سياسة الأرقام المشئومة.. الأدمغة المغربية غير مرغوب فيها فوق التراب الفرنسي

سياسة الأرقام المشئومة.. الأدمغة المغربية غير مرغوب فيها فوق التراب الفرنسي

سياسة الأرقام المشئومة.. 

الأدمغة المغربية غير مرغوب فيها فوق التراب الفرنسي

العلم: باريس ـ أحمد الميداوي

أي مصير ينتظر الطالب المغربي أحمد، المتخرج قبل أربع أشهر من مدرسة المناجم، وهي واحدة من أعرق المدارس الفرنسية المشهود لخريجيها بقيمتهم المعرفية والتكوينية العالية..؟ وهل كتب عليه هذا المصير المشئوم أن يجد نفسه تحث ثقل سياسة رقمية متوحشة تُصنّف الآدميين وفق ألوان بشرتهم، فتضع سمرة اللون ضمن أبخس الفئات وأكثرها تهميشا وحرمانا من الحقوق والرعاية، قبل أن تصنفها في فئة صفر نجوم كما تُصنف الفنادق من صفر إلى خمس نجوم.؟ مشكلة أحمد أن مدة صلاحية بطاقة إقامته انتهت قبل أسبوعين، وقد استدعته الولاية لتخبره بهدوء جليدي أنه غير مرغوب فيه فوق التراب الفرنسي، وعليه الرحيل فورا حتى لا يطبق عليه قانون الترحيل القسري.. كان أحمد واثقا من أن حصوله على مرتبة متقدمة ضمن المتخرجين (الرتبة الثالثة من بين 58 متخرجا من مختلف القارات، فوج 2015 ـ 2016) سيفتح له باب التوظيف واسعا في الكثير من المؤسسات، وكان له ذلك بعد أن عرضت عليه إحدى الشركات الكبرى العمل بأجرة مغرية.. غير أن السلطات السياسية قررت أن تلفظ الطالب أحمد من التراب الفرنسي كما يلفظ البحر سمكة لتموت. والسبب، الدورية المشئومة التي أصدرها وزير الداخلية، برنار كازنوف، تحت ضغط ما أسماها ب”البطالة الفكرية”.. مضمون الدورية ينم عن عنصرية صارخة، فهو يُحرّم بعبارات تجريحية على الطلبة غير الأوربيين الحصول على بطاقة الشغل عند تخرجهم من الجامعات والمعاهد العليا.

التبرير الوحيد الذي يقدمه وزير الداخلية يرتبط بسياسة الأرقام المهينة : تقليص تأشيرات الشغل من 30 ألف إلى 20 ألف، وإعطاء الأفضلية للدبلومات الفرنسية والأوربية بما يعني تكريس التمييز العنصري بين الآدميين.. وإثبات أن هناك شريحة واسعة من الأفارقة والمغاربيين والآسيويين يعيشون في فرنسا بهوية منحطة ومصطنعة بعد أن ضاعت منهم هويتهم الحقيقية بفعل الهجرة والتمييز العرقي وانتكاسات التاريخ… منهم من هو مغربي الأصل والنشأة، ومنهم من ينحدر من أصول اغترابية آسيوية وإفريقية، لكنهم يشتركون في صلب تنوعهم، في افتقارهم لحاجة الإنسان الأساسية وهي الكرامة.. يتقاسمون جميعهم مأساة التهميش والإقصاء والظلم.

الأدمغة المغربية غير مرغوب فيها فوق التراب الفرنسي

حالة أحمد لا تختلف عن حالات الآلاف من المغاربة الذين سيطردون من فرنسا لأنهم يزاحمون الفرنسي والأوربي في الشغل وفي الحياة أيضا..حالات فاضحة لسياسة الأرقام المجحفة التي تتفاقم كالعادة مع اقتراب مواعيد الانتخابات. ففي سعي منها إلى إعادة تلميع صورة الحكومة التي خبا بريقها بشكل كبير في الآونة الأخيرة، اهتدت وزارة الداخلية إلى إطلاق حملة واسعة ليس فقط على الهجرة السرية المقرونة بالبطالة والفساد والانحراف، بل وأيضا في اتجاه الهجرة الاقتصادية والفكرية المبنية على انتقاء من هم قادرون على الإسهام في الإشعاع الفكري والاقتصادي لفرنسا.

وفي ندوة صحفية عقدها لشرح مذكرته، أعلن وزير الداخلية عن عزمه العودة بالهجرة المنظمة أو ما يصطلح عليها ب”الإقامة الدائمة” للكفاءات والأطر والمستثمرين، إلى النصف بعد أن تستثنى من هذه الإقامة الأطر المتوسطة وأيضا صغار المستثمرين.

ويتوخى السيد كازنوف إلغاء حوالي 10.000 تأشيرة إقامة دائمة سنة 2017 من أصل 30.000 تأشيرة، قبل أن يتصدى إلى الإقامة المرتبطة بالتجمع العائلي التي قد تتقلص من 15.000 حاليا إلى نحو 8.000 قادم في السنة القادمة، وهو مشروع ينم عن عنصرية حقيقية تتعارض مع ثقافة التنوع والتسامح، بل تتماهى في عمقها مع التيارات المتطرفة التي تنكر على الآخرين حق التجمع العائلي وحق الاختلاف.

وقد خلفت مذكرة وزير الداخلية استياء واسعا في أوساط الجمعيات الحقوقية والجالية العربية والإفريقية التي رأت فيها انتهاكا لحقوق الطلبة الوافدين على دولة موليير ومساسا خطيرا بمبادئ الجمهورية، بينما اعتبرتها الحكومة خطوة ضرورية في إطار مكافحة الإرهاب المستورد من الخارج. وفيما وصفت الرابطة الفرنسية لحقوق الإنسان هذت الإجراء الذي تجعل من الأرقام السند الجوهري لسياسة الهجرة، بأنها إهانة مجانية في حق من تعتبرهم الحكومة “بشرا دونيين”، رفض ممثلو “شبكة التربية بلا حدود” دعوة وجهها إليهم وزير الهجرة لمقابلتهم، مؤكدين أنه “لا نتيجة من لقاء تسعون من خلاله إلى تكريس سياسة الإقصاء المنافية لقيم الجمهورية”. وجاء في الرسالة أن شبكة التربية بلا حدود “لا ترى فائدة في وزارتكم وأن قبولنا الجلوس معكم في السنة الماضية كان من أجل إدانة سياستكم”.

الأدمغة المغربية غير مرغوب فيها فوق التراب الفرنسي


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا