**عبد الله البقالي// يكتب: حديث اليوم**

**عبد الله البقالي// يكتب: حديث اليوم**

مهم أن نسجل أن بعض وسائل الإعلام المكتوب و المسموع في بلادنا تتعامل مع تشكيل الحكومة بمواقف سياسية صرفة. وتحول كثير منها إلى فاعلين سياسيين رئيسيين . ولم تقتصر على تصريف هذه المواقف من خلال التعليقات التي تبقى حرة ،بل مثير حقا أن يلاحظ الرأي العام أن هذه المواقف التي كان كثير منها معارضا بنفحة عدائية صرفت و مررت في الإخبار و نقل المعلومات. وأخال أن المشهد الإعلامي الوطني عرف هذه المرة تحولا بائنا في التعامل مع حدث سياسي هام . في السابق كان الطابع الغالب على علاقة كثير من الصحافيين مع الحدث يتمثل في السعي نحو تحقيق السبق الصحافي ،و الذي كان يتم دون أخلاقيات ، و لذلك لم يجد بعض الزملاء حرجا في العديد من المرات في اختلاق الوقائع والقصص و عرضها على الرأي العام على أساس أنها وقائع حقيقية حصلت في سياق واقع معين . و كان الهدف آنذاك يقتصر في جزء منه على تحقيق أعلى معدل في المبيعات والمتابعات وعلى نيل رضى مسؤولي وسائل الإعلام . و قد لا ننكر أن ما كان يحصل لم يكن نتيجة الصدفة، بل كان كثير من الفاعلين الإعلاميين و السياسيين يدركون أن  جهودا حثيثة كانت تبذل لتتفيه العمل الإعلامي ليتحقق تنفير الجمهور من الإعلام  بعدما تحقق المنسوب العالي من النفور من السياسة، ويفقد بذلك القدرة على التأثير في الأحداث والتطورات.

اليوم انتقلت كثير من وسائل الإعلام المكتوب والإلكتروني بالخصوص إلى وضعية الفاعلين السياسيين المباشرين يتغيون التأثير في الوقائع السياسية وتوجيه القرار السياسي العام وخلق رأي عام معلب. ولذلك لا غرابة أن تصادفك كل صباح وفي كل لحظة معالجات إعلامية مشحونة بمحتويات سياسية مباشرة وواضحة. والغريب أن تنصب أمامك هذه المعالجات بمحتويات حاقدة وساخطة من فاعل سياسي دون سواه أو من فريق سياسي دون غيره. أتفق شخصيا أن تواري دور الفاعل السياسي فسح المجال لبعض الإعلاميين ليحتلوا مواقع ليست لهم. وعلى هذا المستوى لم يكن خفيا أن فاعلين سياسيين معنيين فشلوا في رهان المنافسة السياسية الشريفة لذلك استعانوا بدعم من خارج الحقل السياسي بهدف  ترجيح حظوظهم في المنافسة و كانت – و لا تزال – بعض وسائل الإعلام في مقدمة وسائل الدعم التي تمت الإستعانة بها ، إضافة إلى الإدارة و الأملاك العامة . يحدث هذا في تجارب  عالمية متقدمة ، و كان هذا جليا مثلا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة حيث نصبت كثير من وسائل الإعلام الأمريكية و مراكز استطلاعات الرأي نفسها طرفا في تلك الانتخابات و جهرت علانية بعدائها لمرشحة معينة . لكن ذلك  يحدث هناك في إطار مؤسساتي واضح . أما هنا في بلادنا فإنه يحدث في إطار مزاجي مثير و غريب . و في سياق عبثية يستحيل أن تجد لها أي تفسير مقنع . هذا التحول في السلوك الإعلامي يؤشر على أن النفور من وسائل الإعلام المؤسساتية سيتواصل و يتكرس ، و سيواصل الجمهور هجرته نحو  الإعلام البديل ، هناك حيث يمكن التعبير بدون  قيود عن الرأي ، و لكن هناك أيضا حيث سواقي المعلومات و الأخبار تجري دون حدود و لا مصداقية و لا أخلاقيات . انتبهوا ، إننا نسير بأنفسنا نحو المجهول .


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا