رمضان في صلب مكونات النسيج الاجتماعي الفرنسي

رمضان في صلب مكونات النسيج الاجتماعي الفرنسي

أحمد الميداوي

  • باريس ـ أحمد الميداوي

لا غرابة في أن تكون فرنسا دولة استثنائية في القارة الأوروبية تجاه الإسلام والمسلمين نظرا للإرث التاريخي الذي يجمعها بالدول العربية والأفريقية.. ولا غرابة أيضا في أن يكون الفرنسيون على وعي عميق بالجرعة الإيمانية القوية التي يستمدها المسلمون من شهر رمضان، فتجدهم يقدمون التهنئة بحلول هذا الشهر لجيرانهم وأصدقائهم المسلمين في العمل، ولا يتخلفون أحيانا عن مشاركتهم موائد الإفطار في البيوت والمساجد.. ويحمل رمضان في كل سنة إلى فرنسا عادات وتقاليد نشأ عليها المسلمون، وأخذت مع تعاقب السني تحتل حيزا هاما في مكونات النسيج الاجتماعي والاقتصادي الفرنسي. ومع أنها تفرز أحيانا نزاعات ذات تداعيات عنصرية يغذيها اختلاف أنماط العيش من ملبس ومأكل وسلوك، فإن المجتمع الفرنسي أخذ يتقبل واقع التعددية الاجتماعية والثقافية.. وهو اليوم يتعايش مع موضوع الصيام وطعام الإفطار في شهر رمضان بتفهم وتقبّل، وليس باشمئزاز أو تقزز كما كان الحال قبل بضعة عقود، بل ترى بعض الفرنسيين يبدون تحمسا ورغبة كبيرين في صوم رمضان، إما لإثبات قدرتهم هم الآخرون على الامتناع عن الأكل طيلة اليوم، أو لأنه يمثل بالنسبة إليهم فرصة ذهبية للنحافة، أو فقط لأسباب تضامنية مع أصدقائهم أو أزواجهم.

ويتجلى تحمس الفرنسيين في صيام رمضان فيما تؤكده استطلاعات الرأي من أن عدد الشبان الصائمين بين الفرنسيين يتزايد بشكل كبير. فبالرغم من نشأتهم وترعرعهم في أجواء مسيحية، يصر بعض الفرنسيين على صيام بضعة أيام شهر رمضان أو الشهر بأكمله، إما لإثبات قدرتهم هم الآخرون على الامتناع عن تناول الطعام طيلة اليوم، أو لأنه يمثل بالنسبة إليهم، فرصة ذهبية للنحافة، أو فقط لأسباب تضامنية مع أصدقائهم أو أزواجهم.

وينتصب الرواج التجاري الذي يشهده شهر الصيام بفرنسا كواحد من العوامل الأساسية التي أدت إلى هذا التحول في السلوك والعقلية والتعامل، علما أن تجارة رمضان تذر على أصحابها أرباحا بمليارات اليوروات وهي تنمو بنسب عالية سنويا. ولأنها تعلم جيدا أن رمضان هو شهر التبذير بامتياز، تلجأ المحلات التجارية الكبرى وأسواق السوبر ماركت، في تنافس حاد لكسب جيوب المستهلكين المسلمين الذين يشكلون أكبر جالية في فرنسا (حوالي ستة ملايين مسلم) إلى توفير، وبأثمنة في قمة التنافسية، عشرات الأنواع من المواد الغذائية، من منتوجات الحليب إلى اللحوم والدواجن الحلال، فيما يوحي شهر الصيام لسلسلة مطاعم الوجبات السريعة الامريكية /ماكدونالد/ بتقديم وجبات مسائية خاصة تحت لافتات باللغتين العربية والفرنسية تقول للزبناء “وجبات حلال”.

ولأول مرة في التاريخ الإعلاني الفرنسي، تبث كبريات القنوات الفرنسية وفي مقدمتها القناة الأولى شبه الرسمية، وصلات إشهارية وترويجية لبعض المنتجات الغذائية المصنعة على الطريقة الإسلامية. وقد انطلقت هذه الوصلات في الأسبوع الثاني من شهر شعبان تلفزيوني بسيط أثار استياء الأوساط اليمينية المتطرفة، ويظهر فيه زوجان مغربيان في مركز تسوق (سوبر ماركت) وهما سعيدان بشراء صنفين من المعجنات الإيطالية يتم تسخينها في فرن “الميكرو أوند” قبل الأكل. ولكون الإعلان الإشهاري يصر على أن الوجبتين الجاهزتين من الأطعمة الحلال، مما يعني احترام ضوابط الشريعة الإسلامية في هذا المجال، فقد علقت صحيفة “ليبراسيون” عليه بالقول إنه يشكل “ثورة صغيرة”، على اعتبار أنه يستهدف جالية إسلامية ملتزمة في بلد علماني كفرنسا يولي أهمية كبيرة لفصل الدين عن الدولة.

ويمكننا من خلال قراءة سريعة لأسباب ودوافع هذه الوصلات الإشهارية وغيرها من الإعلانات المماثلة على مواقع الأنترنت، أن نستنتج وبدون أدنى تردد، أن المسلمين قد وصلوا أخيرا إلى فرنسا كقوة اقتصادية، وهو ما تؤكده وكالة “سوليس” للإعلان المتخصصة في ما يسمى بـ”التسويق العرقي”، حينما قدرت مبيعات سوق الأطعمة الحلال في فرنسا عام 2015 بما يزيد عن ستة مليارات، أي بزيادة نسبتها 12 في المائة مقارنة مع سنة 2014.

واليوم بإمكان مرتادي الأسواق المغاربية  وسلاسل “السوبر ماركت” إيجاد ما يشتهونه من مواد غذائية خاصة بالجالية الإسلامية وفي مقدمتها اللحوم الحلال والمشروباة المسماة ب “شمبانيا حلال” التي حصلت شركاتها المنتجة إما من المركز الفرنسي للديانة الإسلامية أو من “المعهد الإسلامي الأوروبي للحوم والمنتجات الغذائية الزراعية”، على شهادة تؤكد أنها حلال.

وتشهد المشروبات الغازية الإسلامية مثل “مكة كولا”، و”عرب كولا”، و”زمزم كولا” وغيرها، إقبالا متزايدا من جانب المسلمين منذ الأيام الأولى من شهر شعبان. وسبب الإقبال كما تشرحه بعض الجمعيات والمنظمات الإسلامية، يعود من جهة إلى الرغبة الحثيثة للزبائن المسلمين في مقاطعة البضائع الأمريكية، وخاصة “كوكاكولا” أمام ما يشاهدونه يوميا من قتل وتنكيل بالشعبين العراقي والفلسطيني، ومن جهة أخرى إلى ما تضفيه هذه المشروبات على إفطار الصائم من صبغة تعبدية في شهر رمضان، خاصة حينما يعلم هؤلاء أن 20% من عائدات بعضها، مثل مشروب “مكة كولا”، تذهب إلى الأسر الفلسطينية المنكوبة.
وذهبت صحيفة “لاكروا” الموالية للكنيسة، إلى أن “الغاية الربحية وحدها تقف من وراء مثل هذه المشاريع التي تستهدف جالية عربية عريضة شديدة المتابعة والتعاطف مع ما يجري للفلسطينيين”، وزعمت أن “ما تقوم به الشركات المنتجة للمشروبات الحلال، هو استثمار موجة التعاطف الكبيرة التي يلقاها الفلسطينيون من مسلمي فرنسا بشكل عام”. أما الشركات المعنية، فلم تخف من جهتها، غايتها الربحية “المشروعة في كل الأعراف والأديان”، وموازنة هذه الغايات مع أهداف نضالية بتنسيق مع الجمعيات المساندة للقضية الفلسطينية.

شارك برأيك

إلغاء الرد