حديث الجمعة: مع هنري لاووست في كتابه: «نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع: (هنري لاووست) والسياسة الاستعمارية والطريق إلى وعد بلفور؟ -3-

حديث الجمعة:  مع هنري لاووست في كتابه: «نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع: (هنري لاووست) والسياسة الاستعمارية والطريق إلى وعد بلفور؟ -3-

بقلم // ذ. محمد السوسي

لحديث عن ابن تيمية والدراسة المهمة التي انجزت حوله وتضارب الآراء والافهام فيما كان يدعوا اليه وتركه مدونا في تراثه الضخم الذي يجاوز مئات الدراسات والابحاث والفتاوى والشروح والردود ويتزامن مع ذكرى حدث كبير غير مجرى التاريخ الذي كان العرب يخططون ويعدون له وهم يعشون احداث الحرب العالمية الاولى واثناء ما سمي زورا بالثورة العربية الكبرى، ولا عجب في ذلك وقد سمي الواقع المؤلم الذي يعيشه العرب والمسلمون اليوم (بالربيع العربي) وكل هذا يدخل فيما يسميه العرب بأسماء الاضداد.

واذا كان مصدر ما نود التعرض له بالتحليل من افكار ( ابن تيمية ) هو مستشرق فرنسي فان مأساة ما سمي بوعد بلفور يلقي بعض الضوء على جذوره من خلال مقتطفات من دراسة مهمة اعدها مؤرخ فرنسي يكاد يكون تخصصه في القضية الفلسطينية وذلك من خلال ما جاء في المجلد الاول الكتاب الثاني من كتابه (حول مسألة فلسطين ) وعلى اي حال فان العرب ساهموا بكيفية مباشرة او غير مباشرة وبكيفية إرادية اولا إرادية في مأساة فلسطين ومأساة التجزئة كما لا شك انهم يساهمون الآن كل من موقعه في المآل الذي سيؤول اليه الوضع في العالم العربي، وكيف كانت الخطوات وما هو الدور الفرنسي والامريكي والروسي والانجليزي فيما حدث منذ مائة سنة يقول ( هنري لورنس ) في كتابه وهو يؤرخ للطريق الىوعد بلفورمن غير العودة الى سنوات ما قبل “1917” نبدأ من بداية ابريل وبعد انتصار الثورة الروسية.

jr-soussi

في مستهل شهر أبريل/ نسيان 1917، يزور سوكولوف باريس ويقدم نفسه على أنه مفوضس من المنظمات اليهودية في روسيا والولايات المتحدة ومن الاتحاد الصهيوني في إنجلترا بهدف التفاهم مع الحكومتين الإنجليزية والفرنسية فيما يتعلق بتحقيق آرائنا المتعلقة بفلسطينس. وهو يسلم مشروعا يتماشى مع الخطوط المتفق عليها مع سايكس ويوحي بأن الحكومة البريطانية قد وافقت عليه بالفعل: يجب حكم فلسطين من جانب دولة عظمى تكفل الحد الأقصى من الحكم الذاتي للسكان اليهود وتبيح الهجرة والاستيطان دون قيود. وهده الدولة يمكن أن تكون في نهاية المطاف فرنسا. ويحاول محاوروه في الكيه دورسيه التحقق من كون نفوده واقعيا. وبعد ذلك ببضعة أسابيع، يشرح بيكو عملهم:

   يتعلق الأمر بالقيام، تحت سيادة دولة عظمى، بتكوين نوع من جماعة قومية يهودية في فلسطين عبر تمكين الإسرائيليين من الاستقرار في البلد ومن حيازة الأراضي.

وفي حين أن القادة البريطانيين لم يتخذوا أي موقف رسمي، فإن نظراءهم الفرنسيين هم أول من يتحدثون علنا عن دعمهم الممكن للمطالب الصهيونية.

والحال أن سايكس، الذي ينتظر سوكولوف، إنما يسره ذلك. وهو يبلغ لندن في التو والحال بأن فرنسا قد بدأت تتزحزح أمام الضغط: إنها مستعدة للاعتراف بالنزعة القومية اليهودية، الأمر الذي يمهد الطريق أمام إنجلترا لاختيارها زراعيةس لفلسطين. وكلما زادت الحقوق الممنوحة لفرنسا في سوريا وفي لبنان كلما قل اهتمامها بفلسطين.

وبعد محادثات واتصالات بخرج عن الخارجية الفرنسية ما يلي:

وزارة الخارجية

مكتب الوزير

باريس، 4يونيو/ حزيران1917

السيد،

لقد تفضلتم بأن تعرضوا علي المشروع الذي تكرسون له جهودكم والذي يهدف إلى تنمية الاستيطان اليهودي في فلسطين. وأنتم ترون إنه إذا ما سمحت الظروف بذلك وإذا ما تمت كفالة استقلال الأماكن المقدسة من جهة أخرى، فإنه سيكون بمثابة عمل من أعمال الإنصاف والتعويض أن تجري المساعدة، من خلال حماية من جانب الدول المتحالفة، على إحياء الجماعة القومية اليهودية، على تلك الأرض التي كان شعب إسرائيل قد طرد منها قبل قرون عديدة.

  والحال أن الحكومة الفرنسية التي دخلت الحرب الراهنة دفاعا عن شعب تعرض ظلما للهجوم، والتي تواصل النضال لتأمين انتصار الحق على القوة، لا يمكنها إلا أن تشعر بالتعاطف مع قضيتكم التي يرتبط انتصارها بانتصار قضية الحلفاء.

ويسرني أن اقدم هنا لكم التأكيد على ذلك وتقبلوا …   على بالغ احترامي

 التوقيع

 ج كامبوس

خلال غياب فايتسمان، يجتمع سوكولوف وصهيونيو لندن لإعداد مشروع التصريح الذي طلبته السلطات البريطانية منهم. فيدور نقاش حار لمعرفة ما إذا كان يتوجب لمصطلح الدولة اليهودية أن يظهر[ في التصريح]. ويتعرض سوكولوف على ذلك: فإذا ما طالب المرء بالكثير جدا فإنه لن يحصل على شيء. ويتم التواصل في 12 يوليو/ تموز إلى صيغة تشكل حلا وسطا:

 إن حكومة صاحب الجلالة، بعد أن تدارست أهداف المنظمة الصهيونية، إنما تقبل مبدأ الاعتراف بفلسطين كمقام قومي للشعب اليهودي، وبحق الشعب اليهودي في بناء حياته القومية في فلسطين تحت حماية يتوجب إنشاؤها عند عقد الصلح على أثر نهاية سعيدة للحرب.

وترى حكومة صاحب الجلالة أن من الضروري لتحقيق هذا المبدأ ضمان حكم ذاتي داخلي للجماعة القومية اليهودية في فلسطين وضمان حرية الهجرة لليهود وضمان إنشاء شركة قومية يهودية للاستيطان وذلك لأجل إعادة التوطين ولأجل التنمية الاقتصادية للبلد.

   وترى حكومة صاحب الجلالة أن شروط وأشكال الحكم الذاتي الداخلي وكذلك الامتياز الذي يكفل الشركة القومية اليهودية للاستيطان يجب تحديدها وبلورتها بالتفصيل مع ممثلي المنظمة الصهيونية.

   ويجري نقل هذا النص إلى اللورد روتشايلد الذي يبلغه بشكل شبه رسمي إلى سايكس وإلى زميله السير رونالد جراهام. ويرى الرجلان أن النص طويل جدا، أي مفرط في إلزام البريطانيين. فيتفق سوكولوف وجماعته في 18 يوليو/تموز على صيغة اقصر:

1.تقبل حكومة صاحب الجلالة مبدأ إعادة تكوين فلسطين كمقام قومي للشعب اليهودي.

2. ستبذل حكومة صاحب الجلالة كل مساعيها لأجل تحقيق هذا الهدف وسوف تناقش مع المنظمة الصهيونية الطرائق والسبل الضرورية لذلك.

وفي 31 أكتوبر/ تشرين الأول، يجري عرض الملف من جديد على الوزارة. والحال ان الغالبية العظمى من الشخصيات اليهودية التي جرى الاتصال بها إنما تبدو مؤيدة للمشروع. ويشدد بلفور على أهمية كسب تعاطفات اليهود الأميركيين والروس. فيستعيد كيرزون حججه المعروفة بالفعل. ويرد عليه بلفور بالاستناد إلى مذكرة سايكس. أما فيما يتعلق بالمقام القومي، فإنه يتعين فهمه على أنه يعني شكلا من أشكال الحماية يمارسه البريطانيون أو الأميركيون أو أمة أخرى، ويحصل اليهود بفضله على إمكانات العمل على خلاصهم هم وإمكانات بناء مركز حقيقي للثقافة وللحياة القوميتين، عبر التعليم والزراعة والصناعة. ولا يعني هذا بالضرورة الإقامة الفورية بدولة يهودية، قد تنبثق تدريجيا بحكم القوانين العادية للتطور السياسي.

   ويرضخ كيرزون لضرورات العمل الديبلوماسي: إن تحفظاته إنما تتصل.

على أي حال، بالمستقبل ومن ثم فهي لا يمكن أن تكون موضع شواغل مباشرة من جانب الحكومة البريطانية. ويجري تعديل النص مرة أخرى لمراعاة التعديلات التي اقترحها الصهيونيون الأميركيون، إلا أنه لا يجرى الأخذ بمصطلح اإعادة إيجادب. ثم تتم الموافقة على النص.

ولدى خروج سايكس من الاجتماع، يخاطب فايتسمان الذي كان ينتظر على مقربة: ادكتورب فايتسمان، مبروك، جالك ولد.

وبما أن فايتسمان كان غائبا عند بداية العملية، فإلى اللورد روتشايلد، الذي كان المشروع الأول للنص قد أرسل باسمه، يوجه بلفور، في 2 نوفمبر/ تشرين الثاني، النص الرسمي للتصريح:

عزيزي اللورد روتشايلد

من بالغ سروري أن أوجه إليكم من طرف حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي، المتعاطف مع التطلعات اليهودية الصهيونية، وهو التصريح الذي، بعد عرضته على الوزارة، تمت الموافقة عليه من جانبها.

    اتنظر حكومة صاحب الجلالة  بعين العطف إلى القيام في فلسطين بإتجاد مقام قومي للشعب اليهودي وسوف تبذل كل مساعيها لأجل تيسير تحقيق هذا الهدف، على أساس أن من المفهوم بشكل واضح أنه لن يجرى القيام بشيء من شأنه إلحاق ضرر بالحقوق المدنية والدينية للجماعات 107 غير اليهودية الموجودة في فلسطين، ولا بالحقوق والوضعية السياسية التي يتمتع بها اليهود في أي بلد آخرب.

   وسوف أكون ممتنا لكم له أبلغتم الاتحاد الصهيوني بهذا التصريح.

وفي 9 نوفمبر/ تشرين الثاني، تنشر الصحافة البريطانية نص التصريح.

وهذه هي التطورات التي افضت الى ما تعيشه ارض فلسطين اليوم ومعها العالم العربي والإسلامي وظروف الامس منذ مائة سنة شبيهة بظروف اليوم.

الفكر والمحيط

بعدما تناولنا في الحديث الأخير موجز حياة المستشرق الفرنسي الويس ماسنيونب باعتباره أستاذا ومشرفا على رسالة اهنري لاووستب حول (ابن تيمية ونظرياته في السياسة والاجتماع)، نعود اليوم لمواصلة الحديث عن هذا الكتاب ومؤلفه، وذلك حتى يكون ما نقف عليه من آراء ونتائج مما يخلص إليه المؤلف من نظريات شيخ الإسلام (ابن تيمية) نكون عرفنا باختصار الخلفيات الفكرية والثقافية والعلمية والسياسية لصاحب الرسالة، وهو نفسه قبل دراسة نظريات ابن تيمية خصص جزء مهما من دراسته للأحوال السياسية والفكرية والاجتماعية التي نشأت من خلالها وربما بتأثير منها نظريات (ابن تيمية) فيما تناوله من اجتهادات وخلاصات ضمنها فتاواه ومؤلفاته وكل ذلك في سياق التفاعل بين الفكر والاجتهاد والمحيط.

تفاعل مستمر

ولاشك أن الحديث عن هذه الأشياء أصبح ضمن منهاج الرسائل التي يكتبها الباحثون والدارسون وهذا مما أحدثه احتكاك الباحثين العرب بالباحثين في الغرب وما أدخله الاستشراق الأوروبي على الدراسات العربية والإسلامية، وما لم يعد ممكنا تناول شخصية ما أو فكر ما دون مراعاة العوامل التي تتفاعل في المجتمع الذي يتحرك فيه المؤلف أو المبدع أو الباحث، ومن هنا كان من المناسب التعرض بقدر الإمكان لحياة المستشرق لاووست الذي أنتج بحثا مهما عن رجل لعب أدوارا مهمة في حياة الأمة الإسلامية عندما كان يجول ويصول كتابة وإفتاء وجهادا أو بعد أن احتضن بعض الناس في العصر الحديث توجهاته ونظرياته الفكرية والفقهية بقطع النظر. عن تأويل أفكار الرجل وإعطائها أبعادا قد تكون مما لم يكن يقصده وقد لا يقره لو كان على قيد الحياة وهو مهما كان تفاعل مستمر.

المعارك في اكثر من واجهة

وعلى أي حال فإن صاحب الدراسة اهنري لاووستب نشأ في بيئة فكرية وعلمية وسياسة كانت تتصارع فيها الآراء وتتضارب المصالح وتصارع فيها دولته في أكثر من واجهة فمن الوجهة الفكرية فأبوه كان مستشرقا فرنسيا ودعي للمغرب من طرف أول مقيم عام فرنسي بالمغرب البوطيب للقيام بهمه علمية فلحق الطفل مع أبيه بالمغرب وسنه عشر سنوات عام ا1915ب ولاشك أن هذه المرحلة كانت مرحلة دقيقة في المغرب التي قدم إليها والده واصطحبه معه فالمغرب يعيش مخاض ردود الفعل على إعلان الحماية والقبائل ثائرة في كل مكان فاعلان هذه الحماية لم يمر عليه سوى سنتين او تكاد.

(ماسينيون وبيكو)

 وبالإضافة إلى هذه الحرب العالمية التي كانت شديدة الأدوار وحامية الوطيس وفي أثنائها كانت المؤامرات تحضر ضد العرب والمسلمين وتوضع الخرائط لتقسيم العالم العربي والاستيلاء على الأراضي التي كانت تابعة للدولة العثمانية وفي كل ما يجري كان الاستشراق في قلب ما يجري لأن أغلبية المستشرقين كانوا أداة في يد الحكم الاستعماري بذرائع مختلفة، وأسباب مفهومة لديهم غير أنها مغايرة لما ينبغي أن يكون عليه المثقف واستاذه (ماسينيون) كان مساعدا (لبيكو) المفاوض لتقسيم الشرق العربي بين انجلترا وفرنسا والاتفاقية المعروفة تحمل اسمه عام ا1916ب.

فترة الازدهار

والمؤلف عاش في فترة ازدهر فيها الاستشراق الفرنسي لأن (ماضيه في القرن العشرين كانت معاصرة للمؤلف فأستاذه (ماسنيون) اشرف على رسالته الجامعية التي هي موضوع التناول في هذه الأحاديث حول (ابن تيمية) وكذلك (شاتلي) مؤسس مجلة العالم الإسلامي الذي خلفه فيها (ماسنيون) ولكن هذا الأخير حولها إلى دراسات إسلامية التي سيؤول أمرها إلى لاووست فيما بعد، وكان صديقا لأبرز مترجم للقرآن الكريم من الفرنسيين في الخمسينات من القرن الماضي ابلاشيرب وكان بجانب هذا و ذاك (ليفي برو فنصال) و(جاك بيرك) وغيرهم وكان الرابط الأساس بين هؤلاء جميعا كذلك هو اشتغالهم بالمغرب الأقصى وبالشمال الإفريقي بصفة عامة ولكن معهد الدراسات العليا بالرباط كان مركز استقطاب لهؤلاء أوقات قد تطول وقد تقصر.

الاستشراق والشؤون الاهلية

 و كان يجمع بينهم كذلك ما كانوا يقدمونه للإدارة الاستعمارية من خدمات في مجالات متعددة وما يوفرونه من دراسات للهجات والعاميات والأعراف في هذه الأقطار وكلها أو بعضها على الأقل كانت رهن إشارة إدارة الشؤون الأهلية التي كان موكولا إليها صناعة الساسات الأهلية، وما هو معروف عن الإدارة الاستعمارية أن هذه الإدارة هي التي تتولى كل الأمور التي تمس من قريب أو بعيد حياة المواطن الأهلي، والمواطن الأهلي هذا الإنسان الذي كان ينظر إليه النظرة الدونية من لدن الاستعمار والمستعمرين وطالما تشكي الكتاب والباحثون والزعماء من إعمال هذه الإدارة ودورها السيء في معاملة المواطن المغاربي.

(لاووست الاب)

ولاشك أن (والدلاووست) يحكم تخصصه قدم للسياسة البربرية الاستعمارية خدمات مهمة فهو معروف بتخصصه في (لغات البربر) وعلم الأجناس وعندما أسس (اليوطي) مدرسة عليا للغة العربية واللهجات البربرية استدعاه كما أسلفنا للتدريس وصحب ابنه معه، فكان هذا ما جعل الابن يدرس الدراسة الثانوية بالرباط وهو لن يكون بعيدا عن مخطط كان والده احد دعائمه الا وهو التحضير لتنفيد السياسة الاستعمارية في هذا الصدد .

ولاووست الابن لم يقتصر دوره على تقديم الخدمة في المغرب العربي فقط ولكنه اشتغل في الشرق لعربي مصر وسوريا اثناء الاستعمار الفرنسي .

المجال الفكري

والذي لم يثبت في شأن الاووستب الابن ولم يذكره من ترجم له هو أن يشتغل تحت إشراف هذه الإدارة فهو لم يكن مراقبا مدنيا ولا ملحقا بما يشتبه فيه وإنما كان مجاله في المجال الفكري والثقافي والعلمي مما جعل الذين ذكروه من عرب وغيرهم لم يشيروا إليه في هذا الشأن أما انجازاته العلمية والخدمات التي قدمها في هذا المجال فقد ذكرها نجيب العقيقي في موسوعته عن الاستشراق، وكذلك عبد الرحمان بدوي، وبدوي أشار إلى بعض الملاحظات في إنتاجه وأنه لم يكن بالعمق الذي كانت به دراسات أستاذه ماسنيون وتعريفا بالمؤلف وبإنتاجه نوجز ما كتبه العقيقي حوله:

لاوست (المولود 1905)

هنري لاووست ابن المستشرق اميل لاوست (1892-1956) صاحب المصفنات والدراسات عن لهجات البربر في المغرب ذتخرج هنري من دار المعلمين العليا ومدرسة اللغات الشرقية والسوربون، وانضم إلى المعهد الفرنسي بالقاهرة (1931-44) وعين مديرا له (1941) وأستاذا في جامعة ليون (1945) ثم ولى كرسي الاجتماع الإسلامي في معهد فرنسا (1956) ونال أوسمة عدة بينها أوسمة عربية، وانتخب عضوا في مجامع كثيرة منها المجمع العلمي العربي بدمشق (1956) وهذا ما ذكره العقيقي ولكن غيره ذكر انه انتمى الى التجمع عام ا1942ب.

آثاره

 ويفصل العقيقي انتاجه على النحو التالي: (القاهرة ونشاطها في الإسلام العربي المعاصر) (إفريقيا الفرنسية، 43، 1933) والمدخل إلى بحث تعليم العربية في مصر (مجلة الدراسات الإسلامية 7/1933) وآراء في مذهب ابن تيمية (منوعات ماسبيرو، 1937-37) و(الخلافة على مذهب رشيد رضا (1938) ودراسة المنهج الأوصولي لابن تيمية (منشورات المعهد الفرنسي بالقاهرة 1939) و(رسالة في مبادئ ابن تيمية الاجتماعية والسياسية)، في 755 صفحة (المصدر السابق 1939) وسيرة ابن تيمية نقلا عن ابن خطير (نشرة الدراسات الشرقية 1946) وحياة أبي العلاء المعري وفلسفته (مستخرجة عن نشرة الدراسات الشرقية، ج10، 1943-1944) ورسالة في القانون العام لابن تيمية (1947)  وترجم إلى الفرنسية ولاة دمشق في عهد المماليك وأوائل العهد العثماني لمحمد بن طولون ومحمد بن جمعة، وهما كتابان الأول: إعلام الورى بمن ولى نائبا من الأتراك بدمشق الكبرى، الثاني: الباشات والقضاة (منشورات المعهد الفرنسي بدمشق 1956).

مترجمات

ويذكر له في الترجمة العمدة لابن قدامة، ترجمة دقيقة، معززا كل لفظة بلفظها العربي مكتوبا بالحرف اللاتيني، مع مقدمة مسهبة ممتعة، ترجم فيها للمؤلف وأسرته، وبحث في مذاهب الحنابلة في القرنين السادس والسابع للهجرة، في الشام والعراق، وما اتصل به من أحداث سياسية (بيروت 1950) ونشر، بمعاونة الدكتور سامي الدهان: الذيل على طبقات الحنابلة للشيخ شهاب الدين أحمد بن رجب البغدادي الدمشقي، بتحقيق ومقدمة ضافية وفهارس دقيقة. وأعمال المجمع العلمي العربي بدمشق من 1921 إلى 1950 (نشرة الدراسات الشرقية، 13، 1949 -51) وفهرس مقالات مجلته في العشرين السنة الأولى. وله: ابن خطير المؤرخ (ارابيكا، 6،1955) وابن حنبل (1956) والطرائف الأولى لمذهب الحنابلة (1957) والنظام السياسي الديني في الشرع الإسلامي (1957) والإبانة عن أصول السنة والديانة لابن بطة العكبرى (دمشق 1958).

المكانة العلمية

لقد اوردت هذا السرد التفصيلي لمؤلفات الكاتب للتدليل على مكانته الفكرية والعلمية، وأن تفرغه ودراسته تكاد تكون منحصرة في المذهب الحنبلي ورجالاته، مع انه يشتغل ويعيش في مجتمعات لا تأخذ بمذهب الامام احمد الحنبلي في الفروع في اقطار المغرب بالعربي تقلد المذهب المالكي ومصر يسود فيها الشافعي وان كانت التعدد المذهبي فيها والشام يحكم التأثير العثماني يسود فيها المذهب الذي تبنته الدولة العثمانية وهو مذهب الامام ابي حنيفة.

لماذا الحنابلة

ولعل ما دفع المؤلف الى العناية بالحنابلة هو تأثير ابن تيمية والتوجه السلفي في العقائد الذي يعتمده دعاة الاصلاح الفكري والاجتماعي في العالم الاسلامي في اواخر القرن التاسع عشر واثناء مقاومة الاستعمار في القرن العشرين والباحث الاووستب لا يمكن ان يكون بعيدا عن ما كان يجري في المغرب وهو تلميذ فيه ووالده يدرس (اللهجات الامازيغية)، والحركة الوطنية التي اعتمدت السلفية واجتهادات ابن تيمية وهي توقظ الشعور الوطني لدى المغاربة وتسعى لتوحيد الصف في سياق التحرر من الانحرافات والانزلاقات التي اصابت المجتمع نتيجة لتصرفات بعض الطرقيين وبعض الشيوخ الذين اصابهم الجمود الفكري ولا نستغرب والمؤلف انجز دراسات على محمد عبده ورشيد رضا وترجم كتابه على الخلافة وهو يدرك تماما مدى تعاطف المغاربة مع ما كان يجري في الشرق من احداث.

استدراك

وما لم يذكره نجيب العقيقي من ابحاث ودراسات للمؤلف يمكن استدراك بعضه بما ورد في كتاب تذكاري جمعه واعده اصدقاء وتلاميذ (لاووست) عام ا1984ب في مجلد وذكرت مجلى الاجتهاد في العدد الواحد والعشرين خريف ا1993بم ذ 1414 ه الصفحة 7-8، ان المجلد الذي يحمل عنوان  اPluralisames dans LصIslamب.

التنوع في الوحدة

عام 1984 قام بعض أصدقاء وتلامذة المستشرق المشهور هنري لاروست H.Laoust بجمع منتخبات من مقالاته في مجلد واحد سموه:Pluralisames dans LصIslam وهذه هي عناوين بعض مقالات ودراسات المجموعة المذكورة: الحنبلية في ظل خلافة بغداد، والحنبلية في حقبة المماليك البحرية، والفرق الإسلامية في كتاب الفرق بين الفرق للبغدادي، وفكر الماوردي وعمله السياسي، ودور علي في السيرة الشيعية، ونقد الحلي للعقائد السنية، وأصول نظرية الإمامة في امنهاج الكرامةب للحلي، وإشكاليات تحديد التسنن والتشيع، واتجاهات الإصلاح السلفي في العصور الحديثة، والإصلاح التربوي في العالم العربي، نموذج مصر. فما قصده لاووست laoust وجامعو مقالاته التنبيه إلى التنوع الثقافي البالغ السعة والشسوع في عالم الإسلام الثقافي والحضاري في التاريخ وحتى مطالع العصور الحديثة. وكما أوضح المؤلف نفسه في المقدمة التي وضعها للمختارات بعنوان:

التنوع في الوحدة.

التعايش

ويعلق محررو المجلة بالقول: فإن هذا الاختلاف ما كان سياسيا أو اجتماعيا أو ثقافيا وحسب؛ بل كان دينيا أيضا إذ تعايشت مع الإسلام في عالمه عدة ديانات أخرى أهمها الديانتان اليهودية والنصرانية كما كان الاختلاف مذهبيا إذ تعددت الفرق داخل الإسلام نفسه. والحنبلية التي اهتم بها لاووست laoust طوال حياته بما في ذلك تأثيراتها على الإصلاح السلفي منذ القرن الثامن عشر هي اتجاه عقدي وفقهي داخل الإسلام، كما أن السنية والشيعية اختلافان عقائديان وفقهيان وسياسيان داخل الإسلام؛ بداخلهما هما أيضا تنوعات كثيرة. لكن الوصف بالتعددية هنا ليس سببه هذا المعطى التاريخي؛ بل يعود إلى الدرجات المتفاوتة من الاعتراف المتبادل والعام على المستويين الديني والاجتماعي الذي حظي به هذا التعدد. فهناك من جهة امنظومة أهل الكتابب المعروفة في عالم الإسلام الفقهي باسم انظام أهل الذمةب والتي تعني اعترافا محدودا باليهود والمسيحيين وفيما بعد المجوس من الناحيتين الدينية والاجتماعية. وهناك – على الرغم من وجود أرثوذ كسية سنية وشيعية – اعتراف بالآخر المختلف داخل الإسلام باعتباره مسلما مادام لا يخرج على ما هو معلوم من الدين بالضرورة.

والآن، وقبل الانتقال إلى تفصيل ما أجملناه، علينا التعريف بمترجم الكتاب وهو الأستاذ محمد عبد العظيم ذفقد حصل على باكالوريوس في التجارة عام 1960 وعلى ليسانس في الآداب ذجامعة الإسكندرية- قسم اللغة الفرنسية عام 1965 سبق له ترجمة الكتب الآتية:

– (مدخل إلى القرآن الكريم) للدكتور محمد عبد الله دراز ذنشر دار القلم- الكويس ومراجعة الدكتور السيد محمد بدري أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإسكندرية.

– (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) للأستاذ مالك بن نبي ذنشر مكتبة عمارة بالقاهرة.

– وله تحت النشر كتاب (المستشرقون وتحريف السيرة) وهو ترجمة مختصرة حياة محمد (صلى الله عليه وسلم) للمستشرق الفرنسي شعاري، تعليق ونقد الأستاذ عبد المتعال الجبري.

أما الكتاب الذي بين أيدينا، فإنه من أضخم الكتب التي ظهرت عن شيخ الإسلام ابن تيمية من حيث الحجم، ومن حيث سعة البحث، ويعد عنوان المناهج المستشرقين في دراسة العلوم الإسلامية طبقا لأساليب البحث الغربية.

ويرجع اهتمامنا بالكتاب الى عاملين:

العامل الأول: وفرة المعلومات والبيانات التي جمعها المؤلف في حقل البحث العلمي المتصل بالدراسات الإسلامية، بحيث تمد القارئ بمعلومات وفيرة، وتمكنه من الوقوف على عوامل ومظاهر المشادات العقلية بين علماء المسلمين، مع تقديم جوانب متعددة في علوم الفقه والحديث والمذاهب الإسلامية وغيرها بحيث تغني عن الرجوع الى أمهات المصادر، وقد بذل لاووست جهدا كبيرا في الجمع والتصنيف فجاء كتابه معبرا عن سخاء الجهد، ووفرة المادة، مع حرصه على ألا تكون على حساب عنصر التشويق واجتذاب القارئ.

وقد أمدته قراءاته الواسعة بمعلومات وفيرة أخضعها لمنهجه تحليلا وتركيبا، وصاغ مواده بقلم عالم أديب، فأخذ ينقلنا من تصوير العصر والبيئة- وكأننا تعيش مع المماليك البرية والبحرية. في قصورهم وأثناء حروبهم_ إلى أسرة ابن تيمية وأفرادها في منزل العلم والحكمة. ولعل أكثر ما يثير الإعجاب_ أنه بالرغم من جفاف طبيعة البحث، فقد استطاع مؤلف ببراعة أن يمزجه بعناصر التشويق، فيجعلك تتلهف على قراءة فصوله بلا ملل، ومن وسائله أنه لا يعزل الأشخاص عن مجتمعاتهم، ولا يفصل أفكارهم عن منابعها أو أثارها. وإذا بدأت تحس بالفتور إزاء التفاصيل الدقيقة لألوان من الحياة الاجتماعية أو الثقافية أو السياسية، عاد فأحاطك بمعلومات وفيرة عن الحياة الشخصية لأحد العلماء، والتعريف بأفكار وكتبه، حتى إذا أشبع فضولك وضع على مائدة الفكر صنوفا من الطعام في أطباق مختلفة، تجمع بين الفكرة الفلسفية، أو الإجتهاد الفقهى، أو التأويل الكلامي وهكذا، يخرج القارئ بعد قراءة الكتاب بزاد وفير يعفيه من الوقت والجهد اللازمين للرجوع إلى مئات المصادر الأصلية التي أطلع عليها المؤلف.

   العامل الثاني: بشخصية ابن تيمية واجتهاداته العلية، ونشاطه المتعدد الألوان، وكأن التاريخ قد توقف عنده ليسمعنا صوت متجددا، في عصر ظن البعض أن عقول المسلمين قد توقفت مكتفية بالتقليد بالنقل عن أرباب المذاهب.


شارك برأيك

إلغاء الرد

اقرأ أيضاً


الأكثر قراءة


الأكثر تعليقا