حسم معركة شرق حلب في ميزان الحرب الدولية على أرض الشام

نهاية مشروع.. أم الإنتقال إلى بدائل

عمليا إنتهت معركة شرق حلب بقبول جل المجموعات المسلحة التي كانت تسيطر على هذا الجزء من المدينة الأكثر سكانا بعد دمشق في سوريا منذ سنة 2012، على الرحيل بعد هزيمتها إلى منطقة إدلب أو الأراضي التركية، والسماح للسكان المدنيين الموجودين في منطقة سيطرتها والمقدر عددهم في بداية شهر ديسمبر ما بين 185 الفا و 230 الفا، بالإنتقال إلى مكان آخر قد يكون غرب حلب الذي تتحكم فيه قوات الجيش العربي السوري والذي يضم زهاء مليون ونصف مدني سوري أو البقاء في بيوتهم حتى يتم إعادة إعمار المدينة.

يوم السبت 17 ديسمبر 2016 وبعد نجاح ما بين 70 و 90 ألف مدني في اللجوء من شرق حلب إلى غربها خلال المعارك التي استعرت سابقا، ذكرت الأمم المتحدة إن نحو 30 ألف شخص لا يزالون في الجيب المزدحم الخاضع للمسلحين في حلب وبعضهم سينقل إلى محافظة إدلب الخاضع معظمها لسيطرة جماعات توصف في الغرب بإسلامية متشددة، بينما سيتجه الباقون إلى قطاعات تابعة للحكومة في حلب.

تطبيق إتفاق إجلاء المسلحين الذين ينتمون إلى عشرات التنظيمات الموصوفة بالجهادية في شرق حلب، والتي يقدر عددها بحوالي 160 فصيلا في كل أنحاء الأراضي السورية، والذي تم التوصل إلية في نهاية النصف الأول من شهر ديسمبر 2016 واجه بعض العقبات، والواقع أن الفوضى المحيطة بعمليات الإجلاء من شرق حلب تعكس مدى تعقيد الحرب شبه الدولية التي تشمل عدة جماعات وقوى أجنبية متدخلة لصالح الأطراف المتصارعة.

الأهمية الاستراتيجية لاتفاق التسوية في حلب سوف تنعكس سلبا أو إيجابا على مسار تطبيقه على الأرض وعلى كل مستقبل الصراع في بلاد الشام وربما أبعد من ذلك. وقد يشكل عدم الانسجام المطلق بين أطياف المجموعات المسلحة، إلى جانب إنجاز الاتفاق بين الطرفين الحكومي وفصائل المسلحين برعاية تركية روسية، مع تهميش دور واشنطن وحلفائها، أحد أهم الأسباب التي تهدد استقراره.

هل هي بداية النهاية؟

بعد تمكن الجيش العربي السوري بمساندة القوات الجوية الروسية وكتائب حزب الله اللبناني من فرض سيطرته على شرق حلب ومناطق أخرى على طول الساحة ورغم نجاح تنظيم داعش في العودة إلى إحتلال مدينة تدمر الأثرية، لم تعد الفصائل المسلحة المعادية لدمشق تسيطر حسب وكالة فرانس برس سوى على 15 في المئة من الأراضي السورية، وأصبحت مناطق الرقة وإدلب والباب آخر المناطق ذات الأهمية النسبية التي لا تزال خارج سيطرة القوات النظامية السورية.

هل هي بداية النهاية؟

هل هي بداية النهاية؟

البعض قدر أن هزيمة الجماعات المسلحة في شرق حلب مؤشر بنهاية الحرب، بينما يرى آخرون العكس.

يسجل الملاحظون أن غالبية وسائل الإعلام في الغرب وربما بسبب الشعور بالإحباط حاولت نفي أهمية إنتصار الجيش السوري في شرق حلب.

صحيفة صاندي تلغراف البريطانية نشرت يوم 17 ديسمبر مقالا تحليليا للكاتب كون كوغلين قال فيه  إن النصر الذي حققته القوات السورية الحكومية في حلب لا يتوقع أن ينهي النزاع في البلاد، لأن فصائل المعارضة المسلحة تعهدت بمواصلة القتال.

وأشار إلى أن الفصائل المسلحة في هجومها عام 2012 لم تتمكن من السيطرة على كامل حلب، التي بقيت مقسمة بين قوات النظام المدعومة من روسيا وحزب الله غربا والمعارضة المدعومة من دول غربية وعربية شرقا.

وذكر الكاتب إن التدخل الروسي في النزاع عام 2015 هو الذي رجح الكفة ميدانيا لصالح القوات الموالية للنظام السوري في حلب، وتكون بذلك أحكمت سيطرتها على كبريات المدن في البلاد.

لكن الكاتب يستبعد أن تنهي معركة حلب النزاع في سوريا، لأن الكثير من فصائل المعارضة المسلحة تعهدت بمواصلة القتال، حتى إن اضطرت إلى الانسحاب من المدينة، ويتوقع أن تنتهج هذه الفصائل حرب العصابات.

صحيفة “ذي أوبزيرفر” البريطانية علقت بدورها يوم الأحد 18 ديسمبر وقالت“على العكس من مزاعم دمشق لم تنته الحرب ولكنها دخلت على الأرجح في مرحلة جديدة خطيرة للغاية”. وأضافت الصحيفة أن “بؤرة التوتر المحتملة القادمة هي محافظة إدلب، حيث ينظم مقاتلون من حلب أنفسهم مجددا.

صحيفة اسرائيل اليوم نشرت الأحد مقالا للصحفي ايال زيسر قال فيه:  « توجد لدى الأسد كل الأسباب كي يكون راضيا عن نجاحه في البقاء على مدى ست سنوات من الحرب الدموية في بلاده. انتصاره في حلب يمنحه دفعة معنوية ويحرم المتمردين من الأمل في الإنتصار في الحرب. بدون أمل وبدون مساعدة حقيقية من الخارج، فإن فرصة معسكر المتمردين في تغيير الوضع في ميدان المعركة، آخذة في الزوال.  رغم أن التمرد لا زال بعيدا عن نهايته.

حجم تورط

الأيام الأخيرة من معركة شرق حلب كشفت عن جزء من حجم تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول الأخرى في الحرب التي أشعلت عل أرض الشام منذ مارس 2011 في نطاق برنامج ومشروع المحافظين الجدد الأمريكيين للشرق الأوسط الكبير، والقاضي بإعادة رسم حدود دول المنطقة وإقامة ما بين 54 و 56 دولة جديدة على أسس عرقية ودينية وطائفية مما يضمن الأمن للكيان الصهيوني وتحكم الغرب في ثروات المنطقة، كما يؤهل لبناء الجزء الجنوبي الغربي من طوق الحصار الذي تعمل واشنطن على بنائه حول فيدرالية روسيا.

مخلفات الدمار

مخلفات الدمار

خلال الأسبوع الثاني من شهر ديسمبر 2016 أفادت مصادر رصد ألمانية وروسية، الأولى تعتمد على معلومات الكتيبة العسكرية الألمانية المرابطة في قاعدة انجرليك بتركيا والثانية على القوات الروسية في قاعدة حميميم الجوية الواقعة جنوب شرق مدينة اللاذقية، أفادت أن إسرائيل أجلت خلال النصف الأول من شهر ديسمبر 2016 من حلب الشرقية قبل سقوطها 14 مستشارا تابعين لقواتها منهم عدد من كتيبة “غادسر”  كانوا يعملون كمستشارين ومساعدين خاصة لجبهة النصرة، الأمريكيون سبقوا إسرائيل بعدة أيام في سحب 18 فرد من قوات العمليات الخاصة التي تعمل في شمال سوريا والذين كانوا يعملون كمستشارين للجماعات المسلحة في شرق حلب، وقد أجلي جنود وضباط الطرفين ليلا إلى قواعد في العراق وتركيا، مصادر في تركيا أفادت أن بعض المستشارين العسكريين الأمريكيين الذين لم يتمكنوا من الفرار غادروا مع مئات من مسلحى النصرة تحت إشراف سوري روسي.

نداءات للجيش الإسرائيلي

يذكر أنه قبل أيام من حسم الجيش السوري معركة شرق حلب لصالحه، وجهت الفصائل المسلحة نداءات علنية للكيان الصهيوني ليتدخل ضد الجيش السوري بشكل مباشر.

يوم 8 ديسمبر 2016 جاء في تقرير للصحفي زهير أندراوس نشر في مدينة الناصرة بفلسطين المحتلة: في الوقت الذي تلتزم فيه إسرائيل الصمت المطبق حول الهجوم العسكري فجر يوم الأربعاء 7 ديسمبر بصواريخ أرض أرض بالقرب من مطار المزة العسكري، المتاخم للعاصمة دمشق، انبرى أحد المعارضين السوريين للنظام الحاكم من على وسيلة إعلامية إسرائيلية لـ”يعلن” أن سلاح الجو الإسرائيلي هو الذي قام بتنفيذ الغارة ويطالب بأن تقوم الدولة العبرية بتنفيذ غارات أخرى ضد قواعد عسكرية للدولة السورية.

وفي مقابلةٍ خاصة مع قناة « I24NEWS » الإسرائيلية، والتي تبث باللغة العربية، لأنّها موجهة للوطن العربي، وجه الحقوقي والسياسي السوري المعارض، الشيخ خالد خلف، شكره إلى إسرائيل، في سابقة قالت القناة إنها الأولى من نوعها. وفي معرض رده على سؤال التلفزيون الإسرائيلي، قال الشيخ الخلف إن المعارضة السورية تشكر إسرائيل بفم ملآن على هذا الفعل الإنساني الرائع الذي يسجل بسجلها، مؤكداً في الوقت عينه على أنه أنه في حال تكرار هذه الهجمات، فإن المعارضة ستنتصر، على حد تعبيره.

وأضاف الشيخ الخلف ردا على سؤال، إن المعارضة لم تفقد الدعم من قبل الأشقاء سواء في تركيا أو غيرها، وإنما هناك سياسات إقليمية دولية ستنفذ الآن على أرض سوريا، بحسب ما قال.

يذكر أنه قبل عدة أيام من تصريح خالد خلف، ظهر للعلن فصل جديد من مسلسل تعاون وتنسيق عدد من مسؤولي “الجيش السوريّ الحر” مع إسرائيل، وذلك عبر رسالةٍ وجهها المسؤول السابق في إدارة الإعلام المركزي لما يطلق عليها القيادة المشتركة للجيش السوريّ الحر وقوى الحراك الثوري، ومنسق “جبهة الإنقاذ الوطني”، فهد المصري. وكان لافتًا للغاية أن الرسالة وجهت إلى الشعب الإسرائيلي وإلى حكومة بنيامين نتنياهو، على حد سواء.

الرسالة، التي تناولها التلفزيون الإسرائيلي الناطق بالعربية « I24NEWS » في نشرته المركزية، دعت دول العالم، وبشكل خاص إسرائيل، إلى التعاون والمساعدة على إسقاط النظام السوري.

وفي حديث خاص لمحرر الشؤون الشرق أوسطية يوسي نيشر في الإذاعة الإسرائيلية أضاف فهد المصري إن « حزب الله على وشك الانتهاء حاليا من بناء نفق جديد في سهل الزبداني يصل بين سوريا ولبنان لنقل الأسلحة »، متسائلا هل ستقف إسرائيل تتفرج على هذا المشهد؟ »، مؤكدا أن سوريا الجديدة في مرحلة ما بعد الرئيس بشار الأسد، لن تكون دولة معادية لإسرائيل ».

وكان وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان قد اعترف أن إسرائيل مسؤولة عن الهجمات في سوريا، مشيرا إلى أن هدف الهجمات هو منع الأسلحة المتطورة، المعدات العسكرية، وأسلحة الدمار الشامل من الوصول لحزب الله.

وخلال حديثه مع سفراء من الاتحاد الأوروبي، كما أفادت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، لم يحدد ليبرمان أي حادث بعينه، ولم يفصل ماهية أسلحة الدمار الشامل التي يسعى حزب الله للحصول عليها.

إعلان الحداد

يوم 19 ديسمبر جاء في تقرير نشر في العاصمة اللبنانية بيروت:

« أخرجت استعادة مدينة حلب الأوساط الإسرائيلية عن طورها. فتجاوزت الجهات الرسمية والإعلامية مرحلة الكناية والمجاز في التعبير عن رهانها على صمود الجماعات المسلحة والإرهابية. ولم يكن ينقص للتعبير عن الحداد في تل أبيب، سوى وسم شاشات التلفزة والمواقع الإلكترونية والصحف، بالسواد.

ترددت أصداء استعادة مدينة حلب، على يد الجيش السوري وحلفائه، في تل أبيب، بما يتجاوز، أو يشبه، الأصداء التي شهدتها عدد من العواصم الإقليمية والدولية، التي كانت تراهن على صمود الجماعات المسلحة. سادت حالة من الإحباط والقلق برزت معالمها على ألسنة قيادات سياسية، في الحكومة والمعارضة، وأعضاء كنيست من مختلف ألوان القوس السياسي الإسرائيلي: اليمين واليسار، والديني والعلماني، والحكومة والمعارضة، وتكرر التشديد الإسرائيلي على أن « مصلحة إسرائيل في النهاية هي طرد الرئيس بشار الأسد وحزب الله من سوريا ».

المؤسسة الإعلامية الإسرائيلية انضمت، أيضا، إلى بعض الجوقة الإعلامية العربية والإقليمية، عبر تبني شريحة واسعة من الخبراء والمعلقين، بصورة شبه تامة، سردية الجماعات المسلحة والدول الإقليمية الداعمة لها.

صحيح أن رهانات المؤسسة الإسرائيلية، بشقيها السياسي والأمني، على إسقاط النظام السوري، وخاصة الرئيس الأسد لاستبدال آخر به، يكون معاديا لمحور المقاومة، مرت بمسارات متعرجة صعوداً وهبوطاً، لكن الجديد ما بعد استعادة حلب، أنه لم يعد هناك في الساحة السورية، ما يوازي ثقلها « المدينة » النوعي لدى الجماعات المسلحة. في النتيجة، تبددت الرهانات على إمكانية إعادة قلب مسار الأحداث بالمنسوب الذي كنا نشهده، ومن المؤكد أن لذلك مفاعيله الحاضرة بقوة لدى صناع القرار السياسي والأمني في تل أبيب، وهو ما أجمله رئيس « معهد أبحاث الأمن القومي » في تل أبيب الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية أمان، اللواء عاموس يادلين، بالقول: « إسرائيل في مشكلة استراتيجية بعد ما حدث في حلب ».

سقوط الرهان

كذلك تراجع الرهان على مفاعيل الاستنزاف الذي « انحدرت » إليه الآمال الإسرائيلية بعد الإخفاق في إسقاط النظام السوري والرئيس الأسد، بل حضر التخوف، عبر أكثر من تقدير، من أن تصير أطراف محور المقاومة أكثر قدرة على التفرغ لإسرائيل، انطلاقاً من أن تعزيز الأمان الاستراتيجي للدولة السورية، يمنح حزب الله هامشاً إضافياً في التصدي لأي عدوان إسرائيلي واسع.

على خط مواز، من الواضح أن النكسة الإسرائيلية من تحرير حلب، شملت أيضاً إسقاط رهانها على تقسيم سوريا ضمن بديل من إخفاق الرهان على إسقاط النظام، وهو ما سبق أن عبر عنه نتنياهو أمام مؤتمر « دافوس » في 21 يناير 2016 بالقول، إن « أفضل نتيجة يمكن الحصول عليها في سوريا هي بلقنة هادئة نسبيا… هذا أفضل ما يمكن الحصول عليه ». وكان هذا الموقف قد أتى بعد توصية تقدم بها « الأمن القومي » في دراسة تناولت الواقع السوري بتاريخ 11 أكتوبر 2015، وأكدت أن « تقسيم سوريا يتساوق أيضا مع المصالح الإسرائيلية »، مشددة في الوقت نفسه، على ضرورة ألا تبدو إسرائيل « كمن يقود مطلب تقسيم سوريا في المنظومة الدولية، وإنما التركيز على مصالحها الحيوية ».

ومن المعلوم أنه دون مدينة حلب، لا يمكن إمرار مشروع تقسيم سوريا، وبعبارة أخرى، لا يمكن للجماعات المسلحة أن تكرس كيانا موازيا يهدد وجود الدولة السورية، ويسمح بشلها وحلفاءها، أو على الأقل يضيق هامشهم في المبادرة أو الرد الرادع في مواجهة إسرائيل، لكن في مرحلة ما بعد استعادة حلب، بات النظام أكثر استقراراً بالمعنى الاستراتيجي، ويعني ذلك باللغة الإسرائيلية تعاظم التهديد الذي يشكله محور المقاومة على إسرائيل. في ضوء ذلك، يصير مفهوما الإصرار المتكرر لدى وزير الأمن الحالي أفيغدور ليبرمان على ضرورة أن تشمل أي تسوية إسقاط الأسد وإخراج حزب الله من سوريا، وكان السياق نفسه قد شمل تأكيد سلفه موشيه يعلون في أكثر من مناسبة، أن « من غير المسموح أن ينتصر محور الشر، في الحرب الدائرة في سوريا ».

رغم ذلك، يبقى البعد الذي لا يقل أو أكثر حضورا لدى القيادتين السياسية والعسكرية في تل أبيب، هو ما يتصل بالمعادلات الإقليمية والدولية التي أسقطتها استعادة حلب، والأخرى التي ستفرضها، إذ أظهرت التطورات الميدانية في سوريا، منذ انطلاقتها قبل نحو ست سنوات، أن هناك خطوطاً حمراً إقليمية ودولية إزاء الساحة السورية. بتعبير آخر، كان يظلل المعارك العسكرية في الساحة السورية صراع إرادات مع قوى دولية وإقليمية. وبدا واضحاً أن هذا الصراع كان مضبوطاً بمحاولة تجنب أي صدام مباشر بين القوى الخارجية الداعمة لأطراف الصراع المباشر في الساحة السورية، أو بين الدولة السورية وإحدى هذه القوى، خاصة المراهنة على الجماعات المسلحة.

في هذا الإطار، تجنبت دول إقليمية مثل تركيا، وغيرها، التدخل العسكري المباشر طوال السنوات التي سبقت التدخل العسكري الروسي المباشر، وتحديداً في المراحل التي تقلصت فيها سيطرة الدولة السورية. عندما كان يمكن نظريا الحسم العسكري عبر مثل هذا التدخل، والأمر نفسه ينطبق أيضاً، على قوى دولية، في مقدمتها الولايات المتحدة. وتحت هذا السقف، كان الدفع، أو فرض وقائع ميدانية بضرب الجماعات المسلحة واستعادة المناطق التي تسيطر عليها، ينطوي أيضاً على مستوى من فرض إرادات إزاء قوى إقليمية ودولية، خاصة عندما تتجنب هذه الأطراف الخارجية اللجوء إلى خيارات بديلة أكثر صدامية بالمعنى المباشر، لأي سبب من الأسباب.

ومع أن هناك عدداً من المحطات التي شكل كل منها مستوى من فرض الإرادات على القوى الإقليمية والدولية المعادية للدولة السورية، لكن كلاً منها كان قابلاً للاحتواء بفعل وجود خيارات بديلة تتمتع بثقل نوعي، الأمر الذي أوجد حالة من التعادل الاستراتيجي تحكم معادلة الصراع في الساحة السورية. ومن أهم ما استند إليه هذا الثقل المضاد كان وجود عمق جغرافي وديموغرافي وعسكري واسع في شمال سوريا، تحديداً مدينة حلب. من هنا يأتي إصرار الجيش السوري وحلفائه على استعادة المدينة تجسيداً لصراع إرادات مع قوى إقليمية ودولية وجدت نفسها أمام تحدي الخيار البديل. ومعنى ذلك، أنها باتت محشورة ومضطرة إلى اتخاذ قرار حاسم: الانكفاء والتكيف مع الواقع الميداني الجديد الذي يفرضه الجيش السوري وحلفاؤه، أو الصدام المباشر، وعلى الأقل إظهار تصميم حازم وحاسم بفرض خطوط حمر عبر رمي الكرة في ملعب الدولة السورية وحلفائها.

بناء على ذلك، من أهم ما ترتب على استعادة حلب في وعي صناع القرار السياسي والأمني في تل أبيب، ليس الانتصار العسكري على الجماعات المسلحة فقط، بل وهو الأهم أنها كسرت إرادات إقليمية تركية، وغربية أمريكية. ويعني ذلك باللغة الإسرائيلية أن ما كانت تراهن عليه الدولة اليهودية من قيود يمكن أن تؤدي إلى تضييق هامش حركة الجيش السوري وحلفائه، قد تقلص بنسبة كبيرة عما كان عليه.

في المقابل، استطاع الجيش السوري وحلفاؤه أن يوسعوا مظلة الأمان الاستراتيجي، التي تشكل خطوة نوعية متقدمة إلى الأمام في توسيع هامش حركتهم في المبادرة، ليس في مواجهة الجماعات المسلحة، بل أيضاً في إطار معادلة الصراع مع إسرائيل. ولا يقدح بهذا المفهوم، الاتهامات التي توجه إلى إدارة باراك أوباما بأنها اختارت الانكفاء عن المواجهة، أو على الأقل إبداء تصميم حازم في فرض خطوط حمر، لأن هذا الخيار هو من جهة سبب لما يليه ويترتب عليه، ومن جهة أخرى تتويج لما قبله من اعتبارات ذاتية وموضوعية، ومن ضمنها الرسائل الإقليمية والدولية التي تنطوي عليها اندفاعة الجيش السوري.

الأكثر أهمية في حسابات القيادة الإسرائيلية أن التصميم الذي أظهره محور المقاومة في الدفاع ضد التهديد الذي تشكله الجماعات التكفيرية، أولى بالترجمة العملية عندما يكون في مواجهة أي محاولة إسرائيلية تهدف إلى التعويض عن انكفاء الآخرين، الإقليميين والدوليين، في خذلان الجماعات المسلحة، خاصة أن من يملك هذه الإرادة في مواجهة قوى إقليمية ودولية، هو بالضرورة أكثر قدرة وجرأة واندفاعاً عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.

من هنا، فإن دائرة القراءة الإسرائيلية لاستعادة حلب تتجاوز بعدها الجغرافي على أهميته القصوى. وبعدها العملاتي لجهة انتصار الجيش السوري وحلفائه، رغم مؤشراته المدوية، بل أبعاده الوطنية السورية، التي حصنت الدولة وأسقطت مشروع التقسيم، وهو ما كان قد بقي من رهانات إسرائيلية.

يمكن الجزم، أيضاً، بأن ما يحضر في وعي صناع القرار في تل أبيب، هو السياق الأوسع المتصل بمعادلة الصراع مع أطراف محور المقاومة كافة، من حزب الله إلى الدولة والجيش السوري، وهو ما عبر عنه باختصار نائب رئيس « أبحاث الأمن القومي »، العميد أودي ديكل الذي سبق أن تولى رئاسة القسم الاستراتيجي في شعبة تخطيط هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، بالقول إن إسرائيل « تفحص ما يجري في سوريا في سياق أوسع، باعتباره مصدر التهديد الأساسي على إسرائيل. وإدراكاً منه لخطورة مفاعيل المستجدات الميدانية في الساحة السورية، دعا ديكل صناع القرار الإسرائيلي إلى إعادة النظر في خيار عدم التدخل العسكري المباشر في سوريا، « لأنهم سيجدون صعوبة في التسليم بوجود حزب أو وكلائه في هضبة الجولان ».

عاصفة إعلامية

إختتام معركة حلب أحيط بزوبعة أو عاصفة إعلامية في الغرب وإسرائيل لتصويره كمذبحة للمدنيين وتقاعس للغرب في التدخل، ولكن تلك الحملة لم تحصل على نتائج مهمة بل دفعت بعض المحللين وفي الغرب إلى كشف جزء من الحقيقة المغيبة.

كتب الصحفي والمحلل البريطاني المعروف روبرت فيسك في صحيفة « الاندبندنت » منتصف شهر ديسمبر:  » حان الوقت لقول الحقيقة الأخرى عن حلب بأن الكثير من المتمردين الذين دعمناهم في الغرب هم من أكثر المقاتلين قسوة في الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي كنا نعبر عن رفضنا وانزعاجنا من شناعة داعش خلال حصار الموصل، وهو الحدث المشابه جداً لحلب علماً بأنك لن تتلمس ذلك في قراءة روايتنا للقصة، تجاهلنا عمدا سلوك المتمردين في حلب.

سيكون على السياسيين والخبراء والصحافيين الغربيين أن يعيدوا كتابة قصصهم في الأيام المقبلة من جديد وقد استعاد جيش بشار الأسد السيطرة على حلب الشرقية. سنكتشف ما إذا كان المدنيون المئتان وخمسون ألفاً المحاصرون في المدينة كانوا فعلاً بهذا الكم. وسنسمع المزيد عن عدم قدرتهم على المغادرة حين قصفت الحكومة السورية وسلاح الطيران الروسي الجزء الشرقي من المدينة. وسنعرف المزيد عن المتمردين الذين نحن في الغرب، الولايات المتحدة وبريطانيا، إلى جانب حلفائنا قاطعي الرؤوس، قمنا بدعمهم.

قبل أسابيع قليلة فقط قابلت إحدى العائلات المسلمة التي هربت من شرق حلب خلال الهدنة. أخبرني الوالد أنهم أبلغوه بأن المتمردين سيقومون بإعدام شقيقه لأنه اجتاز الخطوط الأمامية مع زوجته وابنه. لقد اتهم الوالد المقاتلين بإقفال المدارس وتخزين الأسلحة بالقرب من المستشفيات علماً أنه لم يكن موالياً للنظام بل إنه كان من المعجبين بسلوك داعش في الأيام الأولى للحصار.

في الوقت نفسه كان الجنود السوريون يعبّرون لي سراً عن اعتقادهم بأن الأمريكيين سيسمحون لداعش بمغادرة الموصل لمهاجمة النظام مجددا.

من المفيد جداً أن ننظر في تقاريرنا حول هذين الحدثين المتوازيين. تقريباً تتحدث كل العناوين اليوم عن سقوط حلب بيد الجيش السوري وليس استعادة المدينة من المسلحين كما كنا سنقول في ظروف أخرى، فيما يتم الحديث عن سقوط تدمر بيد الحكم البشع لداعش بوصفه استعادة للسيطرة على المدينة.

هنا الكلمات لها أهمية. هؤلاء الرجال، أو “رجالنا” في حال واصلنا السرد الجهادي الحالي، هم الذين قاموا بعد احتلالهم لتدمر بذبح عالم الآثار البالغ من العمر 82 عاماً والذي حمى كنوزها، ثم وضعوا له نظاراته على رأسه المقطوع.

باعتراف الروس فإنهم نفذوا 64 طلعة جوية ضد مهاجمي داعش خارج تدمر. ولكن نظراً لأعمدة الغبار المتصاعدة من مواكبهم لماذا لم ينضم الطيران الأمريكي إلى قصف العدو الأكبر له؟ لسبب ما لم تكشفهم الأقمار الصناعية الأمريكية ولا الطائرات بدون طيار ولا الاستخبارات.

إن الخطاب الإعلامي والسياسي المألوف والمتعب بحاجة إلى إنعاش. الدليل أنه بعد أشهر من إدانة ظلم النظام السوري والتعتيم في المقابل على هوية ووحشية معارضيه في حلب، بدأت منذ أيام قليلة منظمات حقوق الإنسان، التي اشتمت هزيمة المسلحين، توسيع دائرة انتقاداتها لتشمل المدافعين عن حلب الشرقية.

أتوقع أن نسمع المزيد من هذا الكلام في الأيام المقبلة. الشهر المقبل سنقرأ أيضاً كتاباً مخيفاً جديداً للصحافية الإيطالية لوريتا ناوبليوني حول تمويل الحرب في سوريا، لكنها أيضا تستخدم لهجة قاسية إزاء أدائنا الصحفي.

هل الأمر قاس جداً على مهنة الصحافة؟ هل نحن فعلاً إلى جانب المتمردين؟ لا شك أن الزعماء السياسيين لدينا كذلك، وللسبب نفسه الذي يدفع بالمتمردين إلى اختطاف ضحاياهم: أي المال.

في تعليقه على ما نشر في صحيفة « الاندبندنت »  كتب نبيل نايلي الباحث في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، جامعة باريس:

الكاتب الصحفي البريطاني الغني عن التعريف، روبرت فيسك، كتب مقالا مطولا مخالفا لل”جوقة” الإعلامية وللسردية التي نقرأ أو نسمع، وجب قراءته بتمعن شديد. قد يتفق بعضنا مع قراءات فيسك أو يختلف، قد يحترمه أو يمقته، لا خلاف، ولكنها رؤية تهز حد الأسس ما أريد لنا من “ثوابت” و”قناعات” منذ “سفر درعا” حتى الجولات الأخيرة لحرب على سوريا، تناهز عامها السادس، بضحاياها وخرابها وتداعياها.

يرسم فيسك، ورماد حلب لما ينجلي بعد، حقيقة أخرى، مغايرة تماما، يصمّ عنها ممارسو حالة الإنكار ومحترفو دور الببغاء يرددون صباح مساء رواية “الزيف الثوري” الذي يعلّبه “صناع الرأي” وشركات العلاقات العامة لوكالات الإستخبارات العالمية. روبرت فيسك كمن غيره ممن فضح زيف رواية بنغازي غراد” وغيرها ممّا سوّقه ويسوقه “إعلام” إغتصاب المعاني يُفتي في قاعة الأخبار بإهدار دم هذا، ويدعي بلا خجل، أن الرسول الأعظم كان سيختار القتال تحت راية حلف شمال الأطلسي، ويستجدي “غضبة إلهية” من جيش المارينز. روبرت فيسك فضح بمقاله المستور وكشف ألاعيب “الإعلام”  الغربي والعربي الرسمي.

محللون عسكريون ومعركة حلب

يوم 18 ديسمبر نشر موقع سبوتنيك الروسي استطلاعا أجرته صحيفة « موسكوفسكي كومسوموليتس » مع خبراء عسكريين حول عملية شرق حلب، وأسباب السماح للمسلحين بمغادرة المدينة.

جاء في مقال الصحيفة:

يقول الخبير العسكري أليكسي ليونكوف إنها ليست المرة الأولى التي تفتح فيها ممرات إنسانية لخروج المسلحين. فلقد سبق أن هيئت لهم ممرات مماثلة سابقا، حيث تم نقلهم بواسطة الحافلات إلى محافظة إدلب. والحديث يدور هنا عن مسلحي ما يسمى بـ « المعارضة المعتدلة »، الذين يقلق مصيرهم جدا بلدان الناتو وخاصة الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا.

أما المجموعة الصغيرة التي بقيت في حلب، فقد حاولت قبل أيام اختراق الحصار في الاتجاه الشمال الشرقي، ولكنها فشلت في تحقيق هدفها. لذلك بدأت تطالب بالسلام. ومن الواضح أن بلدان الناتو تضغط كثيرا على روسيا، وأعتقد أن قلقها نابع من وجود مستشارين أجانب في صفوف « المعارضة المعتدلة ». لهذا السبب جاء قرار الرئيس بوتين السماح لهم بمغادرة المدينة. واعتقد أن هذا أفضل.

أما إلى أين توجهوا بعد خروجهم من المدينة؟

يقول الخبير، عادة ما يتوجه المسلحون إلى إدلب، وقد تم نقلهم هذه المرة إليها أيضا. لأنه لن يكون بالإمكان ضمان أمنهم إذا تم نقلهم إلى الشرق مثلا، حيث بدأت عمليات عسكرية نشطة.

وطبعا ليس هناك ما يضمن عدم عودة هؤلاء إلى حمل السلاح. ولقد حاولنا دائما توضيح خطورة اللعب مع « المعارضة المعتدلة » للجانب الأمريكي، بيد أن الولايات المتحدة لا تولي أي اهتمام لرأينا.

ويعتقد الخبير العسكري أن لعوامل كثيرة لها دورا في السماح للمسلحين الخروج من حلب، ولكننا لا نعلم بتفاصيل اللقاءات التي جرت وتجري مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة. لذلك علينا انتظار النتائج، ثم على ضوئها إبداء الرأي.

من جانبه، يقول مدير معهد التحليل العسكري والسياسي ألكسندر شارافين إن هدف ما يجري هو تقليص عدد الضحايا والخسائر. والوضع حاليا هو كما يلي: يندس المسلحون بين السكان المدنيين. ولتجنب سقوط ضحايا بين المدنيين، نضطر إلى السماح للمسلحين بالخروج من المدينة، وعمليا، فالجانب الأمريكي يستخدم أيضا هذا الأسلوب.

ولكن « من الأهم في الوضع الحالي ألا يعود هؤلاء إلى حمل السلاح في مناطق أخرى. وفي هذا الصدد، أعتقد أن جهودا ستبذل بعد خروج المسلحين من حلب، من أجل تنظيم حوار معهم. لأن الظروف الحالية ملائمة جدا لتسوية الأزمة السورية سلميا. لقد أدرك المسلحون أنهم لن يتمكنوا من اسقاط النظام بسرعة، لذلك شاءوا أم أبوا، بدعم منا أو بطرق أخرى، عليهم الجلوس إلى طاولة الحوار مع السلطات السورية. ونحن اخترنا هذا الطريق لأنه منطقي ويصب في مصلحة جميع الأطراف ».

ويضيف الخبير، « من الواضح أن المسلحين لن ينقلوا إلى الرقة أو الموصل، حيث سيبقون على بعد عشرات الكيلومترات عن حلب في مناطق يسيطر عليها المسلحون. وأرجح وجود اتفاق بعدم مهاجمتهم في هذه المناطق، لأنه بعكس ذلك ما الفائدة من خروجهم. وأظن أن التشاور في هذا المجال قد بدأ عبر مختلف القنوات، والهدف الأساس هو الحؤول دون وقوع خسائر.

Leave a Comment

Cancel reply