شحنات تضامنية قوية في شهر رمضان بفرنسا.. وعدد المسلمين الجدد يزداد بالأضعاف

شحنات تضامنية قوية في شهر رمضان بفرنسا.. وعدد المسلمين الجدد يزداد بالأضعاف

أحمد الميداوي

 

  • بقلم // أحمد الميداوي

تمضي أيام وليالي رمضان في فرنسا بنكهتها وطعمها الخاصين لتحوّل نظرات الفرنسيين مع مرور السنين من تقزز واشمئزاز إلى فهم وتقبّل ثم إقبال يتجلى في المئات من معتنقي الإسلام في هذا الشهر المبارك.. وتمضي الجمعيات الإسلامية هي الأخرى في ممارسة دورها في إشاعة روح التكافل والتضامن حيث تشهد أيام رمضان شحنات تضامنية مع المحتاجين والفقراء من مختلف الأجناس والأديان، من خلال الخيام الضخمة التي تنصبها الجمعيات الإحسانية المغربية في بعض الساحات الباريسية لتقديم وتوزيع آلاف الوجبات الإفطارية يوميا على العائلات المعوزة وفئات المشردين الذين يتوافدون بكثافة على موائد الإفطار، ليس فقط هروبا من العزلة التي تؤرقهم طوال النهار، ولكن لعشقهم بشكل خاص وجبة الحريرة المغربية الساخنة التي يفضلونها على الشوربة التونسية والجزائرية.. 

وإذا كان رمضان هو شهر الهوية والإيمان بالنسبة للشباب المسلم، فهو أيضا الشهر الذي يجعل منه غير المسلمين المناسبة الأفضل للانضمام إلى الإسلام، حيث عدد المسلمين الجدد يزداد بالأضعاف بمجرد حلول شهر الصيام.. وتقدر أرقام وزارة الداخلية الفرنسية المعدل العام للمعتنقين للإسلام بفرنسا سنويا ب4.000 شخص، فيما يفيد استطلاع للرأي أجرته صحيفة “لوفيغارو”، بإن 80% من مسلمي فرنسا يؤدون فريضة الصيام، وهي نسبة مستقرة بالمقارنة مع السنوات العشر الأخيرة لكنها مرتفعة جدا قياسا مع سنة 1990 التي سجلت نسبة 32% ممن لا يؤدون الصيام.

وإلى جانب الخيام، تقدم معظم المقاهي والمطاعم المغربية وجبات إفطار مجانية للصائمين من المسلمين وأيضا للمحتاجين وللمشردين الذين تقطعت بهم السبل فلم يجدوا سندا اجتماعيا أو عائليا. وهذه الفئة هي الأكثر حرمانا من الرعاية والأكثر وهنا وتهميشا في المجتمع الفرنسي. فهي تعيش في الأنفاق وفي الزوايا الخلفية من المكان بلا وطن وبلا هوية بعد أن ضاعت منها بفعل الهجرة والتمييز العرقي وسياسات التهميش.

وقد انتقلت “العلم” بدعوة من الجمعية المغربية “الإفطار للجميع” إلى الخيمة الضخمة التي نصبتها الجمعية في ساحة “ستالينغراد” الواقعة بين الحيين الشعبيين “باربيص” و”بيلفيل” للوقوف على أجواء الإفطار وصنوف الوجبات المقدمة للصائمين المسلمين وللمشردين الذين يتوافدون بكثافة عليها..

ويقول واحد من هؤلاء ويدعى لوكسان (مشرّد، 38 سنة) :”لا يفرق أصحاب هذه الخيمة بين المسلمين وغيرهم، فالكل هنا سواسية على موائد الإفطار، ونفس الوجبة التي تقدم للصائم المسلم، تقدم أيضا لرفاقي على مائدة الإفطار. فالجوع لا عقيدة له”. ويضيف بكثير من الانتشاء وهو يشير إلى جموع المشردين الوافدين بكثرة على الخيمة :”رفاق الطريق والمشردون من أمثالي يغتنمون فرصة رمضان لتناول وجبة الحريرة الساخنة والفريدة بطعمها وتراكيبها الغنية، فضلا عما يصحب هذه الأكلة من تمور وتين مجفف وحلويات وفطائر مختلفة”.

 وبالنظر إلى تزايد أعداد الوافدين من المشردين والمحتاجين الفرنسيين على الجمعية، وفرت لها بلدية الدائرة الـ19 الباريسية هذه السنة فضاء فسيحا في شارع “لورك” غير بعيد عن مقر الجمعية الوطنية (البرلمان).
وفي الجهة المقابلة للمكان الذي يجلس فيه لوكسان محاطا بالمسلمين الصائمين، ينهض روجي (45 سنة) بشعره الأبيض المسترسل على كتفه، ليأخذ مكانه بين رفاقه المشردين في الصفوف الأمامية من الخيمة. ويقول لنا مبتسما: “أنا أعشق رمضان لأني من عشاق الحريرة المغربية، ولأنه يتيح لي تناولها يوميا طيلة الشهر، وهو أمر غير متاح في بقية أيام السنة حيث نضطر إلى متابعة القوافل التي تنظمها جمعية “الإفطار للجميع” في أحياء باريس بين الفينة والأخرى”. وتقوم الجمعية في بقية أيام السنة بجولات في الشوارع الفرنسية من حين لآخر لتوزيع بعض الوجبات ومنها الحريرة في مناطق مختلفة، وخاصة قرب محطات مترو الأنفاق في الدائرتين 18 و19 حيث يتجمع عادة المحتاجون والمشردون. 

ويقضي الحاج محفوظ، من مواليد تازة (63 سنة)، فترة تقاعده في أحد مراكز العمال المهاجرين. وهو من رواد الخيمة التي يلجأ إليها لتكسير حالات الإحباط والعزلة التي تزداد حدتها، كما يقول، في شهر رمضان. “كل أفراد الأسرة في المغرب، ولدي من الإمكانات المادية ما يمكّنني من تناول الإفطار في مطعم خارجي متواضع، غير أني أفضل الخيمة لأنها تتيح لي تجاذب الحديث مع  الجالسين على الموائد، وهذا أمر يخفف من عزلتي اليومية ويساعدني على اغتيال الغربة والتخفيف من حالات الإحساس القوي بالوحشة الغريزية للأهل”.
هكذا تحيى فئات واسعة من الصائمين المسلمين ومعهم عدد كبير من المشردين، أجواء التكافل الرمضاني الذي تحرص جمعية “الإفطار للجميع” وغيرها من الجمعيات الإحسانية الأخرى على توفيره من خلال آلاف الوجبات التي تقدمها إليهم كل يوم..

العلم: باريس أحمد الميداوي

الخيم الرمضانية البلاستيكية لاستقبال وفير المسلمين

الخيم الرمضانية البلاستيكية لاستقبال وفير المسلمين

شارك برأيك

إلغاء الرد