الزين اللِّي ما فيكْش!

« يا سادة يا كرام اسمعوا وعوا والحاضر منكم يعلم الغائب، فقد حلت البشرى على مملكتنا السعيدة وأصدر العلامة في فن الكلام السوقي والتسويق الفج قاموسا يعلمكم ما لا تعلمون وما لا تجرؤون على التلفظ به في مجامعكم من درر الدارجة المغربية المختزنة في أحشاء الشارع ومعانيها التي غابت عن مناطق عديدة، لأن هذه الأخيرة تنتمي إلى المغرب غير النافع وفق تقسيم الاستعمار وأذنابه من أمثال العلامة صاحب القاموس المعلوم…فسارعوا للاستفادة من قاموس « أجي يا امي نوريلك دار اخوالي » واحرسوا على تعليمه لأولادكم حتى تعم الفائدة وينتشر كلام « الزين اللِّي ما فيكْش » بين جميع الأجيال وجميع الطبقات الاجتماعية! »…

فضلت استهلال هذا العمود بنداء « البراح » لأن المقام يتطلب ذلك، فالسيد نور الدين عيوش كما نعرفه « براح » محترف، بل يستحق عن جدارة منصب « أمين البراحة » في هذه البلاد، سواء عبر اجتهاداته في مجال « الدعاية » التي لا تميز بين التواصل المؤسساتي العمومي والترويج لمساحيق « التصبين »، بما أن القضية فيها دائماً السحق والصابون الذي يُزَلِّق ولا يغسل أدران الفساد، أو من خلال خرجاته الإعلامية الانتخابية التي تستبلد المنتخِبين والمنتخَبين في نفس الآن، أو مناظراته المتلفزة التي يكثِر فيها من « التبراح » والتطاول على علماء حقيقيين يخصصون جل وقتهم للتنقيب في الكتب والبحث والتقصي وليس للقفز على الحواجز والانتقال من استراحة شاي إلى أخرى ومن ندوة « زوج دريال » إلى أخرى (أكيد أن هذا التعبير الدارج يوجد في القاموس المذكور).

العيب ليس في الدراجة المغربية، فأنا أفضل التحدث بها نقية لا تشوبها شائبة من كلمات فرنسية أو إسبانية (حسب مناطق المغرب) وأعشقها، خصوصا قصائد الزجل والأمثال الشعبية التي تبز بحكمتها أمثال العربية الفصحى. لكن العيب فينا لأننا نقبل على أنفسنا تشويه دارجتنا كل يوم في اللوحات الإشهارية ووسائل الإعلام التي يمتلك فيها « العلامة » عيوش و »تريكته » حصة لا يستهان بها، كما لا نحتج حين يصير الانحراف اللغوي هو القاعدة سواء بتهجين الدارجة بلغة البغاء أو العربية الفصحى بالدارجة أو الفرنسية أو أي لغة أخرى. أما الأمازيغية فمسألة ذات شجون وتتعرض بدورها لهجوم منسق ممن يدَّعون خدمتها.

لا نملك سوى أن نقول « الحمد لله » الذي لا يحمد على مكروه سواه، ونستهجن اغتيال اللغات واللهجات باسم مسايرة العصر، وإفساد الذوق العام بدعوى الانفتاح والحرية. فالانفتاح لمصلحة البلد يقتضي الانفتاح على لغة العلم ومعرفة الإنتاج (التي هي الآن الإنجليزية دون تحيز) وعلى لغات حضارات أخرى (الفرنسية، الإسبانية، الصينية….). أما الحرية فلن تكون سوى بصون مقومات الوحدة مع حماية وتشجيع التعدد والتنوع اللغوي واللسني والحق في الاختلاف، وليس في فرض لغة الشارع على الجميع من طرف لا نعرف ممن ومن أين يستمد تسلطه علينا، ونستغرب كيف يكون مثله عضوا في المجلس الأعلى للتربية والتعليم والبلاد ليس عاقرا ولم تتوقف يوما عن إنجاب أبناء بررة يحملون همها ويحسون بالانتماء إليها ويؤرقهم التفكير في مصيرها ومصير أجيالها اللاحقة، ويموتون في عشقها. وعلمهم أسمى من أن يخدم مصلحة غير مصلحة وطننا.

أخيرا، أعتذر لقراء هذا العمود على إثارة هذا الموضوع والحديث عن ذلك الشخص، لأن رد الفعل الحصيف في مثل هذه الحالة هو التجاهل، والتجاهل ثم التجاهل! لأن « حرايفية » الدعاية يحولون أي حديث، حتى إن كان نقدا لاذعا، إلى رصيدهم.

Leave a Comment

Cancel reply