على أعتاب العلاج… المخدرات… حينما تعظم الآفة وتضعف وسائل التصدي

على أعتاب العلاج… المخدرات… حينما تعظم الآفة وتضعف وسائل التصدي

على أعتاب العلاج… المخدرات… حينما تعظم الآفة وتضعف وسائل التصدي

  • العلم: آية بلبشير وفاطمة الزهراء الرحئماني

تشير الساعة إلى العاشرة صباحا، الباب الرئيسي لمركز العلاج والوقاية والبحث في الإدمان بمستشفى الرازي بسلا مفتوح على مصراعيه، وذلك لاستقبال أناس وجدوا أنفسهم عالقين في شباك المخدرات. الأمر طبيعي، فالمركز هو الأول من نوعه وطنيا الذي تم إنشاؤه سنة 2000، والغاية منه أساسا هي مساعدة المرضى الذين يعانون من مشاكل جراء استعمال الكحول أو المخدرات الأخرى على الإقلاع وتثبيته، مع تجنب الانتكاس وتسهيل الاندماج في المجتمع. استقبلنا حارس الأمن الخاص بهذه المؤسسة، وبعد أن كشفنا له هويتنا، أكد لنا أنه من الممنوع بشكل قاطع التقاط صور أو الحديث مع المرضى دون رخصة بذلك ثم قام بمرافقتنا الى خدمة الاستقبال والتوجيه المنفصلة عن باقي مرافق المركز الذي يمتد على مساحة كبيرة تتخللها مساحات خضراء تبعث على الإنفراج والانشراح مما يساعد على طمأنة المرضى وإراحتهم نفسيا للمكان قبل العلاج.

  وعند وصولنا الى مصلحة الاستقبال طلبنا مقابلة رئيسة مصلحة المركز، لكننا فوجئنا برفضها محادثتنا وتأجيل اللقاء الى الأسبوع القادم، لكن مع اصرارنا على مقابلة أحد المسؤولين وافقت البروفيسورة ماريا صابر نائبة رئيسة المركز على الإجابة عن أسئلتنا. وأثناء انتظارنا لاحظنا توافد عدد كبير من المرضى، منهم من يأتي لمتابعة العلاج وآخرون يأتون لأول مرة والفرق بين الفئتين يبدو جليا، فأولئك الذين استفادوا من خدمات المركز تظهر على وجوههم علامات التفاؤل، وحديثهم يعكس رغبتهم الشديدة في استعادة حياتهم التي سلبتها منهم المخدرات، أما الوافدون الجدد فملامحهم منتكسة ومنطوية يمتزج بها شيء من الأمل في الإقلاع.

ولكي لا يمر وقت انتظارنا للمسؤولة عبثا، فقد اقتنصنا فترة استراحة عاملتي نظافة، تسنى لنا الحديث معهما حول الحياة اليومية بالمركز، حيث أكدتا لنا أن كلا من المرضى والموظفين من عمال النظافة الى الأطر الطبية يساهمون بشكل فعال في بلورة عملية العلاج.

وجاءت لحظة لقائنا مع البروفيسورة التي طال انتظارها، لتكشف لـ”العلم” أمورا شتى، منها أن القدرة الاستيعابية للمركز لا تتوافق مع عدد الحالات الوافدة، خاصة أن العدد في ارتفاع مستمر سنويا، فهو يستقطب المرضى من كافة جهات المغرب خاصة بعد أن وعى المرضى بكون الإدمان مرض جدي يتطلب العلاج وليس مجرد نزوة عابرة. كما ان الفئات التي تلج المركز تختلف من حيث الشريحة العمرية (شباب وشيوخ …). وتابعت بان الإدمان لم يعد من الطابوهات بسبب الدور الفعال الذي تقوم به وسائل الاعلام، وبذلك أصبح الناس أكثر وعيا وإقبالا على العلاج، فأصبحنا نشهد توافد عدد كبير من الأشخاص من ضمنهم فتيات الا أن نسبتهن تظل قليلة مقارنة مع الرجال. 

 وأضافت نفس المسؤولة، أن المركز يتكون من وحدتين أساسيتين: وحدة للرجال بالطابق السفلي بسعة 16 سريرا: 4 للإقلاع و12 لما بعد الإقلاع. ووحدة للنساء بالطابق الاول بسعة 6 أسرة: 2 للإقلاع و4 لما بعد الإقلاع، إضافة لمكتبة، قاعة للرياضة، قاعة للألعاب والموسيقى، أخرى للمحاضرات، الاجتماعات وقاعتين للاستراحة مجهزتين تنضاف اليها قاعة للعلاج النفسي والتربوي والعلاج الجماعي، قاعات للفحص، وخلية للعلاج الاستبدالي للمواد الافيونية (ميثادون)، وخلية للبحث وقاعة “محور المعرفة الرازي للحد من المخاطر”. 

على أعتاب العلاج... المخدرات... حينما تعظم الآفة وتضعف وسائل التصدي

عددهم 800 ألف وزيادة … 

هذا الإدمان، الذي يحيق بحسب التقرير السنوي للمرصد الوطني للمخدرات والإدمان بأزيد من 800 ألف شخص يتعاطى للمخدرات بالمغرب أي نسبة 5 في المائة من الساكنة الراشدة، العدد يفوق ما يتصور ونسبة الاستهلاك يمكن ان تصل الى 15 في المائة بظهور أنواع جديدة من المخدرات رخيصة الثمن وفي متناول تلاميذ المؤسسات التعليمية. في حين أن استعمال “الحشيش والكيف والفانيد والمعجون” في تزايد مضطرد دون ذكر الانواع الرخيصة القاتلة من “الدليون والسلسيون والكولا”.  فتبادلنا للحديث مع مجموعة من المدمنين جعلنا نستنبط أن عوامل كثيرة تدفع بالمغربي الى تعاطي المخدرات ويمكن تلخيصها في غياب الاستقرار النفسي مع اختلال الدور الاجتماعي مما يدفع الفرد الى اللجوء للمخدرات كهروب من الواقع في ظل الضعف وعدم التوافق والتكيف مع الحياة والمجتمع، إضافة إلى ضغوطات اجتماعية عديدة كالفقر والبطالة والجهل من جهة، والبذخ والترف واستهتار الشباب من جهة أخرى. كما ان لضعف الوازع الديني والتكوين القيمي أثرا فعالا في ميل الفرد الى ادمان المخدرات. 

وعلى الرغم من كون المخدرات محظورة في البلاد وتعاطيها علانية أو الاتجار بها يؤدي إلى عقوبات زجرية فإنه في العديد من المهرجانات التي تقام يتم تعاطيها مرأى الجميع دون تدخل السلطات وهذا ما تؤكده طالبة عشرينية حيث تذكر أنه في مهرجان “كناوة” بالصويرة يتم تعاطي المخدرات والاتجار بها علانية، فمثلا في مقهى يأتي نادل ويعرض عليك شراء مخدر دون حسيب ولا رقيب.

 وبالنسبة للمزودين، يرى مراقبون أن الجزائر تبذل جهدا جاهدا في تجنيد شبكات إجرامية على الحدود لإغراق المغرب بما يسمى بـ “القرقوبي” وهي أقراص طبية مخدرة يتم تهريبها عبر المدن الشرقية خاصة وجدة، بركان… باستعمال أساليب متعددة تتجلى في شراء الطريق، ويعمد أباطرة التهريب عند اقدامهم على عملية تهريب كبيرة الى الوشاية بأحد التجار الصغار ليتم القاء القبض عليه وتسمى هذه العملية في عرف مهربي القرقوبي بـ”تأدية الفريضة”. إضافة إلى وسائل أخرى لخداع الامن والجمارك كوضع كمية من الأقراص المهلوسة في قاع قنينة غاز من الحجم الصغير ويتم لحامها بطريقة لا يستطيع أحد اكتشافها كما هناك طريقة ثانية وهي وضع كمية من الأقراص المهلوسة تحت طفل صغير يكون محمولا على الظهر ويغطى بإيزار حتى لا تظهر الحبوب. ويعتبر القرقوبي النوع الأكثر انتشارا في الوسط الاجتماعي الفقير بالمغرب. 

على أعتاب العلاج... المخدرات... حينما تعظم الآفة وتضعف وسائل التصدي

على أعتاب العلاج… المخدرات… حينما تعظم الآفة وتضعف وسائل التصدي

تنضاف اليه أنواع أخرى أرخص ثمنا وأكثر ترويجا على رأسها الحشيش الذي يعتبر أحد أنواع المخدرات الأكثر انتشارا في العالم، حيث تشير الاحصائيات الى وجود أكثر من 129 دولة في العالم تقوم بزراعته وفي مقدمتهم المغرب. 

وتجدر الإشارة الى أن هناك مخدرات باهظة الثمن يطلق عليها “قرقوبي الأغنياء” تقوم المافيا الايطالية بنقل الأقراص المهلوسة المصنوعة من “الغبار المتسخ” إلى المغرب عبر اسبانيا ثم عبر مسار طنجة-فاس-الدار البيضاء، بعد ذلك يتم توزيعها على المناطق التي تضم شرائح اجتماعية ميسورة أو التي تشهد توافدا كبيرا للسياح الأجانب كمراكش والصويرة واكادير. وتتراوح أثمنتها بين 400 و600 درهم للحبة الواحدة. 

وتتخذ الدولة مجموعة من الإجراءات لمحاربة هذه الظاهرة، حيث اعتمدت المملكة منذ 2005 استراتيجية وطنية لمكافحة المخدرات تروم بالأساس تشديد الخناق على شبكات التهريب من خلال تعبئة جميع الفاعلين وتعزيز التعاون الدولي وتوظيف التكنولوجيا الحديثة على مستوى مراقبة النقط الحدودية. وتعد وكالة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعمالات واقاليم الشمال أحد الفاعلين الناشطين في مجال مكافحة المخدرات، إذ تنجز وتدعم عددا من البرامج الاقتصادية والاجتماعية بهاته الأقاليم. كما تشجع على اعتماد زراعات بديلة عصرية وذات قيمة مضافة عالية (زراعة الزيتون والنباتات العطرية والزراعات المغطاة). وقد عبرت الحكومة الحالية في برنامجها عن حرصها على تفعيل وتحقيق اهداف الاستراتيجية الوطنية ودعم قدرات المصالح الأمنية على محاربة شبكات التهريب الدولي للمخدرات، إلى جانب إطلاق حملات تحسيسية وطنية للتعريف بخطورة المخدرات في صفوف الشباب مع تعزيز التعاون الدولي في المجال الأمني. 

بعد أن سبرنا أغوار وخبايا هاته الآفة الخطيرة التي لا يمكننا إلا وصفها باللعنة الحائمة فوق المجتمع بأسره، والتي ينبغي محاربتها بكل الوسائل والطرق المتاحة. فالقضاء عليها مسؤولية المجتمع بأكمله من أفراد ومؤسسات وحكومة، لذلك يجب تكثيف الجهود للتصدي لهذا العدو. كما على كل فرد أن يحتكم إلى عقله ويتلافى كل المثيرات التي قد تفضي به إلى الإدمان وما ينتج عنه من ضياع وتيه في ربوع الممنوع.

فكيف يسمح الشخص لنفسه بتدمير مؤهلاته العقلية والجسدية من أجل غاية وهمية؟

على أعتاب العلاج... المخدرات... حينما تعظم الآفة وتضعف وسائل التصدي

على أعتاب العلاج… المخدرات… حينما تعظم الآفة وتضعف وسائل التصدي


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا