية لتركيا وبخاصة “الجيش الحر” في إدلب في مواجهة مع التنظيم المتشدد “هيئة تحرير الشام”. وبما أن قدرات “الجيش الحر” محدودة، وأن الأتراك مشغولون في مجابهة تنظيم “داعش” في منطقة الباب، فإن أنقرة تتمنى كثيرا أن يقوم تنظيم “أحرار الشام ” بتقديم المساعدة إلى “الجيش الحر”. لكن “أحرار الشام” يفضلون الانتظار ولم يهرعوا لنصرة “الجيش الحر”.

ويضيف إيسايف أن “أحرار الشام” تنظيم يتصف بالحذر الشديد، وقد انضم إلى المصالحة لكيلا يتعرض للقصف الجوي الروسي، وفي الوقت نفسه لم يرسل ممثلين عنه إلى مفاوضات أستانا. وعلى الرغم من أنه يتلقى معوناته عبر الحدود التركية، فإنه موال لدول خليجية. لهذا إذا أردنا استخدام “أحرار الشام” ضد “جبهة النصرة”، فعلينا اولا الاتفاق مع الدول الخليجية”.

أما بالنسبة إلى الجيش الحكومي السوري، فهو ليس في عجلة من أمره للتدخل في الأحداث التي تدور في إدلب. هذا، إضافة إلى أن قطعاته العسكرية الأكثر فعالية مشغولة في مقاطع أخرى من جبهة القتال. وبصورة عامة، فإن دمشق راضية جدا، لأن المسلحين يبيدون بعضهم بعضا. 

هل تسقط تركيا في الفخ؟

  في الوقت الذي تواصلت فيه المعارك بين الفصائل المسلحة برزت مواجهات أخرى بين الجيش السوري والتنظيمات المسلحة المحسوبة على تركيا فيما تعرضت وحدات من الجيش التركي قرب مدينة الباب لقصف جوي روسي أعلن أنه جاء نتيجة خطأ، ولكن مصادر رصد إعتبرته إنذارا من موسكو لأنقرة.

كتب المحلل والصحفي عبد الباري عطوان يوم 9 فبراير في صحيفة رأي اليوم الصادرة في لندن:

اذا تأكدت الانباء التي تواترت اليوم حول حدوث اشتباكات بين الجيش السوري وقوات “درع الفرات” التركية في مدينة الباب، وهي تبدو مؤكدة، فان هذا يعني ان تركيا، ربما تكون تورطت في حرب استنزاف جديدة.

وكالات الانباء العالمية اكدت ان عشرة جنود اتراك قتلوا وأصيب عشرة آخرون في اليومين الماضيين اثناء اشتباكات مع قوات “الدولة الإسلامية”، بالإضافة الى مقتل ثلاثة جنود اخرين بـ”الخطأ” اثناء غارة لطائرات روسية يوم الخميس 9 فبراير.

منذ ما يقرب الثلاثة اشهر وبيانات رسمية تركية تتحدث عن تقدم كبير لقوات “درع الفرات”، التي تضم فصائل تابعة للجيش السوري الحر أيضا، في المدينة، وان سقوطها بات وشيكا، ولكن المدينة الباب لم تسقط، بل تستعصي على السقوط، بسبب المقاومة الشرسة، واذا تصادم الجيشان في مواجهات دموية فإن الحرب ستطول، وخريطة التحالفات على الأرض قد تتغير، وتنقلب رأسا على عقب، وستتعاظم الخسائر البشرية والمادية، وفي الجانب التركي خصوصا، لان “الرأي العام” التركي يعيش حاليا حالة من التململ والقلق من جراء ذلك، قد تتحول الى غضب لاحقا.

الجيش السوري، وحسب البيانات الرسمية، يقاتل على ارضه، ولاستعادة مدينة خرجت عن سيطرته، ويعتبر الوجود العسكري التركي احتلال وانتهاكا للسيادة السورية، والذي يدافع عن ارضه في مواجهة احتلال اجنبي تكون دوافعه اكثر قوة واقناعا.

الرئيس رجب طيب اردوغان دفع بالقوات التركية الى العمق السوري في اطار خطته لاقامة “منطقة آمنة” على مساحة خمسة آلاف كيلومتر مربع، تشكل جيبا مستقلا عن الحكومة السورية في دمشق، وخاضعا للسيادة التركية، المباشرة او غير المباشرة، وتكون مقدمة لتقسيم سوريا الى كانتونات طائفية، تحت ذريعة منع تدفق اللاجئين، وهي ذريعة لا تقنع الكثيرين داخل سورية وخارجها.

ما منع، ويمنع، تدفق اللاجئين هو ثبات وقف اطلاق النار، والانخراط في مفاوضات بين جميع الأطراف المتحاربة على الارض السورية، للوصول الى حل سياسي يحقن الدماء، ويعيد الاستقرار، والوحدتين الجغرافية والديمغرافية لهذا البلد المنكوب، وها هي المعارضة السورية المسلحة التي رفعت السلاح لإسقاط النظام تجلس وتتفاوض معه في غرفة واحدة.

التدخل العسكري التركي في مدينة الباب لم يأت من اجل قتال تنظيم “الدولة الإسلامية”، وانما لمنع قيام كيان كردي يمكن ان يشكل منطلقا لهجمات ضد تركيا في المستقبل، ويبني قاعدة خلفية لحزب العمال الكردستاني المطالب بإنفصال الاكراد عن تركيا، وتضعه حكومة انقرة على قائمة الإرهاب.

الرئيس اردوغان يريد ان يكون الحاكم الحقيقي لسوريا، فقد اكد ان المرحلة التالية، بعد السيطرة على مدينة الباب، الزحف الى مدينة الرقة، وطرد قوات “الدولة الإسلامية” منها، ليس من اجل اعادتها للسيادة السورية، وانما لمنع قوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية المدعومة أمريكيا من لعب أي دور في عملية “تحريرها”، ولماذا لا تكون دمشق بعد الرقة؟.

عندما نقول ان خريطة التحالفات يمكن ان تنقلب رأسا على عقب، بسبب هذا التدخل العسكري التركي والصدام مع الجيش السوري، فإننا نعني ان تحالفا سيتبلور ويقوى بين الحكومة السورية والاكراد على أرضية القاعدة التي تقول “عدو عدوي صديقي”، ولا نستغرب انضمام “الدولة الإسلامية” بطريقة مباشرة او غير مباشرة، الى هذا الحلف الجديد، او عدم مقاومته، لان احقادها على الرئيس اردوغان، الذي تقول انه طعنها في الظهر، اكبر بكثير من احقادها على النظام السوري، فالمسألة مسألة أولويات.

نستعين مرة أخرى في هذا الحيز بالمثل الإنكليزي الذي يقول “اذا وقعت في حفرة فان اول شيء يجب ان تفعله هو التوقف عن الحفر”، ويبدو ان الرئيس اردوغان لم يسمع عن هذا المثل، واذا كان قد سمع به، فإنه لا يعمل بالرسالة التي يريد ايصالها، لانه وقع في الحفرة السورية، وما زال يواصل الحفر منذ ست سنوات من بداية الازمة، وما يؤكد لنا هذه الخلاصة، حالة الترحيب غير العادية بدعم الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب للمنطقة الآمنة في سوريا، ووصول مايك بومبيو مدير وكالة المخابرات المركزية الى انقرة كأول عاصمة يزورها بعد توليه منصبه.

وكالة المخابرات المركزية الامريكية، الى جانب اطراف عربية ودولية أخرى، كانت الأكثر سعيا من اجل توريط تركيا في الازمة السورية، عندما باعتها اكذوبة السقوط السريع للرئيس الأسد ونظامه، واقنعتها بأن اقصر الطرق لانجاز هذا الهدف، هو فتح أبواب تركيا على مصراعيها امام تدفق “المجاهدين”، وآلاف الاطنان من الأسلحة ومليارات الدولارات، ولا نعرف ماذا يحمل المستر بومبيو المدير الجديد لها من خدع وتوريطات جديدة.

عين أنقرة على ترامب

  تتشابك الخيوط مع كل يوم إضافي تقطعه معارك الباب في ريف حلب الشرقي. التداخلات الفائقة الحساسية مستمرة في التزايد سواء في ما يتعلق بخريطة السيطرة الميدانية الآخذة في الارتسام، أو على طاولات الساسة والأمنيين، أو وراء الكواليس.

أردوغان يعول كثيرا على سياسة إدارة دونالد ترامب في سوريا، الأمر الذي سمح لأنقرة بإعادة رفع سقف طموحاتها السورية العالية. الغزو التركي قاب قوسين من السيطرة على مدينة الباب، فيما تعمل دمشق على الرد في الميدان عبر إغلاق طريق الرقة أمام “درع الفرات”. في الشمال السوري، لا تبدو تفاهمات الأمس صالحة لكل يوم، والمتغيرات أضحت واقعا يبدل سياسات ومعادلات.جاء في تقرير نشر في العاصمة اللبنانية بيروت يوم 9 فبراير: تتحرك تركيا بسرعة إلى داخل مدينة الباب بعد توقف طويل تحت جملة من الظروف المستجدة. فمع وصول القوات السورية إلى أعتاب المدينة الجنوبية، وإطلاق “التحالف الدولي” مرحلة جديدة من معركة الرقة مع “قوات سوريا الديموقراطية”، تجد أنقرة أن الوقت قد حان لكسب ود الأمريكيين وضمان مكاسبها في الشمال السوري، عبر التأكيد أن تفاهمها مع موسكو وطهران، لن يباعد المسافة بينها وبين واشنطن.

بعد أشهر من وقوف قوات “درع الفرات” على أعتاب مدينة الباب، تخللها هجوم فاشل كلف القوات الغازية خسائر فادحة كانت الأكبر منذ إطلاق عملياتها في الشمال السوري، عادت إلى التقدم من المحور نفسه مستغلة حصار تنظيم “داعش” في المدينة والبلدات المعدودة الملاصقة لها وانشغاله ضدها في جبهة بزاعة وضد الجيش السوري في جنوب تادف. ودفعت أنقرة بقوات “درع الفرات” من المحور الغربي للمدينة، وتمكنت من السيطرة على المشفى الوطني ومنطقة الشيخ عقيل المحاذية تماما لأحياء المدينة، إلى جانب تقدمها في منطقة السكن الشبابي على مدخل الباب الجنوبي الغربي، قبل أن يتمكن التنظيم من صد الهجوم.

وأسفرت الاشتباكات عن مقتل جنديين تركيين وإصابة 15 آخرين بجروح، في حصيلة صدرت عن رئاسة أركان الجيش التركي. التحرك التركي إلى داخل الباب لم يكن مفاجئا في ضوء الظروف الميدانية المحيطة بالمدينة، التي أصبحت معزولة عن مناطق نفوذ “داعش” الممتدة نحو ريف الرقة، بعد تقدم الجيش السوري الأخير وقطع الطريق الممتدة شرقا من بلدة تادف. واستبق الهجوم بزيارة طويلة، على مدى يومين، لرئيس هيئة الأركان التركية خلوصي أكار، برفقة كبار قادة الجيش، إلى القوات التركية المرابطة على الحدود السورية وإلى غرفتي عمليات غازي عنتاب وكلس.

هل تنهار التفاهمات الروسية التركية؟ عين انقرة على ترامب لإحياء مخطط التوسع وإنشاء المناطق الآمنة في سوريا

تنافس أم تنسيق

 بدا لافتا ما نقلته وكالة “رويترز” عن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، عن تحرك قوات “درع الفرات” بشكل “يتم فيه تفادي وقوع اشتباكات مع القوات السورية”، إذ أوضح أنه “نتيجة للتنسيق بين قوات التحالف وسلاح الجو التركي وروسيا… يجري اتخاذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون وقوع أي حوادث غير مرغوبة أو اشتباكات”.

ولا يمكن قراءة تحركات أنقرة الميدانية بمعزل عن حراكها السياسي، إذ تنظر الأخيرة إلى وصول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كفرصة ذهبية لإعادة تسويق مشاريعها في الشمال السوري، مراهنة على أن ترامب سيعمل على “تغيير” نهج سلفه أوباما، وخاصة في مجال دعم الفصائل الكردية.

وضمن هذا الإطار، ترافق التحرك داخل الباب مع اتصال هاتفي، هو الأول، بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره الأمريكي، تركز الحديث خلاله، وفق ما أعلنت مصادر الرئاسة التركية، على قضايا المنطقة الآمنة واللاجئين ومكافحة الإرهاب.

القضايا الثلاث تشكل نقاط تقاطع مهمة بين أهداف أنقرة وما أعلن عنه ترامب مسبقا حول المناطق الآمنة، وعزمه على التركيز على مكافحة الإرهاب. وتتطلع تركيا إلى لعب دور مهم في عودة واشنطن إلى المشهد السوري، بنسختها الجديدة، وتحقيق مكاسب بالتوازي مع ذلك، لا سيما أنها تعول على التعاون مع حليفتها التقليدية في مسارات إضافية، بعيدا عن قيود التفاهم الثلاثي مع موسكو وطهران.

الاتصال بين الرئيسين تطرق إلى زيارة اجراها مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية مايك بومبيو إلى تركيا، لبحث عدد من القضايا المهمة، كذلك اتفق خلاله الرئيسان على “التحرك بشكل مشترك في الباب والرقة”، وفق ما نقلت وكالة “الأناضول” عن مصادر في الرئاسة. وهو ما أشار إليه المتحدث باسم الرئاسة التركية ابراهيم قالن، بالقول إن هناك “خطة ملموسة” لمعركة الرقة تجري مناقشتها مع واشنطن حاليا.

ويحرك الحديث عن هذا “التحرك المشترك” عددا من الأسئلة، حول طبيعته وإمكانية تنفيذه، خاصة أن مناطق سيطرة قوات “درع الفرات” بعيدة عن الرقة، ولا يمكنها التقدم من دون تنسيق مع الجانب السوري الذي تشير المعطيات إلى أنه لن يقبل بهذا الطرح.

وبالتوازي، أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في مؤتمر صحافي مع نظيره السعودي عادل الجبير، أن “الهدف التالي” لقوات بلاده والفصائل العاملة معها في سوريا هو “عملية الرقة”، مشيرا إلى ضرورة “إشراك قواتنا الخاصة كبلدان في المنطقة وفي التحالف”.

الإعلان الذي حمل طابعا ثنائيا، يذكر بعرض سعودي تركي سابق على الرئيس السابق باراك أوباما، باستعداد قوات البلدين البرية للعمل تحت راية “التحالف” ضد داعش. وهو عرض لم يجد طريقه إلى أجندة البيت الأبيض، التي حركت “قوات سوريا الديموقراطية” نحو الرقة.

المحاولات التركية لسحب مظلة الدعم من فوق الأكراد حضرت في اتصال ترامب أردوغان، إذ أشار الأخير إلى “أهمية مكافحة منظمة “بي ك ك” “حزب العمال الكردستاني”، ووقف دعم الولايات المتحدة لتنظيم “ي ب ك” “وحدات حماية الشعب الكردية”.

 مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين ذكرت أن مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية مايك بومبيو، تناول في محادثاته مع الأتراك بالإضافة إلى سوريا مواضيع أخرى، حيث طمأن حكومة أنقرة بأن الرئيس ترامب لن يضع تنظيم الإخوان الدولي على قائمة الإرهاب، وأن واشطن ستواصل العمل مع القاهرة في إتجاه ما يسمى المصالحة الوطنية مما سيسهل عودة التنظيم إلى لعب دور في الحياة السياسية، كما ذكر مايك بومبيو أن الإدارة الأمريكية ستعمل بالتنسيق مع أنقرة وأطراف إقليمية أخرى فيما يخص ملف الصراع في ليبيا. أما بخصوص المعارض التركي غولن فإن ردود واشنطن على المطالب التركية كانت نفسها التي قدمتها إدارة أوباما.

حرب غير صادقة

 على الجانب السوري، كانت قناة موسكو مع أنقرة هي الجانب “المسكن” الوحيد لأطماع تركيا. الرئيس بشار الأسد لم يفوت مقابلة صحافية إلا ليهاجم إردوغان وغزو قواته لبلاده. في مقابلته مع قناة “تي بي اس” اليابانية، رأى أنه “لا نستطيع أن نتوقع حربا صادقة ضد داعش من قبل تركيا أو الولايات المتحدة”، مضيفا إنه “بالنسبة إلى تركيا، إردوغان متعاطف داخليا وغريزيا ومرتبط وملتزم بـداعش والقاعدة، ولا يستطيع أن يبتعد عنهم”. الارتياب من المشروع التركي لم تطفئه “القناة” الروسية.

يروي مصدر دبلوماسي سوري أن لدى إردوغان مشروعا، “وهذا المشروع لم يمت، بل انكسر في أماكن عديدة، وهو قابل للترميم كلما سنحت الفرصة عبر التغيرات الدولية والألاعيب الميدانية”. لذلك، تعمل دمشق سريعا لقضم أكبر مساحة ممكنة على محور شرق مطار كويرس في ريف حلب الشرقي.

فالجيش السوري، حسب مصادر ميدانية، يريد الآن “تثبيت حدوده مع حدود تركيا، والتوسع شرقا وصولا إلى سد الفرات”. وفي هذا الإطار، سيطر يوم الأحد 12 فبراير على قريتَي المنصورة وخربة الجحاش، ليعمل على التمدد نحو مطار الجراح على الضفة الغربية لنهر الفرات، محاولا قطع طريق الرقة أمام “درع الفرات” لتكون منبج هي “الحل الوحيد” للغزو التركي، وهذا ما يعني مواجهة مع “الوحدات” الكردية أو انتظار تفاهم ثلاثي صعب مع واشنطن لإطلاق معركة الرقة.

إن لم يحدث تحول كبير، فإن تأكيد إردوغان بأن سيطرة قوات “درع الفرات” على مدينة الباب “باتت وشيكة” أصبح مسألة وقت. والقوات الغازية عبرت أيضا عن استحالة وصول الجيش السوري إلى تماس مباشر مع مدينة الباب، بإقفالها الطريق بين تادف حيث ترابط القوات السورية على تخومها والمدينة.

حاكم تركيا، قبل انطلاقه في زيارة للبحرين في جولة خليجية، أكد أيضا أن هدف عمليات قواته “تشكيل منطقة آمنة خالية من الإرهاب تبلغ مساحتها بين أربعة وخمسة آلاف كيلومترات مربعة، ما سيوقف تدفق النازحين”.

مشاريع إردوغان عادت بحلة جديدة، وقد يتمظهر ذلك بتأجيل أو فشل جديد في مؤتمر “جنيف” المرتقب. الميدان كما جرت العادة سيحكم أولا، ومفاعيله ستحكم التفاهمات السياسية من جديد.

خطة إسرائيلية لسوريا

 بينما تتقلب المواقف التركية وتبقى السياسات الأمريكية محل تساؤلات عديدة، يزداد الضغط من داخل الكيان الصهيوني من أجل تدخل أوسع في الصراع السوري بعد أن ضعف الأمل في إسقاط دمشق وحزب الله اللبناني.

كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية يوم الأحد 12 فبراير عن “خطة سياسية استراتيجية” عرضت على نتنياهو.

وقد عرض عضو المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية في تل أبيب، يؤاف غالنت، ما سماه “خطة سياسية استراتيجية”، لتحقيق المصالح الإسرائيلية في الساحة السورية، وانطلاقا منها، في مرحلة بلورة الحل السياسي المرتقب. الخطة، التي تأتي في سياق سلسلة نقاشات إسرائيلية استعدادا لزيارة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لواشنطن، تهدف إلى “منع إقامة محور شر، سوري، لبناني، إيراني”، وممر بري بين مكونات هذا المحور من العراق، وأيضا تأتي باعتراف سوريا، بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل.

صحيفة “يديعوت أحرونوت”، التي سربت مضمون وثيقة غالنت، أشارت إلى أنها تأتي في سياق النقاشات التي ترأسها نتنياهو في اليومين الماضيين، ومنها جلسة الوزاري المصغر، إضافة إلى جلسات جمعته بكبار المسؤولين في المؤسستين العسكرية والسياسية، التي “خلصت إلى أن موقف إسرائيل ومصلحتها، هي في الإعراب أمام ترامب عن معارضة أي وجود لحزب الله في سوريا، في أي تسوية مستقبلية”.

وثيقة غالنت، كما عرضت أمام الوزاري المصغر، تتعلق بشقين اثنين: الأول كاشف لكل المصالح الإسرائيلية الثابتة تجاه الساحة السورية، حتى في مرحلة ما بعد إخفاق الحلفاء في تحقيقها عسكريا، والثانية طموحة جدا، تتعلق بخطة تنفيذ، هي موضع شك من ناحية فعلية، وجاءت كأنها ترجمة سياسية لانتصار إسرائيلي وحلفائها ميدانيا، الأمر الذي لم يتحقق على أرض الواقع، ويذكر بمرحلة ما بعد الهزيمة الإسرائيلية عام 2006 في مواجهة حزب الله، حين اشترط وزير الأمن في حينه عمير بيرتس، تحقيق المصلحة الإسرائيلية بـمنع إيران من المشاركة في إعمار لبنان.

تهدف الخطة، كما ورد، إلى “صد التهديد الذي ينشأ على الحدود الشمالية لإسرائيل، على أن يشمل الحل السياسي المستقبلي، وكجزء لا يتجزأ منه، اعترافا بالسيادة الإسرائيلية على الجولان. وتشدد الخطة على أنها في تطبيقها، كما ترد، تصب في مصلحة الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا والعالم السني المعتدل، وكل هؤلاء يجب أن يكون جزءا من مكونات وأطراف تنفيذها.

وأشارت الصحيفة إلى أن لقاءات نتنياهو، تحضيرا للملفات الذي ستطرح على طاولة النقاش مع ترامب، شملت أيضا وزير الأمن افيغدور ليبرمان ورئيس الأركان العامة للجيش غادي ايزنكوت، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية هرتسي هليفي، ورئيس الموساد يوسي كوهين، ورئيس لجنة الطاقة الذرية زئيف شنير، واللقاء مع الأخير وغيره، يظهر حضور موضوع الانتشار النووي في منطقة الشرق الأوسط بقوة، على رأس مباحثات نتنياهو وترامب.

عمر نجيب

للتواصل مع الكاتب:

Omar_najib2003@yahoo.fr

هل تنهار التفاهمات الروسية التركية؟ عين انقرة على ترامب لإحياء مخطط التوسع وإنشاء المناطق الآمنة في سوريا

هل تنهار التفاهمات الروسية التركية؟ عين انقرة على ترامب لإحياء مخطط التوسع وإنشاء المناطق الآمنة في سوريا

شارك برأيك

إلغاء الرد