حزب الاستقلال صانع الحدث التاريخي يوم 1944/1/11.. وثيقة المطالبة بالاستقلال في ضوء المتغيرات الحالية

حزب الاستقلال صانع الحدث التاريخي يوم 1944/1/11.. وثيقة المطالبة بالاستقلال في ضوء المتغيرات الحالية

حزب الاستقلال صانع الحدث التاريخي يوم 1944/1/11.. وثيقة المطالبة بالاستقلال في ضوء المتغيرات الحالية

  • بقلم // عبد الـقـادر الإدريـسـي

jr-idrissi

من أجل فهم المدلول العميق والوقوف على البعد الاستراتيجي لوثيقة الحادي عشر من شهر يناير سنة 1944، لابد من قراءة البيان الذي أصدره حزب الاستقلال في الثامن عشر من الشهر نفسه، فهو بمثابة مذكرة تفسيرية لهذه الوثيقة التاريخية. وجاء هذا البيان في شكل رسالة وجهها الحزب إلى جلالة الملك محمد الخامس، على إثر الاجتماع الذي عقدته لجنة باسم حزب الاستقلال مع الوفد الوزاري في اليومين الخامس عشر والثامن عشر من يناير 1944. فقد جاء في هذه الرسالة / الوثيقة / البيان : (لا يمكن أن يقع أي إصلاح صحيح، إلا على أساس سيادة واحدة في البلاد. ولا يتصور أن تكون تلك السيادة لغير جلالة الملك، فهو الذي يجب أن يضع القوانين، ويأمر بتنفيذها، وهو الذي يقرر الجبايات (الضرائب)، ويوزع المداخيل على مختلف المصالح العامة إلخ. وليس معنى هذا أن المغاربة يريدون مقاطعة الفرنسيين، أو الاستغناء عن مساعدتهم، في كثير من الميادين، بل إن لهم شديد الرغبة في التعاون مع الخبراء والأكفاء منهم، في تنظيم كثير من المصالح الإدارية، والاقتصادية، والعسكرية، كما أن المغاربة لا يجهلون ما للفرنسيين والأجانب من مصالح مشروعة، يجب المحافظة عليها بكيفية قانونية، والتعاون مع الفرنسيين، والاحتفاظ بمصالحهم المشروعة، متيسر في دائرة الاستقلال، ولا يتنافى معه).

وكان جلالة الملك محمد الخامس قد أوفد وفداً من وزرائه للتفاوض مع قادة حزب الاستقلال ترأسه وزير العدل الفقيه محمد ابن العربي العلوي. وقد استقبل المقيم العام (بيو) الوفد الوزاري وخاطبه ابن العربي العلوي بقوله (لقد جئنا يا صاحب السعادة، للتعبير لكم عن الرغبة الجماعية للأمة المغربية في وضع حد لعلاقات الوصاية التي فرضت على المغرب بمعاهدة فاس، إذ هذه المرحلة قد ولت، ونود أن تسترجع بلادنا كرامتها وحريتها في دائرة تعاون جديد مبني على الصداقة والاحترام التبادل). وقد أجاب المقيم العام مخاطبه بأن يود أن تقدم له مقترحات عملية لما يتصوره الحزب (أي حزب الاستقلال)، في مطالبته بالاستقلال. ومن هنا جاءت فكرة مخاطبة جلالة الملك في رسالة اعتبرها الحزب وثيقة تاريخية تكميلية لوثيقة الحادي عشر من يناير.

وجاء في هذه الرسالة المهمة (أما فيما يرجع لإصلاح البلاد الداخلي، فينبغي الانتباه إلى أنه في دائرة الاستقلال، أيسر منه في دائرة الحماية، ولو حورت أسسها). وجاء فيها أيضاً (إن المغرب لا يزال في حاجة إلى فنيين، وهو لا يرفض التعاون مع من يريد أن يعينه في هذا السبيل، ولكن على أساس السيادة المغربية، لا على أساس سيادتين).

لقد كانت الظروف التي سادت البلاد بعد تقديم وثيقة الحادي عشر من يناير سنة 1944 إلى جلالة الملك، وإلى المقيم العام الفرنسي، وإلى ممثلي دول الحلفاء في الرباط، تقتضي القيام بتحركات سريعة، لا من قبل جلالة الملك، ولا من طرف قيادة حزب الاستقلال. وكانت الإقامة العامة الفرنسية تتابع وتترقب ما يمكن أن يحدث بعد تقديم الوثيقة. وفي هذا الإطار أوفد جلالة الملك وفداً من وزرائه إلى قيادة الحزب لمزيد من استطلاع الأمر، وغالباً أن هذا التحرك كان بإيعاز من المقيم العام، خصوصاً وأن جلالة الملك كان على اطلاع تام وإحاطة شاملة بجميع الخلفيات والمعطيات والإجراءات التي اتخذها الحزب، ولم يكن في حاجة إلى معرفة ما لا علم له به.

حزب الاستقلال صانع الحدث التاريخي يوم 1944/1/11.. وثيقة المطالبة بالاستقلال في ضوء المتغيرات الحالية

لقد جاءت هذه الرسالة الموجّهة من حزب الاستقلال إلى جلالة الملك، مطابقة تماماً لمضامين الوثيقة التاريخية التي أكدت على ثلاثة مطالب أساس، هي أولاً استقلال المغرب، ووحدة ترابه، تحت ظل صاحب الجلالة، والسعي لدى الدول التي يهمها الأمر، للاعتراف بهذا الاستقلال وضمانه (وهي هنا دول الحلفاء) ولتوقيع اتفاقيات تحدد ضمن السيادة المغربية، ما للأجانب من مصالح مشروعة، وانضمام المغرب للدول الموافقة على ميثاق الأطلسي والمشاركة في مؤتمر الصلح (بصفته دولة مستقلة ذات سيادة كاملة غير منقوصة).

لقد التمس حزب الاستقلال في الوثيقة التاريخية من جلالة الملك (أن يشمل برعايته حركة الإصلاح التي يتوقف عليها المغرب في داخله، وأوكل لنظره السديد، إحداث نظام سياسي شوري، شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية الإسلامية بالشرق، تحفظ فيه حقوق سائر عناصر الشعب وسائر طبقاته، وتحدد فيه واجبات الجميع). وهو الأمر الذي يؤكد الوعي الوطني المبكر بإقامة نظام ديمقراطي متطور يستجيب لمتطلبات التقدم الذي تنفتح مجالاته أمام المغرب في ظل دولته المستقلة.

في تحليله لوثيقة المطالبة بالاستقلال، يقول المجاهد الأستاذ أبو بكر القادري في الجزء الثاني من كتابه (مذكراتي في الحركة الوطنية)، ص 178ـ179، إن الوثيقة تضمنت ثلاثة محاور رئيسَة، المحور الأول في المقدمة، ويتضمن أساساً العوامل والأسباب الداعية إلى المطالبة بالاستقلال وبوحدة التراب، وهو ما تعبر عنه الحيثيات العشر التي تحدد الأسباب، ومن ضمنها أحقية المغرب في الاستقلال باعتبار أنه حافظ دائما ً خلال التاريخ على استقلاله، ولم يسمح لأية قوة أجنبية أن تحتله، فالاحتلال آفة طارئة، لابد من زوالها، والحماية التي فرضت عليه فرضاً لا يمكن أن تبقى، والحماية مع ذلك لم توف بالتزاماتها، في إدخال الإصلاحات الضرورية، والحماية إلى ذلك حطمت وحدة المغرب، وقسمته تقسيمات مغرضة قصد إضعافه، أما المحور الثاني، فيقرر المطالبة بالاستقلال ووحدة ترابه في إطار النظام الملكي، والمحور الثالث إدخال إصلاحات جوهرية يقوم بها جلالة الملك، تقوم على أساس الشورى التي يدعو إليها الإسلام. والقصد هنا هو بناء النظام الديمقراطي والملكية الدستورية، لأن الوثيقة كتبت باللغة السياسية التي كانت سائدة في ذلك العهد، وروعي فيها المرونة في الصيانة، بالاتفاق مع جلالة الملك، حتى لا تثير الزوابع. ومع ذلك فقد فجرت الوثيقة الوضع، وأثارت قدراً كبيراً من الزوابع. وكان هذا متوقعاً.

إن هذا الربط المنهجي المحكم بين الاستقلال، والوحدة الترابية، وبناء النظام الديمقراطي في إطار الملكية الدستورية، لم يكن من قبيل الاستجابة لمرحلة زمنية محددة اجتازها الوطن في نهاية النصف الأول من القرن العشرين. ولكنه كان، ولا يزال، ضرورة حياتية لا يمكن إلا أن يستجاب لها في جميع الأحوال، وكان الوعي بتلك الضرورة في ذلك الظرف التاريخي العصيب، تعبيراً عن نضج الوعي الوطني الذي كان حزب الاستقلال يقود به الحركة الوطنية. فهذا التصور للدولة المغربية المستقلة، في تلك المرحلة الفاصلة بين عهدين، يؤكد بما لا يرقى إليه الشك، أن حزب الاستقلال كان يرسم ملامح المستقبل، ويساهم في بناء التصور العام للدولة المغربية، وهو يصنع الحدث التاريخي.

إنَّ العودة على قراءة وثيقة المطالبة بالاستقلال في ضوء ما نعيشه حالياً من تطورات سياسية، تفتح أمام العقول مجالاً واسعاً لإدراك عمق فكرة الاستقلال، ومضمون الوحدة الترابية، وأبعاد النظام الديمقراطي في إطار الملكية الدستورية. وهي المفاهيم الوطنية الرئيسَة التي تراجع الإحساس بها، وضعف استحضارها في الضمير العام، نتيجة لما تضطرب به الساحة السياسية والفكرية والثقافية والإعلامية، من صخب عالي النبرة يحجب الحقائق الوطنية عن الأنظار، ويسبب في خلط المفاهيم من جراء خلط الأوراق، وامتهان كرامة المواطنين بالاستهتار، بهم وإخفاء الحقائق عنهم، والعبث بمصالحهم، والمخاطرة بمستقبل الوطن.

فليست هذه الذكرى من الذكريات التاريخية العابرة، ولا ينبغي أن تكون، ولكنها لحظة للانتباه لما يحاك للوطن، ومناسبة للتفكير في المستقبل، وفرصة للاعتبار وأخذ الدرس من النضال الذي خاضته بلادنا من أجل أن تكون دولة حرة مستقلة ذات سيادة كاملة ومطلقة في إطار الملكية الدستورية.

حزب الاستقلال صانع الحدث التاريخي يوم 1944/1/11.. وثيقة المطالبة بالاستقلال في ضوء المتغيرات الحالية

حزب الاستقلال صانع الحدث التاريخي يوم 1944/1/11.. وثيقة المطالبة بالاستقلال في ضوء المتغيرات الحالية


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا