سؤال يلح على الحكومة الجديدة / القديمة: من جعل الفساد المالي معضلة مغربية؟.

سؤال يلح على الحكومة الجديدة / القديمة: من جعل الفساد المالي معضلة مغربية؟.

محمد أديب السلاوي

  • بقلم // محمد أديب السلاوي

في العقود الأخيرة من تاريخ المغرب تعاظم الفساد المالي، بعدما أصبحت ثقافة احتكار السلطة ومصادرة الحريات واقعا على الأرض. ففي أفق السبعينات من القرن الماضي ظهرت بوادره الأولى من خلال انفجار بعض ملفاته في العديد من المؤسسات والوزارات والمقاولات، حيت تمت متابعة بعض الوزراء والشخصيات النافذة، ولكن قبل طي هذه الملفات اصطدم المغاربة ثانية (في أفق التسعينات) بمعطيات البنك الدولي حول كارثة الفساد المالي، ليتأكد الجميع أن سوسة هذا الفساد نخرت الإدارة والسلطة، وحولت العديد من المؤسسات العمومية إلى مرتع للنهب المتعدد الصفات في غفلة آليات المراقبة المتعددة.

هكذا تحركت سنة 1996 سلطة القضاء من جديد لتكشف للشعب المغربي أقنعة العديد من الأسماء البارزة، ولتنتقل معضلة الفساد المالي من الدائرة المظلمة إلى المشهد الإعلامي الوطني بالكثير من التفاصيل التي جعلت منها حدثا بارزا في السياسية، وكشفت بالأدلة أسباب الخلل الاجتماعي الذي عطل مقتضبات الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة.

فقد عرت محاكمات 1996 عن الأموال والعقارات والرشاوى والأراضي والامتيازات والقروض التي سيطر عليها المفسدون بأساليب الفساد المختلفة، وجعلت الرأي العام على بينة من القوة التدميرية التي دفعت بالمغرب إلى هوة الفقر العميقة والتي جعلت منه بلدا على حافة الانهيار.

وفي أفق الألفية الثالثة، انفجرت من جديد ملفات الفساد المالي في حضور حكومة التناوب الأولى (1997- 200)، بعدما دمرهذا الفساد العديد من المؤسسات العمومية وحولها إلى إمبراطوريات خاصة أو شبه خاصة، ظلت زمنا طويلا خارج المراقبة والمساءلة، إذ كشفت المحاكمات وتقارير لجان التقصي البرلمانية، أن الفساد المالي، صنع لنفسه طبقة جديدة من الأثرياء، وإن هذه الطبقة كونت لنفسها نفوذا إداريا وأرصدة كبيرة. وممتلكات واسعة، واستثمارات ضخمة، بالوساطة والرشاوى والسرقات ونفخ الفواتير و تدليس الصفقات و غيرها من “أفعال” الاغتناء اللامشروع، وهي طبقة نافدة من هياكل الإدارة والسلطة، أعادت إنتاج الفساد بكل أصنافه في القطاعات الحكومية و الخاصة.ساهمت بشكل واضح في الأزمات الاقتصادية/ الاجتماعية/ السياسية وفي وضع البلاد على حافة الفقر والفاقة، والمعاناة من أعراض السكتة القلبية.

فقبل وصول حكومة التناوب إلى السلطة، (سنة 1997) كانت هذه الطبقة قد احتلت مواقعها بمؤسسات المال والأعمال والخدمات، و حولت العديد منها إلى مؤسسات منهارة، غير قادرة على الاستمرار، بسبب ما أصابها من تسيب و فساد. وهو ما جعل حكومة التناوب وجها لوجه أمام الكارثة. حيث سلمت الأمر إلى الخبراء لتحديد حجمها وحجم خسائرها. فبادرت منذ البداية )سنة 1998( بوضع العديد من المؤسسات الوطنية الاجتماعية و الاقتصادية والمالية، أمام مكاتب الخبرة ( وطنية و دولية). للكشف عن الحقائق المتصلة بالتجاوزات والخروقات التي تعرضت لها هذه المؤسسات، و لتقويم حجم الفساد المالي الذي تسببت فيه هذه التجاوزات.

و تفيد الأرقام التي أعلنت عنها هيئة حماية المال العام، أن الخسائر الصافية للمؤسسات العمومية، الناتجة عن الفساد المالي، بلغت سنة 2000 ما يناهز 134,28 مليار درهم، وهو ما يساوي مجموع موارد ميزانية المغرب، أو ثماني مرات مدفوعات المديونية الخارجية، أو 14 مرة الاحتياطي المغربي من العملة الصعبة خلال تلك السنة. 

و حسب خبراء هذه الهيئة، أن المبلغ الذي اختلس في الفساد المالي بالمغرب، خلال العقود الثلاثة قبل الألفية الثالثة، كان في إمكانه بناء 40.000 مدرسة، أو الإسهام في خلق أربعة ملايين منصب شغل، لتفادي معضلة البطالة و الفقر.

في قراءة لباحثين مغاربة، أن الظروف التي هيأت لظهور “منظومة الفساد” و سيطرتها على المال العام “تتزامن مع اختيار دولة الاستقلال، بناء سلطة مركزية قوية، وهو ما قاد هذه السلطة إلى احتكار أهم الطاقات الموجودة في المجتمع. وإلى فرض نفسها على الآخرين، على حساب القانون والمعايير الأخلاقية. بل وعلى حساب المستلزمات الدينية و على حساب العلم والتكنولوجية، بذلك تكون هذه المنظومة / الطبقة، قد خربت منذ البداية، الأسس العامة للنظام السياسي / الاجتماعي للبلاد، وتحولت إلى بؤرة للفساد، تسعى إلى التقهقر و التخريب والتراجع.

ويرى العديد من الباحثين المغاربة، أن هذه الطبقة/ المنظومة، قد استفادت من دعم السلطة خلال عهد الاستقلال، حيث ركزت سطوتها، و تحكمها في الامتيازات و القروض و الأموال، مما جعلها تنغمس في متاهات التبذير و التسيير المشوب بالخلل، مما أذى بالمغرب، إلى دخول المغرب إلى الألفية الثالثة، و هو منهك، يعاني من آثار الفقر والبطالة والفساد وشطط السلطة، وهي نفسها الإشكالية التي وزعت المجتمع المغربي على طبقتين غير متوازيتين، الأولى تضم الشعب المغربي، واسعة شاسعة ومترامية الأطراف، يسحقها الفقر والمرض والتهميش، والثانية تضم طبقة من الأثرياء الجدد، محدودة العدد، تفصلها عن الشعب هوة عميقة، لا يمكن ردمها إلا بالحق و المواجهة و قيم دولة الحق و القانون.

وبالنسبة للمجتمع المدني المغربي، فإن مسؤولية الأحزاب والحكومات كبيرة و جسيمة في وجود مثل هذه الحالة الشاذة، فهي المسؤولة عن استدعاء “الإقطاعية” من رقادها لتملك المال والثروات والخيرات والامتيازات والسلطات، على حساب فقر وتهميش الشعب بكل تضاريسه الأخرى… وبالتالي، هي المسؤولة عن التردي الاجتماعي والفساد المالي الذي عم البلاد بشكل غير مسبوق….

شارك برأيك

إلغاء الرد