شكرا لعامل الأزبال!

رغم الشمس الساطعة على جل مناطق بلادنا هذه الأيام، تزداد موجة البرد حدة كلما انحبس المطر. وليس هذا استهلالا للشكوى التي نشتهر بها نحن المغاربة، الشكوى من ضعف البنيات التحتية غير المعَدة لحالات الطقس القصوى، ولا حالة الطرق، ولا الغش في البناء والتجهيز، ولا قلة ذات اليد و”كثرة” الحيلة أو الاحتيال على عوامل الطبيعة بطرق شتى.

حتى الشكوى من البنيات الفوقية، لم تعد تجدي نفعاً في بلد يعيش اليوم بيومه وتؤخذ فيه قرارات مصيرية وتتخذ فيه إجراءات غير شعبية سيكون لها انعكاسات على مدى عقود وعقود، في غياب حكومة كدنا ننساها بما أننا حتى بفطنتنا المتوارثة لم نفقه شيئا في بقائنا بلا حكومة منذ ما يقارب ثلاثة أشهر! ربما يجدر بنا الحديث عن التحتي أحسن، فالفوقي دائما يدخلنا في متاهات ومغارات تعيش فيها كائنات خرافية تقبع هناك منذ أيام “با حماد”!

هكذا، سأمر مباشرة إلى سبب نزول هذا المقال، وهو الشمس الساطعة التي جعلتني أخرج إلى الشرفة. وبالصدفة في الأسفل رأيت إحدى “البنيات التحتية” تقوم بواجبها في الخدمة العمومية التي ندفع مقابلها الضريبة تلو الضريبة. شاهدت شاحنة الأزبال وعمالها يشتغلون…

طبعاً، بحكم الذي حصل في الحسيمة، تذكرت “محسن فكري” ودعوت له ولنا بالرحمة وبأن ينال الجناة عقابهم المستحق. وكذلك، بحكم اشتغالي في مجال البيئة، تذكرت أيام حكومة “التناوب” وكيف كانت تبدو نفايات مغرب 2020. نفايات غير مختلطة (الطبية، الصناعية، المنزلية، كل لوحده، القابلة للتدوير معزولة عن غير القابلة لذلك…)؛ قطاع مدر للدخل على “موالين البلاد” دون تلك التبعية المسماة التدبير المفوض، مطارح مراقبة، إعادة تدوير النفايات والتخلص السليم من النفايات الخطيرة، استغلال غاز “الميثان” المنبعث في التدفئة أو الإنارة…

بدت لي تلك الرؤيا “الفردوسية” للنفايات والتي آمنا بها آنذاك، وقارنتها بما أراه اليوم من رؤية “كابوسية”. كدت أنطلق في تأمل حضاري، أو علمي أو استراتيجي عميق لما أشاهده… لكن حصل شيء غريب. وجد أحد عمال النظافة كرة في كومة النفايات، وصار يلعب بها ببراعة ويركلها بقدمه دون أن تطأ الأرض، مثل “مارادونا”. كدت أصفق له من الشرفة، لكن قد يفهمني خطأ ويعتقد بأني متذمرة من عدم تركيزه على عمله وقد ينتهي به الأمر مطرودا، لأن الشركات التي حصلت على صفقة النفايات ببلادنا أغلبها متعددة الجنسيات وليس لها قلب وإن كانت تريد لنا الربح “ها وجهي ها وجهكم”!

حتى إن كنت لا أعرف عامل النظافة ذلك، لكني أتوجه له ولأمثاله بجزيل الشكر ليس لأنه يجمع أزبالنا فقط، بل لأنه اختصر علي طريق تحليل ما يحدث عندنا. لو كنا في دولة غير دولة “باك صاحبي” و “انت قريتي معايا” لكان هذا العامل لاعب كرة قدم في المنتخب الوطني لأن مهاراته تؤهله لذلك (وأنا أعرف عما أتحدث لأن لعبت كرة القدم). إذا، لا داعي لتعميق التفكير والبحث مطولا، فمصيبتنا تكمن ببساطة في أن الأمور توكل إلى من ليس أهلاً لها، حتى في المسائل التي تتطلب جهدا بدنيا لن يكون فيها أب “الولد المدلل” هناك ليبذله بدلا عنه، وحتى في المسائل الخطيرة التي تتطلب كفاءة عالية سواء تقنية أو استراتيجية. الخلل واضح، والأمر من قبل ومن بعد له.

شارك برأيك

إلغاء الرد

إقرأ أيضا