ضربة في الرّأس لهشام العسري: خفة الثقل والغياب

ضربة في الرّأس لهشام العسري: خفة الثقل والغياب

ضربة في الرّأس لهشام العسري: خفة الثقل والغياب

 

التهامي بورخيص

  • العلم السينمائي: التهامي بورخيص

كأن قدرنا أن نٌحشر مثل ميت في عربة الإسعاف المعطوبة، فلا السلطة تمنحنا نفسا جديدا، ولا السائق أملا في المشي، ولا جوقة الموسيقى ترهف أحاسيسنا، فقط هناك المجهول نندفع نحوه في هول من كثر الفجيعة.

لاشيء سويا في أفلام العسري، ولا مكان فيها لاحتمال إنسانيتنا، فقط الفظاعة التي تجري في الشساعة الممتدة حد أعيننا، ما الذي يدفعنا للبحث في ذواتنا المترهلة، والتي راكمت من إخفاقاتنا ما لا يطاق، “ضربة في الرأس” واحد من الأجراس التي مازالت تطن في رؤوسنا من الماضي الذي ظننا أننا تركناه في مفترق الطرق، لكنه جرح لصيق بنا ولم يندمل بعد.

يعود بنا العسري في بداية الفيلم إلى أحداث 1981، في لمسة شفافة تكريما لشهداء الكوميرا، وإن كان عرج على حكاية رجل السلطة الذي تعرض لضربة بحجر في الرأس، مما جعل وجهه مشلولا ولا يستطيع التعبير عن ما بداخله من أحاسيس، الفرح والحزن والخوف والألم بنفس الملامح، وجه جامد كآلة تنفد الأوامر بحذافيرها. 

لتستمر الضربات مع الوقت، في حياة الشرطي وإن كانت على كرة التنس، تنهال الضربات و الصفعات الواحدة تلو الأخرى وكأن لا مهمة له سوى الضرب، ولا يفتر جهده ليرد الكرة بضربة أكثر عنفا، وحتى إن تجاوزته، فلن تتجاوز الحاجز الشوكي الذي خلفه، وغالبا ما يقوم شوكها بتنفيس الكرة من الضغط بداخلها (كرة التنس تشبه المواطن في اندفاعاته التي لا تنتهي في تلك المرحلة).

يرجعنا العسري بعد خمس سنوات من الحادثة إلى القصة الرئيسية، بعد رنين الهاتف الغامض في بيت الشرطي المصاب، يأمره مجهول أعلى سلطة منه، بتأمين مرور موكب رسمي من على  جسر يربط  بين الطريق السيّار في منطقة بضواحي المدينة، لماذا الجسر؟ نقطة العبور بين مرحلتين، ضفتين، مكانين وزمانين، وربما هو تساؤل ضمني، هل عبرنا فعلا الحدث السياسي  بعد خمس سنوات؟ ورغم تغطية الحدث السياسي بحدث رياضي بعد فوز المغرب على البرتغال، إلاأن  آثار الدمار للحدث  السياسي مازال جرحه عميقا، ولم تشفع مرهمات الزمن من شفائه، وما ملأ الجسر بالأشرطة والتي تقودنا مباشرة إلى الذاكرة التسجيلية وما كان ينقص سوى الضغط على زر البدء، لتنطلق الأحداث وتتناسل الحكايات الصغيرة والتي غالبا كانت نتيجة أحداث 81، ابتداء من رجل السلطة البسيط ( المقدم ) الذي لا ينفك من افتعال وقائع غريبة وسريالية لإتباث جدارته وتفانيه في مهامه المخزنية، إلى التعليم العجائبي (فتاة راشدة قادمة من المدرسة )، مرورا إلى التقاليد التي أخذت تنتفي (شيخ يجر حصانا وراءه)، وكلها بقيت عالقة على الجسر لا نرى مرورها أو عودتها، باستثناء السلطة المعاقة (إصابة المخزني في رجله) والطفل لاحقا، لنعبر إلى الضفة الأخرى ونغوص وسط المجتمع الذي نخره الخوف والضياع، ومستقبله متروك لقدريته (طفلة وحيدة تبكي بين المجاري بجانب بيوت الصفيح).

المخرج المغربي هشام العسري

المخرج المغربي هشام العسري

إن المجتمع الغرائبي الذي سلط عليه الضوء العسري، ليس من أجل إضفاء السخرية أو الكوميديا السوداء فقط، بل لأن الواقع أكثر سخرية ويتجاوز الحلم أحيانا، إننا أمام مرآة عاكسة لواقعنا المزري.

إن العودة لأحداث 18 وعدم الخوض في تفاصيلها الدقيقة سياسيا، فقط ليحشرنا عوض ذلك في المأساة الاجتماعية والفقر المدقع، والتهميش بمعنى الكلمة، وهي نفس المطالب التي ذهب ضحيتها العديد من الأبرياء لتحسين وضعيتهم الاقتصادية والاجتماعية على السواء.

يحضر الغياب في فيلم “ضربة في الرأس” بأشكال متعددة، نجد الغياب نتيجة الاعتقال (اعتقال زوج المرأة الأمازيغية)، والغياب الذهني بسبب الألم ( ألم عون السلطة)، وأخيرا الغياب حتى في الحضور (عودة إبن المرأة المسنة) التي تعاود سؤالها عن ابنها كأنه غير موجود ومازال مفقودا. إن الغياب عند العسري ليس مرتبطا بانتفاء الشخص في حد ذاته، بل لصيق بالوجود الفعلي وتأثيره في المجتمع.

من المشاهد التي بقيت عالقة في الذاكرة، قراءة الطفل الرسالة التي كان سيبعث بها إلى رئيس الموكب الرسمي، يرجو فيها إطلاق سراح أبيه. إن المخرج هنا، يطالب بإطلاق سراح الحقيقة من أجل التوازن أولا، وثانيا لخلق تصالح حقيقي. وما موت الشيخ على الجسر سوى موت ماضينا وتقاليدنا في الوضع القائم، وما بقاء الحصان وحيدا يسرح على الرصيف سوى تذكيرنا بمجد ما.

في المشهد الأخير، عندما تأتي عربة الاسعاف لحمل الشيخ الميت، تبقى جامدة لوقت طويل، تتسرب النتانة من فرط الحرارة، ورغم ذلك لا تتحرك، وعندما حمل الكل على عاتقه دفع العربة، سلطة ومجتمعا يكون الوقت قد مضي، و كأن قدرنا أن نحشر مثل ميت في عربة الإسعاف المعطوبة، فلا السلطة تمنحنا نفسا جديدا، ولا السائق أملا في المشي، ولا جوقة الموسيقى ترهف أحاسيسنا، فقط هناك  المجهول نندفع نحوه في هول من كثر الفجيعة.

ضربة في الرّأس لهشام العسري: خفة الثقل والغياب

ضربة في الرّأس لهشام العسري: خفة الثقل والغياب


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا